مطارات اليمن بين السيادة والواقع… عندما يصبح البيان أكثر ازدحامًا من المدرج
في السياسة اليمنية، يبدو أن البيانات الرسمية أصبحت أكثر ازدحامًا من المطارات نفسها.
يخرج رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي معلنًا: "لن نسمح بدخول أو هبوط أي طائرة أجنبية في أي مطار يمني خارج موافقة الحكومة الشرعية، وقد قدمنا بدائل قانونية لتشغيل مطار صنعاء عبر الخطوط الجوية اليمنية."

تصريح يبدو في ظاهره دفاعًا عن السيادة، لكنه يثير سؤالًا لا يستطيع أي يمني تجاهله:
أي طائرات أجنبية يقصد؟
فمنذ سنوات، لم تعد مطارات اليمن تستقبل شركات الطيران العالمية كما كان الحال قبل الحرب. فلا الخطوط التركية، ولا المصرية، ولا القطرية، ولا الإماراتية، ولا الأردنية، ولا غيرها من شركات الطيران الدولية تهبط بصورة طبيعية في المطارات اليمنية. لقد غادر الجميع، ليس لأن الحكومة منعتهم، بل لأن الحرب والاضطراب وانعدام الاستقرار جعلت اليمن خارج خريطة الطيران المدني.
ولهذا يبدو الحديث عن منع الطائرات الأجنبية أشبه بإعلان حظر دخول زوار إلى منزل هجره الجميع منذ سنوات.
أما الواقع، فهو أن السماء اليمنية لا تشهد إلا رحلات محدودة للخطوط الجوية اليمنية، ورحلات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية.
والمفارقة أن الحكومة تقدم الخطوط الجوية اليمنية باعتبارها البديل القانوني، بينما يعلم الجميع أن الشركة ليست بعيدة عن الترتيبات السياسية والاقتصادية القائمة، وأن للمملكة العربية السعودية مساهمة كبيرة في هيكل ملكيتها إلى جانب الحكومة اليمنية. وبالتالي فإن الحديث عن "بدائل" يبدو مبالغًا فيه، لأن البديل الوحيد هو الشركة نفسها، بينما تغيب المنافسة الدولية بالكامل.
لكن المأساة لا تقف عند هذا الحد.
فمن يسافر اليوم من اليمن؟
ليس رجال الأعمال ولا السياح، بل مرضى السرطان والفشل الكلوي وأمراض القلب الذين يبحثون عن فرصة علاج، وطلاب الجامعات الذين يطاردون مستقبلهم، ومغتربون يهربون من البطالة والجوع، وأسر تمزقتها الحرب تبحث عن حياة أكثر أمانًا.
حتى المطار نفسه لم يعد بوابة سفر، بل أصبح بوابة نجاة.
أما الطائرات الأخرى التي لا تزال تهبط، فهي طائرات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، التي يفترض أن تحمل الغذاء والدواء والمساعدات لإنقاذ ملايين اليمنيين.
لكن هنا تبدأ الأسئلة الأكثر إيلامًا.
فبعد سنوات من المساعدات الدولية التي تُقدّر بمليارات الدولارات، لماذا لا يزال ملايين اليمنيين يعيشون تحت خط الفقر؟
ولماذا تتكرر اتهامات بوجود فساد وسوء إدارة في توزيع المساعدات؟
ولماذا يشتكي المواطن في القرى والأرياف والمخيمات من أنه لا يرى تلك المساعدات إلا في نشرات الأخبار؟
هناك مطالبات متزايدة بفرض رقابة مستقلة على المساعدات الإنسانية، والتحقيق في كل ادعاء يتعلق بسوء التوزيع أو استغلال النفوذ، لأن المساعدات ليست ملكًا لحكومة، ولا لحزب، ولا لمسؤول، ولا لمنظمة، وإنما حق للجائع والمريض والنازح.
والسخرية المؤلمة أن اليمن اليوم يستورد أكياس الدقيق أكثر مما يستورد الطائرات.
ويستقبل وفود المانحين أكثر مما يستقبل المستثمرين.
ويصدر أبناءه المهاجرين أكثر مما يستقبل السياح.
إن السيادة ليست بيانًا صحفيًا، ولا مؤتمرًا إعلاميًا، ولا تصريحًا متلفزًا.
السيادة أن تعود الخطوط الجوية العالمية إلى مطارات اليمن لأنها تثق بالأمن والاستقرار.
السيادة أن يحصل المريض على العلاج داخل وطنه، لا أن يحمل ملفه الطبي ويتوسل الحصول على مقعد في رحلة.
السيادة أن يعمل الميناء والمطار والمصنع والجامعة، لا أن يتحول الوطن كله إلى غرفة انتظار للمساعدات.
السيادة أن تكون الدولة قادرة على حماية المال العام، ومحاسبة الفاسدين، وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها دون وساطة أو محسوبية.
أما اليوم، فالمشهد يبدو وكأنه مسرحية سوداء.
المدرجات شبه خالية.
الطائرات نادرة.
المواطن ينتظر السفر للعلاج.
المنظمات الدولية تحمل الغذاء.
والسياسيون يتجادلون حول طائرات لا تأتي أصلًا.
إن اليمن لا يحتاج إلى بيانات تمنع طائرات غائبة، بل يحتاج إلى دولة تعيد الطائرات الغائبة، وتعيد معها المستثمر والسائح والطالب والطبيب والمغترب، قبل أن تعيد للمواطن ثقته بأن لهذا الوطن مستقبلًا يستحق الانتظار.
