الكاتب ناشر العبسي والذاكرة الانتقائية
في اللحظة الإنسانية الأكثر جلالاً ومهابة حيث يلتقي الابنُ برفات أبيه المغيّب خلف جدران الفقد لعقدٍ من الزمن، وبدلاً من أن يفرض الموتُ صمته الأخلاقي احتراماً لجسدٍ أُنهك إخفاءً، اختار قلمٌ محسوبٌ على "الجبهة الوطنية" أن يوقظ ضغائن ثمانينيات القرن الماضي. إنها محاولة بائسة لتصفية حسابات سياسية قديمة على هامش نعشٍ لم يبرد بعد.
تتجلى في هذه الشهادة ظاهرة الاختزال في أبشع صورها؛ حيث يُنتزع رجلٌ بحجم محمد قحطان من سياقه المدني المعاصر كمهندس للتعايش السياسي، ليُحشر قسراً في صورة "المقاتل الميداني" قبل نصف قرن. هذا التوقيت الفادح لا يعكس فقراً في الإنسانية فحسب، بل يكشف عن عجز أيديولوجي يرى في غياب الجسد فرصةً سانحة لاغتيال الرمزية المدنية للرجل، وكأنهم يحاولون قتله مرتين: مرةً بالإخفاء والاعدام البشع وأخرى بالتشويه التاريخي.
تكتمل المفارقة في هذه القراءة حين يُقدم الكاتب فصيله المسلح ("الجبهة الوطنية") بوصفه ممثلاً حصرياً لإرادة الشعب اليمني، متناسياً بنوعٍ من "الفقدان الاختياري للذاكرة" أن جبهته تلك كانت أداة عسكرية تتلقى تمويلاً خارجياً مباشراً لتقويض الدولة وممارسة العنف ضد مجتمعاتها المحلية. إنها محاولة لإعادة كتابة التاريخ من طرف واحد، عبر إدانة الارتباط بالخارج لدى الخصوم، وتشريعه وتقديسه عندما يتعلق الأمر بالذات.
إن محاولة محاكمة الموتى بأثر رجعي، والقفز فوق المأساة الإنسانية الراهنة لاستدعاء صراعات غابرة، لا تمثل قراءة للتاريخ، بل تمثل انكساراً أخلاقياً يفشل في الارتقاء إلى مستوى اللحظة. فبينما يشيّع اليمنيون رمزاً مدنياً، تصر بعض الأقلام على البقاء حبيسة خنادق الماضي، لتثبت أن الأيديولوجيا حين تتجرد من الإنسانية، تصبح أشد قسوة من الموت نفسه.
