الثلاثاء 14 يوليو 2026

عن كنايات الأمل اليمني..

* "هناك دائمًا طريق لكي نكون أفضل".
استوقفتني هذه الجملة وأنا أقرأ رواية "عدّاء الطائرة الورقية" للأفغاني خالد حسيني.. حينها أخذتني المقولة إلى قصة اليمنيين مع الأمل.. فهو بالنسبة لهم ليس مجرد تعبير مجازي فقط، لكنه يحمل معولًا ويبني بيتًا ويزرع أرضًا ويفتح مدرسة ويخلق طبيبًا.. هو طريقة حياة يمنية خالصة، وجينات متوارثة، وعناد وجودي يرفض الاستسلام.. في اليمن.. لا يموت الضوء، يختبئ فقط في عزيمة الإنسان الرافض للانكسار.

* وحده الأمل الذي يتشبث به الإنسان اليمني.. هذا الكائن الأليف الذي يرفض أن يموت في أنفسنا رغم كل محاولات الاغتيال اليومية.. وكأنه فعل حتمي من أفعال المقاومة الدائمة.. رغم الحرب التي طالت سنواتها، والفقر الذي تمدد في البيوت والطرقات.. ومع ذلك ترى الابتسامة في الوجوه، وتسمع جملنا الشهيرة: "أي خدمات"، "خليها على الله"، "بتسبر".. فوحده الأمل يقنعنا أننا ما زلنا أحياء، ولنا أحلام ومستقبل وأحفاد.

* اليمني، رغم كل شيء، ما يزال يصر على الأمل بعناد أسطوري غريب.. يخرج من تحت الأنقاض لينفض الغبار عن ثوبه، ويتفقد زوجته وأطفاله أو ما تبقى منهم، ويعيد جمع أحجار منزله بجانب حفرة تسبب بها قصف صاروخي وهم نيام.. يبكر "غبش" بعربية البطاط الحامي رغم أزيز الرصاص.. فالحروب التي لا تنتهي علمت اليمنيين الصبر على المحن، ومعنى التمسك بالحياة وسط الخراب، والعيش على أمل أن يحل السلام قريبًا.

* الأمل.. ذلك الخيط الذي يتمسك به اليمني كل صباح.. رغم غياب الدولة، وتعدد أطراف الصراع، وتراكم الخيبات فوق صدور الناس.. ترى الأجساد النحيلة في الأسواق المزدحمة لا تزال تبيع وتشتري ولو دينًا، لكنها واثقة بالسداد... في القرى المعلقة في صدور الجبال لا يزال هناك من يحرث القليل من الأرض ويزرعها.. ومع كل حبة بن أو شعير يزرع وعدًا ل "بكرة".. ومع كل فوز في مباراة كرة قدم ينسون أحزانهم ويخرجون للاحتفال.. ومع كل هدف تتوحد قلوبنا جميعا تحت راية المنتخب .

* غابت الدولة في كثير من تفاصيل حياة الناس، وتنازعت القوى المختلفة على الأرض والقرار وتقاسمتها بالقوة والقوى الإقليمية.. بينما بقي الإنسان اليمني البسيط وحيدًا في مواجهة أعبائه اليومية.. ومع ذلك لم يتخلَّ عن أمل الخلاص.. وما زال يؤمن أن لهذا الليل نهاية، ويحلم بأن تنام البنادق قريبا.. وأن قادة الحرب "عا يعقلوا وإلا با يشلهم ربي".

* رغم أن الكثير من الأصدقاء ذرتهم رياح الحرب في أصقاع الأرض.. منهم من ابتلعته المقابر الكثيرة، ومنهم من تحولت بيننا وبينهم المتارس والنقاط العسكرية.. ومع ذلك لا يزال صديقي محمد الظاهري يأمل أن نجلس مجددًا على ذات الرصيف لنغني ونضحك على غمدان اليوسفي حينما "يبوسر"، وعلى بدلة الأسعدي وربطة عنقه الصفراء في أول لقاء جمعنا، و"نحش" على بقية "الشلة" قبل قدومهم.. وكأن سنوات الجمر كانت مجرد كابوس عابر.. استيقظنا منه فجأة.. لنحيا .

* أحد الرفاق قال: أنا أقاوم الشتات في أوروبا.. كلما أرى جسرًا مهيبًا أو شارعًا جميلًا أقوم بالتركيز على التفاصيل.. فيومًا ما سنبني جسرًا وشارعًا أفضل منهما في اليمن.. أرى انتظام الناس في طوابير دفع حساب السوبرماركت، وأجزم: ذات يوم سنكون في يمننا أكثر انتظامًا.. أرى قطارًا وأتخيله بديلًا لطريق العبر.. انتظارنا هنا هو أمل حي ونابض.. سنعود لليمن لنبنيها.. حتى أنا أقنع نفسي أن فخ "أمل العودة" سبب مقاومتي للاندماج.. فغدًا سنرجع لنموت بين أغنامنا وقرانا مثل "محمد المساح"، لا بين الأبقار الأوروبية السمينة.

* بالنسبة لي.. كل طفل لا يزال يذهب إلى مدرسته وسط الظروف الصعبة هو رسالة أمل.. كل مدرس يصر على إتمام تدريس المنهج وهو بلا راتب هو الوفاء بعينه.. كل مزارع يتمسك بأرضه هو إعلان ثقة بالمستقبل.. كل طبيب يقدم الرعاية الصحية هو الضمير.. وكل أم تواصل الدعاء لأبنائها شكل من أشكال الإسناد الدافئ.. الأمل.. كل أب يعود مساءً متعبًا لكنه بخير.. الشاب الذي يحفظ أشعار الغزل لا زوامل الجبهات.. والفتاة التي ترفض الزواج بعجوز "كله جشايب".. ذلك ينبوع الأمل الذي نشرب منه لنحيا.

* صحيح أن كل بيت في اليمن يحمل قصة فقد أو نزوح أو فقر أو معاناة.. لكنه يحمل أيضًا حكاية صبر وصمود. فهكذا يعيش اليمني.. بين وجع لا ينتهي، وأمل لا يموت.. يحمل جراحه بيد، ويتمسك بحلم الخلاص باليد الأخرى..

إن فقدان الأمل عند اليمنيين.. يعني لهم فقدان آخر ما تبقى من ذكريات وحب ووطن سينهض من جديد.