الثلاثاء 14 يوليو 2026

النشيد الذي منع من التصفيق

قالوا هذا وطن كامل الأوصاف

فصدقت الخرائط

ثم اكتشفت أن الخرائط لا تصاب بالخجل

وطن إذا ضحك الحاكم فيه بكت الشوارع

من فرط التصفيق

وطن يعلق الشمس على صدر البيان

ثم يطفئها حين يحين موعد الكهرباء

وطن تتسع فيه السجون

حتى تكاد تنافس السماء

ويضيق فيه الرصيف عن ظل شاعر

وطن يوزع الأوسمة على الذين أتقنوا الصمت

ويحاكم الكلمات بتهمة رفع الرأس

فيه يصبح الكذب لغة رسمية

والصدق لهجة مهددة بالانقراض

كل شيء في مكانه الصحيح

اللص فوق المنصة

والقاضي ينتظر إذنًا ليحكم بالعدالة

والعدالة تنتظر وطنًا تعرف عنوانه

يا أيها الوطن يا كامل الأوصاف

كم أتعبت النعوت

فكلما أضفت إليك صفة

حذفت منها المعنى

وتركت لي القاموس يبكي على حروفه

وطن يتقن صناعة النشيد

ولا يجيد الإصغاء إلى حنجرة أم

تعد أبناءها كما يعد الفلاح سنابل خسرها للحريق

وطن

كل نافذه فيه تفتح على خطاب

وكل باب يغلق على سؤال

إذا مر المسؤول وقفت الأشجار في وضع الانتباه

وانحنت الريح حتى لا تتهم بسوء الأدب

في هذا الوطن الساعة لا تقيس الوقت

بل تقيس المسافة بين وعد جديد

ووعد أقدم منه لم يصل

في هذا الوطن يوزع الأمل بالبطاقات

ويمنع الحلم لأنه لا يحمل تصريحًا

حتى الغيم إذا أراد أن يمطر

يسأل أولًا هل تسمح النشرة الرسمية

بسقوط المطر؟

يا وطني

كم مرة غيرت أسماء الهزائم

حتى ظن الأطفال أن النصر

هو الاسم الحركي للخسارة؟

وكم مرة ألبست الخوف بدلة الحارس

وألبست الجوع وسام الصبر

ثم طلبت من الناس أن يصفقوا لبلاغة المشهد؟

أيها الوطن

ليس الخراب أن تسقط الحجارة

بل أن يقف الإنسان لمن أسقطها

وليس الفقر أن تخلو الجيوب

بل أن تمتلئ المنابر بالمواعظ

وتخلو الموائد من الخبز

يا كامل الأوصاف

أي وصف يسع بلادًا صار فيها الصدى

أشجع من الصوت

والظل أصدق من صاحبه

والصمت أعلى رتبة من الحقيقة؟

ومع ذلك

مازلت أزرع في اللغة نافذة

وأخبئ في القصيدة مفتاحًا

لعل طفلًا لم يتعلم الانحناء بعد يعثر عليه

ويفتح باب وطن لا يحتاج إلى صفة

يقولون الوطن بخير

فتبتسم المرايا لا لأن الوجوه جميلة

بل لأنها تعلمت أن الكسر أكثر أمانًا من الصراحة

في هذا الوطن

يصبح الخبر قديمًا قبل أن يولد

لأن الحقيقة تمشي على عكازين

بينما الإشاعة تركض في موكب رسمي

كل شيء له نسخة احتياطية

للعدالة احتفال

وللحرية خطبة

وللكرامة لافتة تتدلى فوق جدار

لا يجرؤ أحد على لمسه

حتى الوطن

له صورة في الكتب

وصورة في الخطب

وصورة في نشرات الأخبار

أما صورته في عيون الناس

فتمنع من النشر

أيها الواقفون على شرفات المجد المستعار

كم مرة غيرتم لون العلم

وبقيت الأكفان بلونها الأول؟

وكم مرة بدلتم كلمات النشيد

وبقيت حناجر الجياع تنشد الرغيف؟

يا وطنًا

يحاسب فيه السؤال

ولا يسأل الجواب

تكرم فيه المهرج

إذا أتقن الوقوف خلف العرش

وينفى الحكيم إذا قال

إن الشمس لا تشرق بقرار

أعرف

أن الليل يطيل إقامته

وأن الضجيج يرتدي ثياب الحقيقة

لكنني لن أستعير لساني من أحد

ولن أبيع القصيدة لتصير بيانًا

سأتركها شوكة في خاصرة الزيف

ونافذة كلما أغلقوها فتحتها الريح

باسم الذين لم يتعلموا كيف يصفقون

وطن

إذا عطس المسؤول أعلنت حالة المجد

وإذا جاع طفل قيل

إنه يتدرب على الصبر الوطني

وطن

يكتب دستوره بقلم من ذهب

ثم يعلقه على باب لا يملك أحد مفتاحه

فيه

لا يمنع الكذب بل يمنح منصبًا

ولا تحاكم السرقة

بل تغير أسماء المحروقات

فتصبح إصلاحًا وتحديثًا

ومصلحة عليا

كل شيء متاح

إلا الحقيقة

فهي السلعة الوحيدة التي لا يسمح السوق بتداولها

يا وطنًا

يوزع الأوسمة على صانعي الضباب

ثم يلوم الناس لأنهم لا يرون الطريق

كم خطيبًا صعد المنبر ليمدح السفينة

بينما كانت تتسرب المياه من تحت قدميه؟

وكم بطلًا ولد في نشرات الأخبار

ثم مات عند أول سؤال

أيها الوطن كامل الأوصاف

بلغت من الكمال أن المواطن يبحث عنك في جيبه

وفي رغيفه وفي دفتر ابنه وفي مرآته

ولا يجد إلا ختمًا يؤكد أنه مازال ينتظر وطنًا

وطن

يخاف فيه الكرسي من ظله

لأن الظلال تتذكر ما تنساه الخطب

فيه

كل باب يفتح على باب

حتى يضيع الداخل في متاهة الأقفال

ويظن أن السجن كان اختياره

وطن

إذا ارتفع فيه صوت الحقيقة قيل

أخفضه

فإن الجدران تصاب بالذعر

وإذا انحنى الكذب ليلتقط وسامًا

وقفوا جميعًا احترامًا للاستقامة

في هذا الوطن

المرآة هي المتهم الأول

لأنها لم تتعلم فن التزوير

والنافذة عميلة لأنها تهرب الضوء

والريح مشبوهة لأنها لا تقرأ التعليمات

يا وطنًا

كم شاعرًا دفنت قصيدته قبل أن تولد

ثم أعلنت أن الصحراء لا تنبت الزهور

وكم مفكرًا كسرت قلمه

ثم شكوت من ندرة الأفكار

أيها الوطن

ما أكثر تماثيل العظمة

وما أقل العظماء

وما أطول الخطب

وما أقصر عمر الحقيقة على المنابر

لقد صار التاريخ موظفًا

يوقع آخر الدوام

ثم يعود إلى بيته وفي جيبه روايتان

واحدة للأرشيف

واخرى للأحفاد

أما أنا

فلن أستعير لساني من طبول المواكب

ولا من أبواق البلاط

سأكتب حتى إذا صادروا الحبر

كتبت بالفحم

وإذا صادروا الفحم كتبت بالرماد

وإذا صادروا الرماد

كتبت بأثر الخطوة على تراب

يعرف أن الأوطان لا تبنى بالهتاف

بل بإنسان لا يخاف حين يرى الحقيقة

وطن

تغسل فيه الأرصفة قبل مرور الموكب

وتترك الأزقة لتتعلم فن الاختفاء

وطن

كلما ضاق بالناس اتسع بالشعارات

وكلما ارتفعت الأسعار

انخفضت لغة الأسئلة

في الساحة الكبرى

تمثال يشير بيده إلى الغد

لكن الغد كلما اقترب منه

استدار وعاد إلى الأمس

أما الساعة

فلا تعلن الوقت بل مواعيد التصفيق

والأجراس لا تنذر بالخطر

بل ببداية الخطاب

في هذا الوطن

إذا ابتسمت كثيرًا سألوك لأي جهة تنتمي؟

وإذا حزنت قالوا تشوه الصورة العامة

وإذا صمت كتبوا عن حكمتك

وإذا تكلمت كتبوا عن خطئك

يا وطنًا

توزع فيها الأقنعة مجانًا

حتى صار الوجه الحقيقي

ترفًا لا يقدر عليه الفقراء

ورأيت

رجالًا يحملون الوطن في خطاباتهم

لكنهم كلما ثقلت الكلمات

أنزلوه على أكتاف الناس

ورأيت

طفلًا يرسم بيتًا وشجرة وشمسًا

ثم توقف طويلًا أمام رسم العلم

كأنه يسأل الورقة

هل يكفي اللون

ليصبح الشيء حقيقة

أيها الوطن

ليست المأساة أن يغلو الضجيج

بل أن يعتاده السامعون

وليست الهزيمة أن تخسر معركة

بل أن يقنعوك أن الهزيمة اسم آخر للانتصار

وسيبقى الشاعر يمشي بعكس الموكب

لا لأنه يعشق المخالفة

بل لأن الطريق الذي تسير فيه

الجموع ليس دائمًا هو الطريق الذي يقود إلى الوطن

وطن

أنشأ وزارة لترميم المرايا

لا لأن الوجوه تكسرت

بل لأن الحقيقة كانت تظهر دون أذن

وطن

كل شيء فيه يحتاج إلى ختم

إلا الوعود فهي تعبر الحدود

بجواز السفر نفسه منذ أعوام

رأيت

الأرصفة تحفظ أسماء العابرين

أكثر مما تحفظ الدفاتر حقوقهم

ورأيت النوافذ تغلق ستائرها

كلما مرت الحقيقة

خشبية أن تتهم بالتعاون مع الضوء

في هذ الوطن

ليس السؤال جريمة

الجريمة أن بجد السؤال جوابًا

وليس السكوت فضيلة

الفضيلة كما يقولون

أن تصفق بكلتا يديك

ولو كانت إحداهما مقيدة

يا وطنًا

يبدلون أسماء الفصول

لكن الشتاء يعرف عنوان البيوت التي لا مدافئ فيها

ويبدلون أسماء الأزقة

لكن الجوع لا يقرأ اللافتات

ويبدلون أسماء الأزمات

لكن الأمهات يعرفنها من عدد الأرغفة

لا من نشرات الأخبار

أيها الواقفون فوق أبراج اللغة

كم مرة طليتم الصدأ بلون الذهب

ثم أقنعتم الناس أن الشمس

صارت تشرق من خزائنكم؟

وكم مرة وزعتم الأوسمة على الصدى

ثم استغربتم أن الصوت اختار المنفى؟

أنا

لا أبحث عن وطن يجيد الوقوف أمام العدسات

أبحث عن وطن إذا ضحك طفل فيه

لم يحسب ذلك ضمن إنجازات العام

وإذا قال شيخ تعبت

لم يتهم بإهانة المستقبل

وإذا كتب شاعر قصيدة

لم يحتج أن يعتذر للقافية

ولا للريح ولا للنجوم لأنه قال ما رآه

فالوطن

ليس لافتة أكبر من المدينة

ولا خطابًا أطول من النهر

ولا تمثالًا أعلى من الإنسان

الوطن

هو أن تمشي مرفوع القلب

لا مرفوع الشعار

ها أنا

بعد هذا الركام كله

لا أحمل إلا قصيدتي

لا سيفًا يطلب الدم

ولا راية تطلب التصفيق

ولا منبرًا يبيع الكلمات بالجملة

أحمل كلمة كلما أرادوا خنقها

كبرت كشجرة تعرف أن الفؤوس تموت

أما الغابة فتعرف طريق العودة

يا وطنًا

أرهقته الخطب الطويلة

حتى صار يصغي إلى همسة طفل

أكثر مما يصغي إلى ضجيج الساحات

وأرهقته الوجوه التي تتبدل ولا يتبدل القناع

وأرهقته الأعلام التي ترفرف فوق الريح

ولا ترفرف فوق العدالة

لكن الوطن

ليس القصر إذا خلا من الإنسان

وليس الكرسي إذا علا على الضمير

وليس التاريخ إذا كتبه المنتصر وحده

الوطن

ذلك الاسم الذي لا يكتمل

إلا حين ينام الفقير بلا خوف

ويمشي المختلف بلا تهمة

ويقول الشاعر قصيدته دون أن يلتفت

إلى باب قد يطرق في آخر الليل

فإن سألوني

ماذا تركت بعد هذا العمر؟

قلت

تركت مرآة في وجه الزيف

وتركت نافذة للضوء

وتركت قصيدة لن تغير العالم بمفردها

لكنها ستمنع العالم من أن يعتاد الظلام

ثم أمضي

غير نادم على كلمة لم تبع

ولا على موقف لم ينحنِ

ولا على وطن ظللت أكتبه كما ينبغي أن يكون

لا كما أرادوا له أن يروى