الكتابة: ملاذًا ومقاومة
سفرجلات أفغانستان.. يوميات الألم والأمل.. قراءة في كتاب "كابول حبيبتي" - Geliebtes Kabul

"سأراها تمر عليها كل الفصول، وهي وحيدة، ستقف في مواجهة الخريف، ثم سأرى أوراقها تصفر وتتساقط، وبعدها ستقف عارية من الأوراق، ثم تزهر من جديد"، مريم -إحدى كاتبات المجموعة- مناجية شجرة السفرجل من فناء بيتها في كابول، ص394.**
"كابول حبيبتي" كتاب يوميات الحكي والمحكي في تلاوين السردية -التغريبة النسوية الأفغانية، سجلت كاتباته تفاصيل الإنسان المذعور والمقتول في كل ساعة، منذ أن بدأت طالبان باجتياح المدينة بداية أغسطس 2021 وحتى سقوط كابول 15 أغسطس 2021، لتنتهي اليوميات في الذكرى الأولى للسقوط في 14 أغسطس 2022.
من نعيق الغراب المنذر بالشؤم -الذي تحدثت عنه باتول في 3 أغسطس 2021، وتمنياتها أن يكون صوته فألًا حسنًا- وحتى سؤال الهلع عند سقوط كابول، دختره (كلتاهما من شخصيات المجموعة):
أين أنتِ؟
أين أنتن؟
هل أنتن بخير؟
ليغدو ذلك السؤال، مفتتح اليوميات من الحكايات والروايات عن الإنسان والمدينة، وممتدًا لسرد الخوف بل الفجيعة والصدمة مع أول ضربات الحرب والقصف والخراب، للاطمئنان على أهاليهن والأصدقاء وصديقات "مجموعة الواتساب" التي بدأت صغيرة لتتوسع وتصل إلى 21 امرأة، من مشارب مختلفة ثقافيًا ودينيًا وتعليميًا وعرقيًا أيضًا، معظمهن ممن ولدن في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، إحداهن جدة تبلغ الستين، ولديها حفيدة "نجلاء".
الكاتبات حائزات على مستويات علمية ومهنية رفيعة: معلمات، صحفيات، أديبات، وناشطات في منظمات مجتمع مدني، وموظفات لدى منظمات دولية... الخ، مع الغزو الطالباني حرمن من حقهن وحق أولادهن في التعليم والعمل والحياة، فكانت الكتابة وشجرة السفرجل شاهدتين وحارستين للبقاء على قيد الحياة، مع الأمل بالتعافي من هول الصدمة -الكارثة.

يوميات ترصد تفاصيل من أحوال وأهوال الإنسان المذعور من غزو وإسقاط المدينة: كابول، ثم أفغانستان كلها في قبضة المليشيا الطالبانية، التي لم تخرج من بطون غيلان الحكايات الشعبية والأساطير، بل أضحت واقعًا: سلطة وأيديولوجية وسلاح، ومليشيات منفلتة تشيع الرعب باسم تطبيق الشريعة الإسلامية، يغرزون سيوفهم في وجه المدينة والناس، وكانت أولى الطعنات من نصيب النساء، ألا يظهر لهن وجه ولا لون وشكل بلا جسد، لا حركة، وبلا روح، نساء مجردات من معنى الإنسان وحقه في الوجود والكرامة الإنسانية. لقد كانوا يستلذون بكل تابو من شأنه توسيع رقعة الموت، وكتم الأنفاس، ومحو كل جميل وإنساني، بما في ذلك الفن والموسيقى.
في لجة الخوف والانكسار ومعنى أن تسقط مدينتك وتسقط أنت معها، تتحطم أحلامك، ولا تستوعب ما الذي حدث ويحدث في سديم الحاضر الأليم وانعدام آفاق المستقبل، في هذا الاحتدام كانت الكتابة طوق نجاة، وملاذًا ومقاومة معًا، لأن نحيا وتحيا معنا مدينتنا: كابول حبيبتنا.
لم يبقَ أمام نساء كابول -مجموعة الواتساب- من رفيق يؤنس وحدتهن ويبدد قليلًا من الوجع والحزن، سوى الكتابة، نافذة، شرفة وسفرجلة وترقب شروق الشمس وضوء قمر ولألأة النجوم، ومخزون الذكريات والخواطر، وو.. وأحيانًا في لجة التفكير، وهل ما حدث ويحدث حلم أم كابوس؟ وتتزاحم الأسئلة ونقائضها، وفي الصدارة، سؤال الوجود، ولماذا كُتب لنا ولبلادنا أن تسحق بغزوين واحتلالين الأول في 1996 والثاني في 2021؟ في خضم هذا الجحيم، تنسى بعضهن الشرفة والسماء، والكتابة، وموسيقى الروح!
**
يتوزع الكتاب إلى عدة فصول، المشترك فيها ليس فقط استعادة الذكريات والمقارنات، "كنا" و"أصبحنا"، وو... الخ، بل سؤال الوجود الذي يعلُم كل فصل من فصول الكتاب: أين نحن؟ ومن نحن؟ ولماذا يحدث كل هذا؟! يوميات جماعية ومجتمعية، وثقت بالساعة والدقيقة، حالة انهيار كابول وإنسانها وكل تفصيلة وذكرى شريان حياة، كيفية مقاومة الأسود البصري والحجري: التشادور العقلي والجسدي والموت اليومي الذي يجثم على أفغانستان، وعلى النساء بشكل مضاعف.
**
(Geliebtes Kabul)
كان لبعض النساء الفاعلات من ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة، من محررات ومترجمات وعاملات في مؤسسات مختلفة تُعنى بالأدب والنساء وحقوق الإنسان، دور كبير وإنساني لا ينسى، Untold Narratives، وبدعم من Write Afghanistan، ومؤسسات ثقافية أخرى.
في مقدمتهن لوسي هانا، جوديت فورستر، والمترجمة نسرين كاجار، براونة فياض، وأخريات عملن على ربط المجموعة ببعضهن في حلقة واتساب، وحفظ الكتابات أولًا بأول، وكان يتم حذفها فورًا خشية أن تقع هواتفهن بأيدي طالبان، حتى المكالمات كانت مشفرة، لقد كان العمل معقدًا وخطيرًا في الوقت نفسه، وقد وسم الخوف مجموعة الكاتبات والعاملات معهن، عملن بمسؤولية كبيرة لتأمين سلامة الكاتبات، بعضهن كتبن بأسماء مستعارة.
كتبت اليوميات بلغتهن الأصلية الدارية "الفارسية الأفغانية" والبشتونية، قبل الترجمة.
في البداية، كانت الكتابة تنفيسًا عن الألم والخوف، ولم يخطر ببالهن أنه سيصبح كتابًا في المستقبل (سنذكر لحظة استلامهن لنسخة الكتاب المطبوع وشعورهن كمن خلقن من جديد، في حلقة قادمة).
**
"كابول حبيبتي" لم يكن كتابًا فقط، بل وثيقة إنسانية وتاريخية، شهادات للعالم تروي اليومي المرئي واللامرئي، تعاقب فصول السنة من الأحلام المنهارة، وتجدد الأمل بشجرة السفرجل، ليست فقط في بيت مريم، بل أنسها والبوح اليومي سكن في كل بيت ومدينة وروح وحرف، في كل نساء أفغانستان وكابول، وكل كابول في عالمنا الكبير.

كاتبات "كابول حبيبتي" جسدن معنى الإنسان، فلم يتحيزن لخطاب أو أيدولوجية دينية أو مذهبية أو سياسية، حفل التنوع الإنساني للمجتمع الأفغاني.
إنها يوميات بارعة في التعبير عن الألم والأمل، وعن ذاكرة قراءة مفاتيح شغف الكتابة والإبداع والفن والطبيعة وإنسان الحاضر والمستقبل.
هذه بعض ما اقتطفت واستخلصت من يوميات سفرجلات أفغانستان المقاومات أكن في كابول أو ممن تشتتن في بلدان العالم، حاولت أن أترجمها مرات ومرات، بوسائل الترجمات المختلفة، وأن أدونها وأقرأها كمشترك إنساني تلظينا جميعًا بلهب الأيديولوجية الطالبانية الكهنوتية المتطرفة في بلداننا وعواصمنا، كان نصيب كابول أكثر هولًا.
**
أشكر من عرفني بكتاب "كابول حبيبتي"، خلال فعالية ضمن البرنامج الثقافي لـ"كنيسة المدينة" بدارمشتات، 28 فبراير 2026، كان بمناسبة حفل توقيع الكتاب، شاركت فيه نخبة من نساء المدينة، من بينهن عمدة المدينة بربارا أكدينيز، قمن بقراءة بعض من يوميات الكتاب، تعبيرًا عن التضامن مع النساء الأفغانيات.
ليس بأخير:
حيّ على خير الكتابة...
حيّ على خير الإنسان والإنسانية.
