دفتر الأعداء مفتوح… لكن دفتر الحلول مفقود!
في زمننا العجيب، لم تعد الدول تحتاج إلى خزائن كبيرة لحفظ ملفاتها السرية… يكفيها دفتر صغير وقلم أحمر. صفحة للخصوم، صفحة للعقوبات، صفحة للانتقام، وصفحة أخيرة غالباً تُترك فارغة بعنوان: "الحلول".
من واشنطن إلى طهران، ومن تل أبيب إلى العواصم الأوروبية، أصبحت السياسة تشبه مسابقة عالمية: من يكتب قائمة أطول؟ من يعلن عدداً أكبر من العقوبات؟ ومن يرفع سقف التهديدات أكثر؟
المواطن العادي يتابع الأخبار فيجد أسماء الرؤساء والقادة تتصدر المشهد، وكأن العالم كله تحول إلى لعبة شطرنج، لكن المشكلة أن قطع الشطرنج هذه المرة ليست أحجاراً… إنها شعوب كاملة تدفع الثمن.
القوائم السياسية لها وظيفة: ترسل رسائل، ترفع معنويات الأنصار، وتضغط على الخصوم. لكن أحياناً تتحول إلى عرض إعلامي كبير، حيث يكون صوت العناوين أعلى من صوت الواقع.
المفارقة الساخرة أن السياسي الذي يضع خصمه في قائمة "المطلوبين" قد يحتاج بعد سنوات إلى الجلوس معه على طاولة واحدة. التاريخ مليء بالأعداء الذين أصبحوا شركاء، وبالخصوم الذين تحولوا إلى حلفاء عندما تغيرت المصالح.
السياسة لا تعرف كلمة "أبداً"، لكنها تعرف جيداً كلمة "مصلحة".
المشهد يشبه مسرحاً عبثياً:
الجميع يرفع شعار "الرد الحاسم"، والجميع يتحدث عن "النصر الكبير"، بينما الشعوب تنتظر انتصاراً بسيطاً جداً… انتصار الحياة اليومية.
لا أحد يضع في القوائم أسماء الذين ينتظرون علاجاً في المستشفيات، أو أطفالاً يحلمون بمدرسة آمنة، أو عائلات تريد فقط أن تعيش بعيداً عن أصوات الصراع.
المشكلة ليست أن الدول لديها خصوم؛ فهذه طبيعة العلاقات الدولية. المشكلة أن بعض الأنظمة تتعامل مع صناعة العدو كأنها صناعة وطنية، لأن وجود العدو أحياناً يصبح مبرراً لتأجيل كل الأسئلة الداخلية.
فالأسهل أن تقول: "المشكلة في الخارج"، من أن تسأل: "ماذا فعلنا في الداخل؟"
وفي نهاية هذا السيرك السياسي الطويل، يبقى السؤال الأكثر إحراجاً:
كم قائمة نحتاج حتى نفهم أن الشعوب لا تعيش على الانتقام؟
فالقادة يملكون أقلاماً تكتب أسماء الخصوم…
أما الشعوب فتملك سؤالاً واحداً لا يتغير:
متى تنتهي الحروب التي يدفع ثمنها من لم يختاروها؟
لأن أعظم انتصار ليس أن تضع خصمك في قائمة، بل أن تخرج شعبك من قائمة المعاناة.
