الإثنين 13 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • مواقع التواصل الاجتماعي: فضاء للتواصل أم أداة لتخريب الوعي؟

مواقع التواصل الاجتماعي: فضاء للتواصل أم أداة لتخريب الوعي؟

لا أدري هل أنا وحدي من يشعر بذلك، أم أن كثيرين يشاركونني هذا القلق، لكنني أرى أن مواقع التواصل الاجتماعي قد ابتعدت كثيرًا عن الغاية التي أُنشئت من أجلها. فقد بدأت بوصفها وسائل لتقريب المسافات، وتبادل المعرفة، وربط الإنسان بأقاربه وأصدقائه والعالم من حوله، ثم تحولت تدريجيًا ــ لدى شريحة واسعة من المستخدمين ــ إلى بيئة مضطربة تختلط فيها الحقيقة بالكذب، والمعرفة بالجهل، والحرية بالفوضى، والنقد بالتشهير.

مواقع التواصل الاجتماعي
مواقع التواصل الاجتماعي

لم تعد المشكلة في وجود هذه المواقع من حيث المبدأ، بل في الطريقة التي صُممت بها، وفي طبيعة المحتوى الذي تكافئه خوارزمياتها، وفي أنماط الاستخدام التي أصبحت تسيطر على حياة الناس. لقد باتت هذه المنصات، في كثير من الأحيان، أدوات لتوجيه العقول، وتشويه السمعة، وتلميع الفاسدين، وإحياء العصبيات المقيتة، وترويج أفكار لا تستند إلى علم أو منطق، فضلًا عن إساءة استخدامها من الصغير والكبير، إلا من رحم الله وأحسن التعامل معها.

الوجه الإيجابي لمواقع التواصل

ليس من الإنصاف إنكار الفوائد التي قدمتها مواقع التواصل الاجتماعي. فقد أتاحت للناس التواصل مع أقارب وأصدقاء فرقت بينهم المسافات، وساعدت على تكوين مجتمعات معرفية ومهنية تتجاوز الحدود الجغرافية. كما أصبحت وسيلة مهمة لنشر الأخبار العاجلة، والتعريف بالقضايا الإنسانية، وجمع التبرعات، وتسويق المشروعات الصغيرة، والوصول إلى فرص التعليم والعمل.

وقد منحت هذه المنصات أصحاب المواهب والأفكار مساحة للتعبير عن أنفسهم بعيدًا عن احتكار المؤسسات الإعلامية التقليدية. واستفاد منها المعلمون والباحثون والأطباء وأصحاب الخبرات في نشر المعرفة وتبسيطها، كما وفرت لبعض الفئات التي تعاني العزلة أو المرض أو الظروف الاجتماعية الصعبة مجموعات للدعم النفسي والاجتماعي وتبادل الخبرات. وتشير الأكاديميات الوطنية الأمريكية إلى أن مواقع التواصل يمكن أن تساعد الشباب على الحصول على الدعم والتواصل مع أشخاص يمرون بتجارب صحية أو اجتماعية مشابهة.

كذلك لا يمكن تجاهل دورها في توثيق الانتهاكات وكشف بعض أشكال الفساد وإيصال أصوات لم تكن تجد طريقها إلى وسائل الإعلام. وفي المجتمعات التي تعاني ضعف حرية الصحافة، قد تصبح المنصات الرقمية نافذة مهمة لتداول المعلومات وإثارة النقاش العام.

لكن هذه الإيجابيات لا تعني أن البيئة الرقمية محايدة أو آمنة، ولا أن كل ما يُنشر فيها يحقق المعرفة أو الحرية. فالأداة التي تسمح بنشر الحقيقة بالسرعة نفسها تسمح أيضًا بنشر الكذب، وربما تمنح الكذب فرصًا أكبر للانتشار إذا كان أكثر إثارة واستفزازًا.

أولًا: تخريب العقول وتسطيح المعرفة

من أخطر نتائج الاستخدام غير المنضبط لمواقع التواصل أنها غيّرت علاقة الإنسان بالمعرفة. فقد اعتاد كثير من الناس تلقي معلومات مختصرة وسريعة، لا تمنحهم وقتًا للفهم أو التحليل. وأصبح المقطع الذي لا يتجاوز بضع ثوانٍ عند البعض بديلًا عن الكتاب، والمنشور العاطفي بديلًا عن الدراسة، ورأي الشخص المشهور بديلًا عن رأي المتخصص.

لا تكافئ المنصات المحتوى الأكثر دقة بالضرورة، وإنما غالبًا ما تكافئ المحتوى الأكثر قدرة على جذب الانتباه وتحقيق التفاعل. لذلك قد ينتشر الادعاء المثير قبل أن تجد الحقيقة وقتًا لتوضيح نفسها. وقد حذرت منظمة اليونسكو من أن المنصات الرقمية، على الرغم من إسهامها في نشر المعرفة وتعزيز التواصل، أصبحت بيئات لانتشار التضليل والاستقطاب الأيديولوجي وخطابات العنف والكراهية.

وينشأ عن ذلك جيل يعرف عناوين كثيرة، لكنه لا يمتلك معرفة عميقة بها. وقد يظن الإنسان أنه أصبح خبيرًا في الطب أو السياسة أو الدين أو الاقتصاد لمجرد أنه شاهد عددًا من المقاطع القصيرة، من غير أن يقرأ مرجعًا علميًا واحدًا أو يدرك تعقيد القضية التي يتحدث عنها.

ثانيًا: نشر الشائعات والمعلومات المضللة

لم يعد الكذب يحتاج إلى مؤسسة إعلامية أو أدوات معقدة، بل يكفي حساب مجهول وصورة مجتزأة وعنوان مثير. وخلال ساعات قد تتحول الإشاعة إلى ما يشبه الحقيقة بسبب كثرة تداولها، لا بسبب صحة مضمونها.

وأظهر استطلاع أجرته اليونسكو بالتعاون مع مؤسسة إبسوس في ست عشرة دولة أن 68% من مستخدمي الإنترنت الذين شملهم الاستطلاع رأوا أن مواقع التواصل هي البيئة الأكثر انتشارًا للمعلومات المضللة، بينما أعرب 85% عن قلقهم من تأثير التضليل في مواطنيهم.

وتصبح خطورة التضليل أكبر عندما يتعلق بالصحة أو الانتخابات أو الأمن أو العلاقات بين فئات المجتمع. فقد تؤدي معلومة طبية زائفة إلى الإضرار بحياة إنسان، وقد تشعل صورة قديمة أُعيد نشرها على أنها حديثة نزاعًا اجتماعيًا، وقد تُستخدم حسابات منظمة لتوجيه الرأي العام وتلميع الفاسدين أو تشويه خصومهم.

ثالثًا: اغتيال السمعة وتحويل الاتهام إلى حكم

أتاحت مواقع التواصل لكل شخص أن يعبّر عن رأيه، لكنها جعلت من السهل أيضًا أن يتحول الفرد إلى قاضٍ ومحقق ومنفذ للحكم في الوقت نفسه. فكثيرًا ما تُنشر اتهامات ضد أشخاص قبل التحقق منها، ثم تبدأ حملات التشهير والسخرية، وقد تُدمَّر سمعة إنسان أو أسرته خلال ساعات.

وحتى عندما تظهر الحقيقة لاحقًا، لا تنتشر بالسرعة نفسها التي انتشرت بها الفضيحة. فالناس يتذكرون الاتهام الأول، بينما يمر التصحيح بهدوء. وهكذا أصبحت السمعة الإنسانية عرضة لمزاج الجمهور، وللقطع المجتزأة، وللصور المعدلة، وللحسابات المجهولة التي لا تتحمل مسؤولية ما تنشره.

حرية التعبير حق أساسي، لكنها لا تعني حرية القذف أو التشهير أو انتهاك الخصوصية. والنقد المشروع يناقش الفكرة أو السلوك مستندًا إلى دليل، أما التشهير فيهدف إلى إسقاط الإنسان وإهانته وإثارة الجمهور ضده.

رابعًا: تلميع الفاسدين وصناعة الشهرة الزائفة

كان من المفترض أن تمنح مواقع التواصل الناس قدرة أكبر على محاسبة المسؤولين وكشف الفساد، لكنها أصبحت في بعض الحالات أداة لصناعة صورة زائفة للفاسد. فمن يمتلك المال يستطيع شراء الإعلانات، وتوظيف المؤثرين، وتمويل الحسابات، وتكرار الرسالة نفسها حتى تبدو مقنعة.

وتُصنع حول بعض الشخصيات هالة من النجاح والوطنية والكرم، بينما تُخفى المعلومات التي تكشف حقيقتها. ويصبح عدد المتابعين والإعجابات معيارًا للثقة، مع أن هذه الأرقام قد تُشترى أو تُصنع آليًا، ولا تدل بالضرورة على الكفاءة أو النزاهة.

لقد نقلت هذه المنصات مركز النفوذ من المؤسسات وحدها إلى من يملك القدرة على إدارة الانتباه. ومن يسيطر على الصورة المتداولة قد ينجح مؤقتًا في إعادة تشكيل الحقيقة في أذهان الناس.

خامسًا: العصبيات والاستقطاب

بدلًا من أن تقرّب مواقع التواصل بين الثقافات والمجتمعات، أسهمت أحيانًا في تعميق الانقسامات الطائفية والقبلية والقومية والسياسية. فالخوارزميات تتعلم ميول المستخدم، ثم تقدم له مزيدًا من المحتوى الذي يوافق آراءه، حتى يعيش داخل دائرة لا يسمع فيها إلا صدى أفكاره.

وعندما لا يرى الإنسان إلا من يشبهه، قد يتخيل أن رأيه هو الحقيقة الوحيدة، وأن المخالف جاهل أو خائن أو عدو. وهكذا يتحول الاختلاف الطبيعي إلى كراهية، والنقاش إلى شتائم، والانتماء إلى تعصب.

ولا تتوقف المشكلة عند المحتوى السياسي، بل تمتد إلى الرياضة والفن والدين والقضايا الاجتماعية. فكل قضية قد تتحول إلى معسكرين متنازعين، لا يبحث أي منهما عن الحقيقة، وإنما عن الانتصار والإهانة وجمع التأييد.

سادسًا: التأثير النفسي والإدمان الرقمي

تعتمد كثير من المنصات على تصميمات تهدف إلى إبقاء المستخدم أطول مدة ممكنة، مثل التمرير اللامتناهي، والإشعارات المتكررة، وعرض المحتوى المقترح بلا نهاية. ومع الوقت قد يجد الإنسان نفسه يفتح هاتفه تلقائيًا، حتى من غير حاجة واضحة.

وأفادت منظمة الصحة العالمية في أوروبا بأن 11% من المراهقين الذين شملتهم بياناتها أظهروا علامات استخدام إشكالي لمواقع التواصل، مثل فقدان السيطرة على مدة الاستخدام، وإهمال الأنشطة الأخرى، والشعور بالضيق عند الابتعاد عنها. كما ارتبط الاستخدام الإشكالي بقلة النوم وتأخر مواعيده.

وتؤدي المقارنات المستمرة مع الصور المثالية إلى شعور بعض المستخدمين بالنقص. فالإنسان يقارن حياته اليومية العادية بلحظات منتقاة بعناية من حياة الآخرين. يرى نجاحاتهم وسفرهم ومظاهر سعادتهم، لكنه لا يرى ديونهم أو خلافاتهم أو لحظات ضعفهم. ومع تكرار هذه المقارنة قد تتراجع ثقته بنفسه ويزداد شعوره بأن حياته أقل قيمة.

ومع ذلك، ينبغي الحذر من التبسيط العلمي. فليس كل استخدام لمواقع التواصل يؤدي حتمًا إلى الاكتئاب أو القلق، ولا يزال من الصعب في كثير من الدراسات إثبات العلاقة السببية المباشرة. فقد تؤثر مواقع التواصل في الحالة النفسية، وقد يلجأ الشخص الذي يعاني أصلًا من مشكلات نفسية إلى استخدامها بصورة أكثر كثافة. ولهذا خلص تقرير للأكاديميات الوطنية الأمريكية إلى أن الأدلة تؤكد وجود مخاطر ومنافع محتملة، لكنها لا تكفي لتعميم حكم سببي واحد على جميع المستخدمين.

سابعًا: انتهاك الخصوصية وتحويل الإنسان إلى سلعة

يدفع المستخدم ثمن الخدمات المجانية ببياناته ووقته وانتباهه. فالمنصات تجمع معلومات عن اهتماماته، وموقعه، وعلاقاته، وما يشاهده، وما يتوقف عنده، وما يثير غضبه أو إعجابه. ثم تُستخدم هذه المعلومات في الإعلانات الموجهة والتنبؤ بالسلوك.

وقد ينشر الإنسان تفاصيل حياته وصور أطفاله ومكان عمله وسفره من غير أن يدرك أن المحتوى قد يبقى محفوظًا، أو يُستخدم خارج سياقه، أو يصل إلى أشخاص لم يكن يقصدهم. كما يمكن استغلال البيانات والصور في الاحتيال والابتزاز وانتحال الشخصية.

هل الحل في المقاطعة أم الترشيد؟

قد تبدو المقاطعة الكاملة حلًا جذريًا، وهي قد تكون ضرورية لمن فقد السيطرة على استخدامه، أو لمن تضررت صحته أو أسرته أو عمله، أو لمن أصبحت المنصات مصدرًا دائمًا للقلق والغضب. لكن المقاطعة العامة ليست حلًا مناسبًا للجميع، لأن هذه الوسائل أصبحت جزءًا من التعليم والعمل والتواصل والخدمات العامة.

كما أن الأدلة العلمية لا تثبت أن الامتناع المؤقت وحده يحسن بالضرورة الرضا عن الحياة والصحة النفسية لدى جميع الناس. فقد توصلت مراجعة منهجية وتحليل إحصائي نُشرا سنة 2025 وشملا عشر دراسات و4674 مشاركًا إلى أن الامتناع المؤقت لم يحقق أثرًا دالًا بصورة عامة في الرضا عن الحياة أو المشاعر الإيجابية والسلبية، مع تأكيد الباحثين أن النتائج ليست نهائية وأن التأثير يختلف بين الأفراد.

لذلك يبدو أن الحل الأكثر واقعية هو الترشيد الصارم، مع إبقاء المقاطعة خيارًا عند الضرورة. والترشيد لا يعني مجرد تقليل الساعات، بل تغيير طبيعة العلاقة مع المنصة. فالفرق كبير بين شخص يستخدمها لقراءة مادة علمية أو التواصل مع أسرته، وآخر يقضي الساعات في المشاجرات والمقارنات والتصفح العشوائي.

يبدأ الترشيد بتحديد أوقات واضحة للاستخدام، وإغلاق الإشعارات غير الضرورية، وإبعاد الهاتف عن غرفة النوم ومائدة الطعام، وحذف الحسابات التي تثير الكراهية أو القلق، وعدم متابعة من يقدمون محتوى فارغًا أو مضللًا مهما بلغت شهرتهم.

ويشمل أيضًا عدم نشر أي خبر قبل معرفة مصدره وتاريخه وسياقه، وعدم المساهمة في التشهير، وعدم تصوير الأطفال أو الآخرين ونشر صورهم دون مراعاة خصوصيتهم. ومن الضروري أن تتولى الأسرة والمدرسة تعليم الأطفال التربية الإعلامية، لا أن تكتفيا بمنع الهاتف. فالطفل يحتاج إلى تعلم كيفية التحقق من المعلومات، وفهم الإعلانات، والتعرف إلى التلاعب العاطفي، وحماية بياناته.

ولا ينبغي تحميل الفرد وحده كامل المسؤولية؛ فالشركات مطالبة بتصميم منصات أكثر أمانًا، وإتاحة قدر أكبر من الشفافية بشأن الخوارزميات والإعلانات، ومكافحة الحسابات الوهمية والتشهير والتحريض، وتوفير حماية خاصة للأطفال. كما تقع على الدول مسؤولية سن قوانين تحمي الخصوصية وحرية التعبير في آن واحد، من غير أن تتحول مكافحة الضرر إلى ذريعة لقمع النقد المشروع.

خاتمة

ليست مواقع التواصل الاجتماعي شرًا مطلقًا، كما أنها ليست فضاءً بريئًا ومحايدًا. إنها أدوات قوية تضاعف ما في الإنسان والمجتمع؛ فإن استُخدمت للمعرفة والتعاون قربت المسافات ووسعت فرص التعلم، وإن تُركت بلا وعي أو مسؤولية تحولت إلى مصنع للشائعات والكراهية والاستعراض والابتذال.

لقد أصبح ضررها، بالنسبة إلى كثير من الناس، أكبر من نفعها؛ لا لأن التواصل في ذاته ضار، بل لأن المنصات نجحت في الاستحواذ على الوقت والانتباه، ولأن المجتمع لم يطوّر بالسرعة الكافية ثقافة تحميه من التضليل والإدمان والتشهير.

من هنا، فإن دعوتنا لا ينبغي أن تكون إلى استخدام مفتوح بلا ضوابط، ولا إلى مقاطعة عمياء في جميع الأحوال، بل إلى استعادة الإنسان لسيادته على وقته وعقله. نستخدم هذه المواقع حين تخدمنا، ونغادرها حين تستعبدنا، ونأخذ منها ما ينفع، ونرفض ما يهدم الأخلاق والعلاقات والوعي.

فالمشكلة ليست أن مواقع التواصل دخلت حياتنا، بل أن حياتنا بأكملها كادت تدخل فيها.