الخميس 9 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • ثلاثية التنوير والتثوير والتغيير في تجربة الفضول..!

ثلاثية التنوير والتثوير والتغيير في تجربة الفضول..!

ثلاثية التنوير والتثوير والتغيير في تجربة الفضول..!

الإنسان في رحلة عبوره الوجلة على جسر الحياة، إما أن يذوي كظلّ عابر يمحوه الغبار، أو يغرس في أرحام الأيام أثر وجودٍ باذخٍ لا تطاوله عاديات الفناء، وذلك رهينٌ بما تركه خلفه من مداميك ونوافذ تطل على الضوء.

والذين يحفرون أسماءهم عميقاً في لوح الزمان، عبر أدوارٍ استثنائية جسورة ذادوا فيها عن كرامة الوجود الإنساني، هم قلةٌ نادرة تنثال كأقمارٍ في ليل التاريخ الحالك.

بيد أن المأساة المقيمة ها هنا، تكمن في أن بعض أولئك الرواد الذين جادوا بأعمارهم قرابين في محراب الخلاص، لم ينجُ من غوائل النسيان من أثرهم سوى النزر اليسير، ذلك القليل الشاحب الذي لا يجسد شيئاً من فيض عطائهم، ولا يعكس ضخامة البنيان الذي تشظت أرواحهم لإرساء قواعده.

وفي طليعة هؤلاء المغيبين يبرز "عبدالله عبدالوهاب نعمان"، ذلك الطود الذي أعدّه دون تردد من أصفى وأبرز "رجال التنوير" في تاريخ بلادنا الحديث.

عبدالله عبدالوهاب نعمان
عبدالله عبدالوهاب نعمان

لقد شذ "الفضول" عن رتابة القاعدة، وتمرد على قوالب الجمود، فلم يكن من أولئك الذين يحصرون نضالهم في مجرى واحد، أو يسجنون وعيهم في واحدية العادة الرتيبة.

توزعت حياته كأنهرٍ من نور في أكثر من ميدان، وتعددت تجلياته شأنه شأن الرواد الأفذاذ في أي زمان ومكان، أولئك الذين يصنعون الفجر بأصابع من لهب، ويقودون قوافل التنوير والنهضة وسط عواصف الجهل المقيم.

حين نقرأ سير هؤلاء العظام، نجد أن الواحد منهم كان يحتشد في كينونته شاعرٌ ملهم، وفيلسوفٌ رائي، وداعيةٌ هصور، يتخندقون جميعاً خلف هدفٍ أسمى هو "الحرية".

وهي الحرية التي إذا ما تحققت وانقشعت غيوم الطغيان عن سمائها، استطاع الإنسان أن يعيش في عالم موضوعي رحب، عالمٍ يتنفس النور، ويستطيع في ظله أن يستنهض طاقاته الكامنة ويفجر قدراته الإبداعية المخبوءة.

إذن، يتجلى لنا الفضول كمناضلٍ كوني، متعدد الميادين والنوافذ الجبهوية في مسيرة حياته الطافحة بالبذل.

أولاً: ناضل بضراوة في ميدان التعليم، لاعتقاده الراسخ أن الحرف هو الطلقة الأولى في صدر الظلام.

أراد الفضول أن ينجب تلاميذاً لا ينحنون للعاصفة، تلاميذاً يمتطون صهوات الليل بقلوبٍ منارة، ليدكوا بمعاول الوعي عتمة الإمامة الكهنوتية الجاثمة ككابوسٍ ثقيل فوق صدر اليمن الجريح.

ثانياً: خاض غمار النضال في ميدان السياسة الرحب، مدفوعاً برغبةٍ عارمة في أن تعلو إرادة الشعب، وتنكسر شوكة فرد عابث ظالم من بيت حميد الدين، استمرأ سام الناس الخسف والمهانة.

ويكفي، للتدليل على عمق ذلك الالتزام المقسّم على لوح الفداء، أن أذكر قسمه الوجودي المهيب مع أستاذيه الشهيدين (الموشكي عام 48م، والزبيري عام 1965م).

محمد محمود الزبيري
محمد محمود الزبيري

حيث وقف الأقطاب الثلاثة يتعاهدون على الدم والحرية، فأنشد الأول، قيثارة الثورة محمد محمود الزبيري، متدفقاً كالإعصار:

بالله.. بالدين .. بالأوطان .. تحطمن معاقل الطغيان

وانساب صوت الشهيد أحمد الموشكي كترتيلة سماوية تودع الطين:

ستطير أرواحنا إلى أوج العلا أولا فأرواحنا إلى رضوان

ثم تقدم الفضول، لينشد بملء يقينه، واضعاً خاتمة الذهب للقسم النبيل:

ستعانق الفوز المبين نفوسنا حتماً كما يتعانق الأخوان

إن السمو الروحي المشحون بالصوفية والتضحية نلمحه بوضوح عند الموشكي وهو يحلق نحو الرضوان، والإصرار الصارم على حتمية التدمير المادي لمعاقل الطغيان يتبدى لدى الزبيري الثائر.

لكننا، حين نقف أمام نبوءة الفضول، نجد أننا بإزاء رؤية فريدة ترى "النصر ضرورة حتمية"، ليس لأن المعطيات الراهنة على الأرض كانت تفرض ذلك، بل لأن الإرادة اليمانية المؤمنة بالانعتاق جعلت من الانتصار فريضة بشرية وضرورة حتمية لا مفر منها.

شبه الفضول النصر بحتمية اعتناق الأخوين اللذين طال غيابهما واشتد شوقهما، والأخوان في هذا القسم الرؤيوي هما (النفس) في بهائها و(الفوز) في بهائه.

هذا الترميز المدهش، وهذه الصورة السينمائية المترعة بالوجد، لا يستطيع توظيفها واقتناصها من مجاهل الخيال إلا أديبٌ فذ يمتلك أسرار اللغة، ويقبض على نواصي البيان، ليوظفها ببراعة في بنية قصيدته وسياقها الشعري المبتكر.

فإذا كانت (النفس) لغزاً مستعصياً لم يحسم الفلاسفة القدامى ولا علماء الكلام ماهيتها وجوهرها، فإن الفضول يمنحها هنا صيرورة مادية، ويكسوها بصفات الحواس كلها.

العناق سلوكٌ مادي مشهود يتطلب جسداً ولمساً، والنفس كينونة شفافة لا ترى بالعين المجردة، ولكنها في مخيلة الفضول الخصبة ستعانق (الفوز المبين) عناقاً ملموساً يهتز له الوجود.

وهذا الاستيقان الجازم، المبرأ من الشك، ليس من السمات التي تتوافر لعابري السبيل، بل هو طرازٌ خاص نادراً ما يجود به الزمان من البشر، ممن تكاملت في ذواتهم الشروط الموضوعية والأسباب العميقة والصفات الكاريزمية لتولي القيادة وتوجيه دقة الفعل السياسي نحو مرافئ الخلاص.

وليس هذا بالشيء الغريب على شاعرنا الكبير الذي انصهرت طفولته وشبابه في أتون عائلة عريقة ارتضت النضال قدراً، واختبرت دروب السياسة الوعرة، وساق طغيان الإمامة والدها الشيخ الشيخ عبدالوهاب نعمان الذبحاني إلى غياهب السجون قرابة العشرين عاماً.

ولم يكتفِ الجلاد بنهب عمره في المطبق، بل تجرأ في الأخير وجز رقبته تحت سيف الظلم العاري، ليرحل الشيخ شهيداً شريراً، تاركاً خلفه مصنعاً حقيقياً يمد بلادنا بكل رجال الحرية الوطنية.

إن هذا اليقين الصارم بالنصر، الذي كان ينبض بين ضلوع الفضول، هو الترياق الذي يبث نبض الحياة المتجددة في أوصال النفوس اليائسة، وينتشل الجماهير من مستنقع الإحباط.

وهكذا هم الشعراء الحقيقيون، سدنة الضوء، لا يكتبون كلماتهم بدموع البكاء الساخنة، ولا يغمسون ريشهم في مداد اليأس والسوداوية، بل يصوغونها بأنفاس الحياة الصاعدة من صدور الأحرار.

لأنهم يدركون أن في النضال يكمن سر الحصول على الوجود الحقيقي، بينما يدفع المرء في الإحباط ضريبة الفشل المجاني، كما يدفع في العذاب غير المثمر ضريبة العمر الضائع.

وهكذا استمر الفضول وفياً لخطه الكفاحي، مناضلاً جسوراً بالكلمة والموقف قبل الثورة وبعدها، ولم يغوه بريق المناصب حين عُين وزيراً للإعلام في عهد القاضي عبد الرحمن الإرياني.

بل انطلق يناضل في ميدان الصحافة، لتنتصر الكلمة الحرة التي تفعل في تفاصيل الواقع فعلاً عميقاً، عجزت وتعجز عن إحداثه مئات الخطب العصماء المنبرية الجوفاء.

لقد اتخذ من "السخرية" سلاحاً فتاكاً، فالسخرية في نظره هي المثير الأكبر الذي يهز عروش الخنوع، ويزلزل الاستكانة في نفوس العوام، لأنها تتسلل إلى أعماق المهزوم من خلال عين الساخر الذكية التي تفضح عورات الطغيان.

وكانت صحيفة "الفضول" التي ولدت في مناخات عدن الحرة، تلعب هذا الدور المحوري في استفزاز النفوس التي ألفت الذل أو اقتنعت بالعجز، بغية استنهاض مروءتها وتثويرها للقيام بواجبها المقدس نحو دحر الإمامة المستبدة والاستعمار البغيض معاً.

وبذلك الإرث الساخن الفريد، يسجل التاريخ الفضول كرائدٍ لا يجارى للكتابة الصحافية الساخرة في اليمن دون منازع.

ومن أراد الإبحار في تفاصيل هذا النتاج الممتع، واقتفاء أثر قصائده وكتاباته الساخرة، يمكنه شد الرحال إلى دار الكتب بالعاصمة صنعاء، أو مطالعة الفصل الثامن الذي حمل عنوان (الفضول الساخر) من كتاب "الظمأ العاطفي" للباحث الراحل محيي الدين علي سعيد.

ومن روائع مأثوراته الساخرة، ما حدث عندما أذاعت إذاعة "المملكة المتوكلية اليمنية" بياناً همايونياً مفاده أن جيش الإمام سيخوض حرباً مصيرية كبرى، فما كان من الفضول إلا أن سل قلمه الساخر وكتب هازئاً:

باللحى باللحى نبيد قواهم وبالمساويك ننزل الطائرات

فمساويككم أشد وأقوى ولحاكم من أبهر المعجزات

لقد كان جيش الإمام الحافي لا يملك أبسط المقومات العسكرية أو الأسلحة التقليدية، فكيف له بجهله واعتزاله العصر أن يدخل حرباً ضروساً أمام دول حديثة تمتلك طائرات ومدججة بأحدث ترسانة من الأسلحة الفتاكة؟

إزاء هذه المهزلة العبثية غير الواعية التي يستوطنها الجهل المركب، لم يجد الفضول غير أن يرد بسخرية لاذعة تحرق الهيبة المصطنعة، وتقض مضاجع بيت حميد الدين في قصورهم، بينما تزرع الضحكة المتمردة في قلوب الرعية على حاكمهم المستبد.

وربما كان من أصح المقاييس النقدية وأدقها لدراسة نتاج شعر الفضول دراسة علمية منصفة، هو الاستناد إلى شيئين اثنين لا غنى عنهما.

أولهما مرافقة الفضول ومعايشة تفاصيل حياته اليومية ومخاضاته النفسية، وثانيهما المرور المتأني الواعي على دواوينه الشعرية، لنظفر بالإجابة الشافية عن تلك الأسئلة الوجودية الهامة: "متى أورق الشاعر ومتى أزهر؟ متى تبرعم غصنه الإبداعي وأين أثمرت قطوفه؟".

لكن، في حالة عبدالله عبدالوهاب نعمان، تغدو الدراسة النقدية لنتاجه الإبداعي الشاسع أكثر تعقيداً ومشقّة، وذلك يعود لأسباب موضوعية قاهرة منها:

1- لم يرافق مسيرته الحياتية صاحب دراسة نقدية متخصصة توثق نتاجه خطوة بخطوة منذ مطلع الأربعينيات وحتى رحيله المرير.

2- لم يجمع الشاعر الكبير أثناء حياته الصاخبة أعماله الشعرية المتناثرة في دواوين مصنفة.

3- لم يتلقف أعماله أي من المهتمين برعايته (سواء من أقاربه أو أصدقائه الخلص)، كما تقاعست المؤسسات الثقافية (الرسمية منها والأهلية على حد سواء)، فلم تبادر إلى جمع تراثه وتبويبه حسب المراحل الزمنية التصاعدية حتى وفاته الفاجعة في عام 1982م.

وتكتسب هذه المسألة أهميتها القصوى لاعتبارات جوهرية، أبرزها أن الفضول رافق عن قرب ميلاد حركة الأحرار الوطنيين تنظيماً وفكراً، ويعتبر بحق شاهد عصرٍ استثنائي على الأوضاع السياسية والاجتماعية قبل وبعد الثورتين في جنوب الوطن وشماله.

لذا، فإن أشعاره وقصائده بمثابة "الشهادة التاريخية الحية"، حيث يُعد الأدب من أصدق مصادر كتابة وقراءة التاريخ الحقيقي للشعوب.

بل إن علماء الأنثروبولوجيا يذهبون بعيداً في تتبع مسارات حياة أي مجتمع وبنيته النفسية من خلال قصائد الشعراء الذين عايشوا الواقع وانخرطوا في تفاصيله.

وبالتالي، يمكننا أن نستشف من شعرهم حقيقة الواقع العاري أكثر بكثير مما يخبرنا به التاريخ الرسمي المدون تحت رعاية ومقص الرقيب في البلاط الملكي أو الأميري أو السلاطيني.

فالشعر هو مرآة العصر المصقولة، وهو الكائن الوحيد القادر على نقل الصورة الحية بنبضها وألوانها إلى الأجيال القادمة، في غفلة من الحاكم وظله الثقيل.

والالفضول عاصر كل اللحظات الحاسمة، والنقلات المصيرية في تاريخ اليمن الحديث، عاصرها بمخاضاتها العسيرة، وانتكاساتها الدامية، وانتصاراتها المدوية.

ولأنه شاعرٌ يجري الإبداع في دمه مجرى الروح، فمن المستحيل أن يترك كل هذه التحولات التي عاش أحداثها معايشة مادية ووجدانية دون أن يسكبها شعراً ونثراً، وهو الذي ناضل طويلاً واهباً روحه الرخيصة لأجل تحقيقها.

فكنا نراه يحزن حزناً نبيلاً لعثرات الحركات الوطنية، ويهتز فرحاً غامراً لانتصاراتها الكبرى.

وربما أن العمر لم يمهله، ولم يعطه الفرصة الكافية لجمع نتاجه الشعري المتناثر، فهل يعني هذا الإهمال أن تصمت المؤسسات المعنية، وتكف عن مناشدة أقربائه للبحث عما لديهم من مخطوطات وأعمال وإخراجها للنور وتيسيرها للباحثين؟

إن تجربته النضالية الفذة تحمل في مضمونها من الدروس البليغة والعبر العميقة ما يمكن للاستفادة منه في حاضرنا ومستقبلنا.

وثمة اعتبار آخر يلح علينا، وهو أن ما وصل إلينا من شعر الفضول لا يعبر بالضرورة عن مجمل إرثه الأشبه بالمحيط، سواء ما ضمه ديوان "الفيروزة" أو ذلك الجهد العظيم المبذول لإخراج كتاب "الظمأ العاطفي".

وهو جهدٌ يستحق عليه الباحث محيي الدين علي سعيد كل الثناء والتقدير، لكنني أخشى بكثير من التوجس أن يكون هذا المبحث اليتيم هو كل ما تبقّى، دون أن تظهر دراسات أكاديمية أخرى تتناول جميع إبداعاته.

شريطة أن تُصنف تلك الإبداعات وفق تنوعاتها الأدبية الثرية (بين شعر فصيح، ووطني هادر، وغنائي عاطفي يذوب رقة)، وأن تُرتّب ترتيباً زمنيّاً تصاعديّاً لأهمية ذلك في قراءة وتفكيك تجربة الفضول الشعرية الفريدة.

لقد مرت سنوات طويلة على رحيل الفضول، ومع ذلك نسي الكثيرون، وخاصة المعنيين بشؤون الفكر والثقافة والأدب، الفضول الشاعر، الفضول الكاتب، والفضول الصحافي الساخر.

وربما، كما قال الدكتور عبد العزيز المقالح بمرارة ذات يوم، لا يتذكر الناس منه اليوم سوى هذا الهديل العذب الجميل الذي يتردد مشجوناً من أجمل وأصفى حنجرة يمنية، ويقصد بذلك فنان الشعب أيوب طارش.

وأنا من جهتي، أضيف إلى أيوب رفيق دربه الفنان الكبير عبد الباسط عبسي، ويعود الفضل الأكبر لهاتين الأيقونتين الخالدتين (أيوب وعبد الباسط) في حماية وحفظ إبداعات الشاعر الكبير من الضياع والاندثار في ذاكرة الأجيال.

والبداية كانت حكاية مدهشة، حيث التقى به أيوب في مدينة تعز الحالمة عام 1967م، وأعطاه الفضول حينها باكورة قصائده مثل: (وادي الضباب، مدارب السيل، هات لي قلبك، طاب البلس).

وكما يروي أيوب بامتنان: "أخذ يقرأ لي قصائده وأنا مأخوذ بروعة الكلمات وسحر المعاني أردد بعد كل مقطع كلمة ياسلام".

ويستطرد أيوب في ذكرياته ليقول: "أنه اسمعه لحناً لأغنية تقول (الأخضري خضر من الرشاشي خضر من الله لا مطر ولا شي)".

أعجبه اللحن وتماوجت في رأسه الموسيقى، لكنه اعترض بشدة على ركاكة الكلمات وقال بلهجته التعزية الحاضرة: "الخبر هذا مش مليح.. هذا مايستويش".

وفي اليوم التالي مباشرة، جاءني بقصيدة أخرى تنبض بوعي الأرض والحياة تقول: (بكر غبش بالطل والرشاشي بكر بكور قبل الطيور ماشي) (الظمأ العاطفي ص500).

فكانت تلك أول أغنية ركب الفضول كلماتها الباذخة على لحنٍ جاهز صاغه أيوب، لتتشكل منذ تلك اللحظة ثنائية فنية وإنسانية معجزة، قلّ أن يجود الزمان بمثلها على المدى البعيد.

وفي موقفٍ آخر يفيض دلالة، يروي أيوب: "وذات يوم اسمعه أيوب أغنية صنعانية تقول:

(ياخو القمر شلوك قبال عيني ما زاد وقف دمعي ولا حنيني)"

فرد عليه الفضول كعادته، متمرداً على نبرة الانكسار والبكاء:

"ارجم ارجم من هذين الأغاني اللي ماينفعنش ايش من كلام هذا .. شلوك قبال عيني وانا جالس ابكي ايش من خبر هذا"

ثم التفت إليه، وأعطاه كلمات تفيض كبرياءً وحباً على ذات الوزن الموسيقي تقول: (طال الفراق وأنا إليك مشتاق صابر وصبري ياحبيب قد ضاق اظمأ وتسقيني الحياة اشواق) (الظمأ العاطفي ص502).

إنني أستدل من هذين الموقفين العفويين، على أن الفضول وجد ضالته الفنية الكبرى في حنجرة أيوب، ثم في صوت عبد الباسط الدافئ.

اللذين خصهما بأجود وعيون قصائده، ليس فقط من أجل تطوير أحدث مدرسة غنائية جديدة في الشعر واللون الغنائي اليمني، وإنما ليؤكد بصمة التميز الكبرى للمدرسة "التعزية" الجديدة، كرافدٍ أصيل ضمن ألوان الفن والشعر الغنائي اليمني الممتد من الصنعاني (الحُميني) إلى الحضرمي، فاللحجي، فالتهامي الخ الخ.

***

هوامش مهمة:

استعنت عند إعداد هذه المادة بكثير مراجع وكتابات عن الشاعر الفضول أبرزها كتاب "الظمأ العاطفي في أشعار الفضول وأغاني أيوب" للباحث الأديب والكاتب محيي الدين علي سعيد.

نُشرت هذه المادة بأحد أعداد صحيفة "الثقافية" التي كانت تصدر عن مؤسسة الجمهورية للصحافة والطباعة والنشر عام 2007.

المادة كانت عبارة عن واحدة من الأوراق البحثية المقدمة بفعالية نظمها "منتدى الإثنين الأسبوعي" التابع لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين بالعاصمة صنعاء، وخُصصت لتناول وتفكيك تجربة الفضول "عبدالله عبدالوهاب نعمان".

المادة منشورة على الرابط التالي: موقع الفضول


أُعيد نشرها هنا مصححة، ومنقحة.