الأربعاء 8 يوليو 2026

يوميات (11)

وداعاً..

وداعاً..

صار البيت أضيق من حبل المشنقة.. الجوع ينام معنا، والالتزامات تستيقظ قبلنا. في عز هذا الخراب، جاء الخبر كطعنة باردة.. أخ زوجتي اغترب في السعودية.. لم تمض على غربته سوى عدة أشهر، لا تكفي حتى ليحفظ أسماء الشوارع هناك، وإذا بالهاتف يرن كل ليلة وصوته يضحك..الأمور طيبة، الفلوس تجري هنا كالماء... كيف؟ لا أدري.. هل وجد كنزا؟ لا أحد يدري.. كيف؟ لا أدري. في الغربة ألغاز لا يفهمها إلا من باع روحه هناك..صار يتكلم من فوق، كأنه لم يكن قبل أشهر يشاركنا رغيف الذل. بدأ يقنع زوجتي بالاتصال كل يوم.. يهمس لها عبر السماعة المكسورة

: يا أختي، لطالما حياتكم هنا صعبة، وضيقة، وبلا أفق.. فلماذا تبقون؟ أنا هنا قادر اسعدك ..اصلا انا من اول ما كنت راضي يتزوج بك هذا المدبر..لولا ابي الله يرحمه..
وفي ليلة سوداء جاءتني زوجتي بوجه شاحب وقالت
: شف اخي كيف نجح وصار مهم في الغربة وانت سنين في الغربة ما لقينا غير الجوع والوجع ..على العموم ..أخي يقول بأنه سيأخذ ابننا للعمل معه في السعودية...
شهقت كمن تلقى لكمة في المعدة
: ابني؟ لكنه لم يبلغ بعد الثامنة عشرة! لم يكمل السادسة عشرة حتى! كيف يسافر صغير للعمل.. أي قانون هذا.. أي جحيم هذا؟على الاقل جدي هاجر وعمره فوق العشرين وانا فوق الثلاثين اما هو اقل من 18 سنة ..يا الهي..
ارتبكت نظرت إلى الأرض وقالت وهي تفرك يديها
: لا تقلق.. لا تقلق.. أخي قال إنه وجد حلا آخر.. أي حل لا أعرف لكنه حل آخر.. حل يمشي الأمور.  
أي حل آخر.. هل سيصير الولد قطعة أثاث تهرب عبر الحدود؟ سألتها، صرخت، لكنها كانت تهرب من عيني إلى المطبخ الخالي.. كأنها تخاف من السؤال أكثر مما تخاف من الجواب.
ومرت الأيام ثقيلة كالجبال وفي يوم كئيب..اخبرتني زوجتي بالحل
: الحل بما انه يستحيل عليه السفر لوحده فسأسافر معه الى السعودية وهناك حين يستقر عند اخي ويعمل ساعود على الاقل ساقضي اياما اشعر فيها بانني اكل طعاما واستعدت بعضا من عافيتي..واذا وجدنا لك فرصة عمل يمكنك ان تأتي.
: فرصة عمل..واذا لم تتوفر..هل ستعودين..
لم تكد تجيب حتى كمن ظهر من العدم ..قال لي ابني: سامحني يابه..
: أسامحك على ايش.. على أنك ستدفن في الغربة وأنت حي؟
لم يجبني مضى الوقت باردا ..
***
وما هي سوى أسابيع.. أسابيع فقط، كأن الزمن قرر أن يذبحني على عجل..وفر أخوها، ذلك الذي ابتلعته السعودية ولم تمض على غربته أشهر، قيمة استخراج الجوازات والفيز ومتعلقات السفر كلها.. جاء المال سريعا كأنه جاء ليعجل بموتي.. فالمال في يد الفقير إما أن يحييه أو يدفنه، وهذه المرة جاء ليحفر قبري.
جاءت زوجتي تحمل الجوازات الجديدة بدل تلك القديمة التي انتهت في يدها.. كأنها تحمل نعشي ونعش ابني.. نظرت إلي بعينين غارقتين بالدمع والذنب وقالت بصوت مقتول
: خلاص.. كل شيء جاهز..حاولت أن أمنعها، أن أصرخ أن أقول لها: وأنا؟.  
لكن الكلمة ماتت في حلقي، تحجرت كصخرة.. أي وجه لي أطلب منهما أن يبقيا معي في هذا الجحيم؟ بأي حق أقيد قدميهما إلى قدمي لنغرق معا في مستنقع الفقر هذا؟ هل أقول لابني: ابق هنا لتموت من الجوع بجانبي؟ هل أقول لها: ابقي لندفن بعضنا هنا؟
رحلت معه إلى تلك البلاد التي تبتلع أولادنا.. وقفت عند الباب ألوح لها، وأنا أعرف أني لا ألوح لزوجتي ولابني بل ألوح لعمري كله وهو يركب الحافلة ويمضي.
تركا لي صمته على الجدار، وحذاءه الممزق عند الباب.. صار البيت قبرا يمشي..  
بقيت وحيدا أنا والجدران والليل الذي صار أطول من العمر.. رجلا خسر أهله لأنه لم يملك ثمن بقائهم.  
في اليمن.. حتى العائلة صارت رفاهية لا يقدر عليها الفقراء.
أصبحت أنا الغريب الحقيقي..غريب في وطني، غريب في بيتي، غريب حتى من نفسي.  
وصدق عبده خواجه حين قال: اليمني غريب حتى لو معه أموال... وأنا الآن غريب.. ولا أملك حتى ثمن تذكرة الهروب.
للبقية تتمة...