الثلاثاء 7 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • جعبة الأوجاع.. مدونة شعرية تؤرخ لأربعة عقود من مرارات الواقع وخيبات السياسة في اليمن

جعبة الأوجاع.. مدونة شعرية تؤرخ لأربعة عقود من مرارات الواقع وخيبات السياسة في اليمن

جعبة الأوجاع.. مدونة شعرية تؤرخ لأربعة عقود من مرارات الواقع وخيبات السياسة في اليمن

توطئة:

عرفته على نحو غير مباشر عقب قيام دولة الوحدة في دمنة خدير، حيث كان مقرا منظمتي الحزب الاشتراكي بالصلو وسامع داخل مبنى واحد.

غير أن معرفتي المباشرة به تعود إلى عقد ونصف العقد، وتقوَّت علاقتي به خلال العشر السنوات الأخيرة، وبقينا على تواصل شبه مستمر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أخذ خلالها يرسل إليَّ قصائده تباعًا، وكنت دائمًا أحثه على ضرورة جمعها في ديوان شعري.

وتفاجأت به مؤخرًا يتصل بي، ومن ثم يزورني وهو يحمل في جعبته ما يزيد عن خمسين نصًّا شعريًّا، ويرغب مني في كتابة مقدمة تحليلية لديوانه الشعري الأول.

وفي الوقت الذي أقدِّر فيه، مُثمنًا، الثقة التي منحني إياها هذا الإنسان المعجون بالنضال والوطنية والإخلاص، والأخلاق الكبيرة، والتواضع الجم، أتمنى أن تكون هذه المقدمة قد سلطت الضوء على كثير من جوانب هذا الديوان، ومضامينه من نواحٍ عديدة فنية وموضوعية، وكشفت للقارئ ما يجب أن يكتشفه عن الشاعر وشعره.

أولاً: أهمية ديوان جعبة الأوجاع

أعتقد جازمًا أن جدوى خروج هذا الديوان إلى النور تكمن في نواحٍ أكثر أهمية من الناحية الفنية التي غالبًا ما يركِّز عليها المتخصصون أو المهتمون بالشعر، أكانوا شعراء أم نقادًا، فنرى الكثير منهم يتجنب الاشتغال على القضايا والنواحي الموضوعية لقصائد الشعراء بقصد أو بغير قصد، إما بسبب العجز عن كشف مضامين الأفكار والدلالات في مواضيعها، أو هروبًا من إظهارها خوفًا من النتائج التي قد تترتب عند كشفها – خاصة – على حياة الشاعر من أخطارٍ قد تستهدفه، وأسبابٍ أُخر لا محل هنا لذكرها، جميعها تجعل أحيانا المعنيين بدراسة وتحليل الشعر، خاصة في مجتمعاتنا المنغلقة، كثيرًا ما يُحجمون عن دراسة النواحي الموضوعية للشعر، ويعنون بالنواحي الفنية.

إن النواحي الموضوعية في ديوان جعبة الأوجاع للشاعر الجمال سلطان غالب سعيد هي ما يجعل ضرورة طباعة هذا الديوان من الأهمية بمكان وزمان، وسيكون جسيمًا خطأ تركها عرضة للتجاهل والنسيان والفقد، ككثير من تجارب شعرية ضاعت في هذا البلد دون قطف ثمار إبداعها، لأن ديوان جعبة الأوجاع ليس مجموعة شعرية فحسب، لكنه علاوة على ذلك مدونة شعرية لمحطات عامة وخاصة..

عالمة في تاريخ هذا البلد، وخاصة في حياة الشاعر، تمازجتا معًا في مدى يقارب الأربعة عقود، عبر قصائد الديوان التي استمر الشاعر يعكس فيها استقراءاته لمعطيات الواقع، بالمعايشة القائمة على المشاهدة والمعاينة تارة، وفي التفاعل داخلها تارة أخرى، ومن ثم يدونها شعرًا في قصائد الديوان.

ومن هذا الطرح يكتسب ديوان جعبة الأوجاع أهميته، من قبيل أن الشعر يعد واحدًا من مصادر قراءة التاريخ، ولكن بلغة مختلفة عن لغة كتابة التاريخ.

ثانيًا: دلالة عنوان الديوان وصورة الغلاف

يتكوَّن اسم الديوان من كلمتين هما:

جعبة...

و...

الأوجاع.

تعددت معاني مفردة (جعبة) في القواميس والمعاجم العربية، إلا أنها لم تختلف في أنها مفرد (جِعاب)، وتعني (كِنَانَةُ النِّشَّابِ)، والكنانة هي وعاء من الجلد توضع فيه السهام، والكلمة أصلاً كانت تشير إلى حقيبة حمل الحبوب.

استعملها رماة النبال بالقوس والنشابة منذ القدم، وإجمالاً، للفظ "جعبة" عدة معانٍ، ولكنها في السياق الأدبي أو الشعري غالبًا ما تشير إلى:

حاوية جلدية أو وعاء يُحفظ فيه السهام أو الأسلحة، خاصةً في السياق القديم أو التاريخي.

يمكن أن تُستخدم أيضًا كرمز للقوة أو القدرة على الدفاع أو الهجوم.

ويمكن أن تُستخدم في السياق الشعري لوصف أغراض كثيرة، فهذا أبو الطيب المتنبي يقول:

كلُّ الفعولِ سهامٌ / لمريم وهي جعبة.

ويقول أبو العلاء المعري:

من يغتبطْ بمعيشةٍ، فأمَامَهُ / نُوَبٌ، تُطيلُ عناءَهُ، جُعبَتُهَا.

ويقول محمد إقبال:

إنني في الجو أو في جُعبتي / حيثما كنتُ بجسمي شعلتي.

ويقول أمير الشعراء شوقي:

قد نثرتهم جُعبة / ونفضتهم منبرة.

ويقول جبران خليل جبران:

ناضلت حتى لم تدع في جُعبة / شهما ومن حجج المحق سهام.

أما إبراهيم ناجي فيقول:

وجلست أنثرُ جُعبةً معمورةً / بالذكرياتِ جديدها وقديم.

إني لأحملُ جُعبتي متحديًا / زمني بها وحواسدي وخصومي.

وهناك عشرات الأبيات في الشعر العربي استخدمت مفردة جُعبة لأغراض كثيرة ومتعددة.

مما سبق نجد أن شاعرنا الجمال أحسن صنعًا عندما استعمل مفردة (جُعبة) لأنها أكثر تناسبًا مع بقية اسم الديوان (الأوجاع).

وجُعبة الجمال سلطان هي ذلك الوعاء أو الكيس أو تلك الحاوية التي يحتفظ بداخلها كل أوجاع عمره..

أوجاع الحب، أوجاع الأحلام والآمال العظيمة، أوجاع الوطن، أوجاع الثورة والجمهورية والوحدة، أوجاع الرفاق والأصدقاء والشعب، أوجاع المعذبين في الأرض، أوجاع الماضي والحاضر والمستقبل، يحملها معه داخل جُعبته في حلِّه وترحاله.

وقد أتت صورة الغلاف الأول لوجه الديوان معبِّرة أيما تعبير، بعمقٍ بالغ الدلالة، عن مجموعة الأوجاع التي يحملها شاعرنا على ظهره، وهو يترصَّد طريقًا وعرًا شاقًّا لقرية جبلية حزينة.

ثالثًا: التنوع الأسلوبي والبنى التعبيرية لقصائد الديوان

تتميز المجموعة الشعرية التي بين أيدينا بتعدد وتنوع الأساليب الشعرية نحو الشعر العمودي الذي يتبع قواعد الوزن والقافية، والشعر الرمزي القائم على استعمال الرموز لتعزيز المعاني والدلالات الشعرية، والشعر الحر الذي يعتمد على التعبير العميق دون قيود الوزن والقافية، والشعر الغنائي الذي يعبر عن المشاعر الذاتية، وتنوع هذه الأساليب جاء على النحو التالي:

أ- التنوع الأسلوبي في الديوان

لا شك أن الشاعر الجمال لم يتقيد بأسلوب واحد في كتابة قصائده، إذ تتعدد الأساليب من قصيدة إلى أخرى، وأحيانًا تتداخل مع بعضها، فتجد قصيدةً معينةً رمزية وغنائية، وعامية وفصحى في آنٍ واحد.

لكن يجب ملاحظة أن كل قصيدة تُنظم أبياتها تبعًا للموقف الذي بذرت أثناءه القصيدة في مخيلة الشاعر، وأخذت مضامينها تنمو وتتشكل في صورتها المستوية والجاهزة للخروج عبر مخاض الطلق الإبداعي إلى حيز الواقع على هيئة جنين شعري.

إن طبيعة المناسبة التي وُلدت في أجوائها القصيدة عند الجمال سلطان هي من تحدد شكل القصيدة: أيكون باللغة الفصحى أم باللهجة العامية أم بالاثنتين معًا، أم بتغليب العامية على الفصحى أم العكس؟ وكذلك تحدد المناسبة الغرض من كتابة كل قصيدة، والغاية التي يهدف الشاعر من قصيدته أن تحققها.

مما سبق ندرك أن الجمال سلطان لا يتقيد بأسلوب شعري واحد، بل يستعمل كل الأشكال الشعرية وفقاً للمناسبة التي وُلدت في أجوائها كل قصيدة، سواء أكانت مناسبة ذاتية أم دينية أم وطنية أم سياسية أم اجتماعية أم حتى حزبية.

فالمناسبة هي من تحدد شكل القصيدة ومضامينها.

ب- البنى التعبيرية والجوانب الفنية لشعر الجمال

لا ريب أن كل شاعر يعتمد عدداً من البنى التعبيرية والجوانب الفنية في شعره، تحدد بدورها ضمن أي ضرب من ضروب الشعر والشعراء يكون هذا الشاعر أو ذاك.

لكن أولاً وقبل كل شيء يجب أن نعرف هنا: أين يقف الشاعر الجمال سلطان بين الشعراء اليمنيين؟ لا يمكننا الجزم أن الجمال يعتبر شاعراً شعبياً بحتاً، ولا شاعراً للفصحى، فهو مزيج من شاعر الفصحى وشاعر العامية معاً، وإن كان لا مناص أمامنا من ضرورة تحديد المصاف الشعري الذي ينبغي أن نؤطره داخله بين أقرانه من الشعراء اليمنيين، فأقول إنه من شعراء العامية المعاصرة، خاصة الشعراء الذين ينحدرون من الحجرية بتعز، وأبرزهم سلطان الصريمي، ومحمد عبد الباري الفتيح، وعبد الله سلام ناجي، وعبد الكريم الرازحي، وعبد الملك الحاج، وغيرهم.

بدليل أننا سنجد عدداً من قصائد الديوان مهداة إلى عدد من هؤلاء الشعراء، ويخوض الشاعر الجمال معهم حواريات شعرية.

لتأكيد هذا الطرح، سنجد أن الدكتور عبد العزيز المقالح في كتابه "شعر العامية في اليمن" قد قسم شعراء العامية إلى قسمين هما: شعر العامية القديم، وشعر العامية المعاصرة، وبيَّن أن الأخير يتمظهر في ثلاثة مستويات، هي: (عامية المثقفين، عامية المدينة، عامية القرية).

وهذه الثلاثة المستويات سيلاحظها القارئ في كثير من قصائد "جعبة الأوجاع".

إذن، في حين أن الجمال سلطان يعد من شعراء العامية المعاصرة، إلا أن هذا التصنيف لا يخرجه من أن يكون شاعراً يكتب الشعر الفصيح والعمودي.

يقول المقالح: "إن العامية لا تهبط من قيمة الشعر إن كُتب بها، مثلما لا يرتفع الشعر بالفصحى إن كُتب بها، لأن الأساس الفني هو جوهر الشعر ومضمونه، فكل ما كان منظوماً شعراً لا يُعد شعراً إن كان خالياً من الجوهر الشعري المتمثل بالقيم الجمالية واللمسات الإنسانية".

تأسيساً على ما قاله المقالح في كتابه "شعر العامية في اليمن"، نجد أن الجمال سلطان يعد شاعراً بامتياز، بقطع النظر عن اللغة التي يكتب بها شعره، فلا تكاد كل قصيدة من قصائده تخلو من القيم الجمالية والسمات الإنسانية والرؤى العابرة لزمنها، والتي لا يمتلكها إلا من وُهبوا عبقرية الشعر.

في ضوء ما أُشير إليه أعلاه، لا ريب أن القارئ الكريم بات يدرك: أين يقف الشاعر الجمال كشاعر بين الشعراء اليمنيين؟ لكن يبقى أمامنا سؤال مهم: كيف يكتب الشاعر الجمال سلطان شعره؟ أو ما هي البنية التعبيرية للغة التي يكتب بها أشعاره؟ أشرتُ سلفاً أنه ليس شاعراً فصيحاً فقط، ولا شاعراً عامياً أيضاً، وهذا بداهةً يقودنا إلى إدراك البُنى التعبيرية للغة التي يكتب بها أشعاره، وهي كالتالي:

1- الكتابة باللغة الفصحى:

يوجد أكثر من عشر قصائد فصحى واردة في الديوان، هي: (انتحار الرؤى، براءة، هاجست الشك، همسة وفاء، ربيع الحياة، نصيحة من هاجس الروح، ذات مرة، خوازيق الثورة، الفأر عميد الشريعة، زوابع الأمواج، عناقيد الشوق، عمق اليقين، دموع).

ويلاحظ أن موضوعات هذه القصائد غالباً ما تكون في النقد السياسي للسلوكيات الخاطئة على اختلافها، سواء داخل الحياة السياسية للحزب الذي ينتمي إليه، أو نقد الوقائع السياسية على مستوى الحكم، أو استنكار إجراءات اجتماعية، وغير ذلك.

2- الكتابة باللغة العامية المعاصرة:

أبرز القصائد الواردة في المجموعة الشعرية هي: (الحنين إلى الفجر، ما يدور في خبايا الغدر، الراعية مسحور، أين الخلل، ريم وادي كرب، خلف الركن، ضوء السماء، عاشق الأرض والإنسان، من ومضة الجماجم، مهاتفة، دموع العمر، لا تكابر، صيحي وصحي الأبطال، خيبة بتول، لا تنحني، الكذب تعب، فراعص، زنجبيلة وهيلة، حوار مع السعيدة، نقمة، ضياع، غربة الحلم).

ما يقارب العشرين قصيدة كُتبت بلغة عامية معاصرة تخاطب عامة المثقفين في المدن والقرى، ولا تختلف عن القصائد الفصحى من حيث القضايا الموضوعية التي تناولتها.

3- قصائد تمزج بين الفصحى والعامية، ولكنها أقرب إلى الفصحى:

من القصائد التي تندرج تحت هذا الضرب من الشعر: (الحنين إلى الفجر، معاول العشق، حلم الحميد، هوى العذال، وجه الصباح، زهور الشمس، زهرة السوسن، قصتك عصية، نداء، عشق سفر الحياة).

4- قصائد تمزج بين الفصحى والعامية، ولكنها أقرب إلى العامية:

اشتمل الديوان على عدد من القصائد التي تقع تحت هذا العنوان، نحو: (البشائر، الوليمة، شمس المحبين، وفاء، رسالة للرازحي، هذا الزمن منحوس، بلا هوية، زارع الرياحين).

جـ - عناصر الإبهام في ديوان جعبة الأوجاع:

يلاحظ المتأمل لأغلب قصائد الديوان أن الشاعر قد أوغل كثيراً في توظيف ما يُعرف بـ "الإبهام في الشعر".

وعلى الرغم من أن الشاعر لم يتحصل على تعليم أكاديمي لدراسة الأدب وأجناسه ومراحل تطوره في سياق الحضارة الإنسانية، كيما نقول إنه قد وقف على معرفة أسراره، ومدارسه، وتنوع لغاته، والتفاعلات والتداخلات، والمقاربات، والتمايزات تبعاً لتباين الألسنة الأممية، وتباين مستويات التطور فيما بينها، وبخاصة مكانة الشعر عندها، وأمور أخرى، قطعاً وبدون شك أن شاعرنا لا يكترث لها، مع أن معرفتها عند من يحترف صنعة الشعر هي ما تدفع لأن يحدد الشاعر شخصيته الشعرية تحديداً مائزاً ضمن قائمة الأدب العالمي، وليس فقط التميز على المستوى المحلي أو القومي.

أكرر: على الرغم من عدم توفُّق شاعرنا في دراسة الأدب لصقل موهبته، إلا أنه على نحو غريزي استطاع أن يوظِّف عناصر الإبهام في شعره على نحو ملفت يبعث على التمعُّن والتأمل في تجربته الشعرية.

من هنا نستنتج أن موهبة الشعر، إن لم أقل عبقرية الشعر، هي في الأصل موهبة لا يُمنحها إلا القليل من الناس، ومهما يبذل المرء من جهد ووقت لدراسة وتعلُّم صنعة الشعر، فلن يصل أو يُداني مستوى زميل آخر يدرس معه نفس العلوم غير أنه يتميز عنه بالموهبة..

الموهبة التي تخلَّقت داخله غريزة مفطورة..

وبالقياس إلى ذلك، فإن شاعرنا لم يتطفَّل على الشعر، وإنما الشعر هو الذي تطفَّل عليه.

ثمة حقيقة مؤكدة تقول: إن "كل شاعر ذكي، وليس كل ذكي شاعراً"، وبفعل الذكاء الذي يمتلكه كل الشعراء، نجد أنهم يدركون كثيراً من أسرار وعوالم صنعة الشعر، حتى إن لم يكتسبوا مهاراته بالتعليم.

ويُعزى السبب في ذلك إلى قدراتهم الخارقة في استيعاب كافة المفارقات في ثلاثية الكون والحياة والإنسان، وقدرتهم ليس فقط على القيام بعمليات الحفر والكشف والنفاذ والرؤية لما وراء معطيات الحياة، بل ومعرفة وفهم كُنه متناقضاتها، فاستطاعوا الشعور بما لا يشعر به غيرهم، ورؤية ما لا يراه الآخرون، ويستشفُّون ملامح المستقبل استشفافاً يعجز غيرهم عن مجاراتهم فيه.

وهنا تحضرني عبارة لطالما ترددت على مسامعنا، خلاصتها: "الشعراء يسبقون زمانهم"...

وتتعزز قوة هذه العبارة بإضافة عبارة للفيلسوف برتراند راسل، تقول: إن أحلام الشعراء هي من تشكل منطلقات الحضارة الإنسانية.

وشاعرنا الجمال، على الرغم من بساطته وتواضعه، وانحداره من أسرة ريفية من الفلاحين الذين عاشوا في أحضان الجبال القاسية، غير أنه تمكن من إدراك أسرار الشعر وخصوصياته وعناصر الإبهام التي تجود من بلاغته، وتحسن من صناعته، وتزيده ألقاً، وتوجهه إلى حيث الغايات الكبيرة التي يتطلع الشاعر إليها، وينشد تحققها.

إن الإبهام في شعر الجمال يتجلَّى على نحو مدهش من خلال استخدامه لبعض عناصر الإبهام، خاصة في الأدب الشعري، كتوظيف الرمزية التعبيرية، واستعمال مفردات من الأساطير والحكايات الشعبية، نحو: (التَّبَع، وريقة الحنا، مسك الفرح)، ومصطلحات من الصوفية، ومن التراث الشعبي، ومن التاريخ، والآثار، وأسماء لها دلالات مجازية، نحو: (الغربان ومفردها غراب، والفأر الذي كثيراً ما يُرمز به إلى مخبر النظام...).

إن أبرز القصائد التي اتسمت بتوظيف الرمزية وعناصر الإبهام، هي: (الحنين إلى الفجر، قهوة الحميد، معاول العشق، وفاء، الراعية مسحور، هوى العذال، همسة وفاء، خلف الركن، هذا الزمن منحوس، ومضة الجماجم، دموع جدتي، صيحي وصحي الأبطال، الفأر عميد الشريعة، الكذب تعب، فراعص، زنجبيلة وهيلة، نداء، ضياع، نقمة، دموع).

وكل هذه القصائد امتازت بالرمزية وتوظيف عناصر الإبهام في الشعر توظيفاً ذكياً، استطاع من خلالها الشاعر إيصال المرامي التي ينشدها إلى المعنيين بها.

رابعاً: نواحي وقضايا شعر الجمال ودلالاتها الموضوعية

تتمظهر الجوانب الموضوعية في الديوان من خلال الموضوعات أو القضايا التي مثلت دوافع أساسية تحرك مشاعر وأحاسيس الشاعر لكتابة الشعر باعتباره الملاذ الذي يلجأ إليه للتنفيس عن لواعجه المتفاعلة مع تلك القضايا رفضاً وقبولاً، وأبرز القضايا والموضوعات التي تناولها الشاعر يمكن إيجازها فيما يلي:

1- استخدام الرمزية لعرض قضايا خطيرة:

معلوم أن الرمزية الشعرية هي أسلوب شاعري يستخدم الرموز والصور الشعرية للتعبير عن الأفكار والمشاعر بطريقة غير مباشرة، وغالباً ما تُستخدم لـ:

التعبير عن المشاعر والعواطف بشكل غير مباشر.

إثارة التفكير والتأمل عند المتلقي للقصيدة، سواء أكان قارئاً عادياً، أم مسؤولاً معيناً، أم ناقداً أدبياً.

خلق جو من الغموض والتعقيد في القصيدة لإثارة المتلقين للقصائد.

استخدام الصور والرموز لإيصال رسالة أو فكرة معينة.

وأبرز القصائد التي وظف فيها الشاعر الرمزية الشعرية هي كالتالي:

الحنين إلى الفجر: هي أول قصيدة في الديوان، وتُعد من أقدم قصائد الشاعر كما هو مبين من تاريخها.

القصيدة رمزية وغنائية تنضح بالعاطفة والحنين إلى يوم اللقاء، الذي يبدو ظاهرياً وكأنه اللقاء بالحبيبة، غير أنها ليست الحبيبة الظاهرة كامرأة، وإنما الحبيبة الأخرى وهي الوحدة اليمنية.

القصيدة غزيرة بالصور الشعرية والرمزية، وخاصة الأبيات التي تقول: "حنت بصدري رعودك / سالت دموعي سوائل وأهديت لك من حياتي / فجر السنين الأوائل الشوق يسكب دموعي / ينسج بديع الرسائل".

قهوة الحميد: قصيدة تكثر فيها الألفاظ الرمزية الشعبية، نحو اسم العَسَق، وهو بالفصحى اسم الثعلب، والأمداج (الفَنّ) بيت الدجاج، والبتول (الفلاح)، والحَوَل (الحقل)، والقصيدة تشير إلى التطور الذي صار فيه الثعلب (الحاكم) ملكاً متوجاً على الشعب (الوطن).

"العسق على الشُّعبة ملك تُوِّج / يحفر حُفر بالسُّفل والمدرج".

معاول العشق: قصيدة مزج فيها الشاعر الفصحى بالعامية، ووظف الرمزية فيها بقوة، حيث خاطب كلاً من الثورة، والوحدة المنتظرة، واليمن بشطريه، والحزب كإطار سياسي دون أن يذكر هذه المفردات صراحة، وإنما ضمناً في معاني أبيات النص الشعري، خاصة التي قال فيها: "اليوم قمري يغازل / من فوق غصن الرشاد قومي وشدي الوسائل / اطوي ثياب الحداد كرنفال المشاعل / يجلي الدُّجى والسواد".

وفاء: نص غنائي يمزج فيه الشاعر الفصحى بالعامية، واستعمل الرمز الذي يشير ظاهره اللفظي إلى الحب والمحبوبة، بينما الدلالة الباطنية التي يقصدها هي الوفاء للإطار الفكري الذي يختبئ الشاعر خلف عباراته الشعرية.

وهنا قد ينخدع حتى أكبر النقاد فيعتبر القصيدة غنائية عاطفية فيها تغزل بالمحبوبة، خاصة مطلعها: "أنا معك يا حب بكل الأحوال / يا نبض أنفاسي ولوعة البال بك يستضيء من تاه وسط الأدغال / وأنت لمن عانى بباله موال" غير أن من يعرف الشاعر عن قرب سيكتشف أن المقصود هنا ليس الحبيبة، وإنما الإطار السياسي الذي ينتمي إليه، بدليل قوله: "حبيب حبك في الفؤاد كامن / وأنت دائم في الخيال ساكن ما فلتك يا كامل المحاسن / وفي غرامك مستحيل أهادن"

همسة وفاء: قصيدة عمودية، ينطبق عليها ما قيل عن قصيدة "وفاء"، فهي امتداد لها، ويعكس فيها الشاعر ولاءه وحبه لإطاره الأيديولوجي، بدليل قوله: "أعشقك رغم حجم القهر في صدري وأصناف الوشاة وأنفسك حيث الحنائن تزدهي بالسنبلات"

الراعية مسحور: قصيدة عامية رمزية، وحينما لا يجد الجمال سلطان المناضل من يسمع رأيه في أمور مهمة، يلجأ إلى الجمال سلطان الشاعر، عسى صوته هنا يجد من يسمعه.

قصيدة "الراعية مسحور" عبارة عن صرخة نقد مدوية وتحذيرية لمن يشغلون مناصب قيادية عليا في قيادة الحزب بالمحافظة، بدأها بصوت ساخر: "مو تغزلي ودودة الطفيلي..

صباح مساء وأنا أبصرك بحولي" إلى أن قال محذراً من توغل المخبرين في الوسط: "بالديمة عكبار بالنقيل عكابر / وفي الدرج يخيموا البرابر أما الوكيل هوايته التسلق / قد ضيّع المعروف وباع الأخلاق"

وهكذا بقية القصائد الرمزية، نحو: (هذا الزمن منحوس، ومضة الجماجم, دموع العمر، صيحي وصحي الأبطال، الفأر عميد الشريعة، الكذب تعب، فراعص، زنجبيلة وهيلة، نداء، ضياع، نقمة، دموع)، وهي قصائد وظف من خلالها الشاعر الرمزية بغية إيصال مرام كبيرة، سواء للحزب أم السياسيين أم الشباب أم المجتمع، علّهم جميعاً يدركون ما وراءها من أبعاد يجب الانتباه إليها.

2- المحاكاة الإبداعية مع الشعراء:

طيلة كلٍّ من تجربتيه الإبداعية والنضالية، سنجد أن الجمال كمناضل وطني تأثر ببعض المناضلين ممن جمعوا بين السياسة والأدب، مثل (ذي يزن)، الاسم الأدبي للزعيم اليمني خالد الذكر عبد الفتاح إسماعيل، وأيضاً سنجده متأثراً ببعض الأدباء والشعراء، أمثال سلطان الصريمي، ومحمد عبد الباري الفتيح، وعبد الكريم الرازحي، وعدد من قصائد الديوان تؤكد على المحاكاة والحوارية، كالتالي:

محاكاة ذي يزن: قصائد (انتحار الرؤى، براءة، وهاجس الشك) هي قصائد كُتبت عام 1987، جميعها محاكاة شعرية لقصيدة (الكتابة بالسيف) للشاعر (ذي يزن).

يحاور الجمال سلطان الشاعر ذي يزن، الذي يُعد في نظره ليس مجرد شاعر أو مجرد رئيس فحسب، بل هو نموذج استثنائي فريد يجمع بين عبقرية الشعر والزعامة الحقيقية.

ذو يزن بالنسبة إليه هو كما وصفه الدكتور عبد العزيز المقالح في كتابه "دراسة نقدية لبعض شعراء الحداثة في اليمن" بأنه "وجه الثورة القادم".

ولأنه كذلك، يصر الجمال في قصيدة "انتحار الرؤى" على محاكاته، معبراً له عن حالة ضياع السنين التي تذهب مثلما تأتي، ولا يخفي الشاعر إحساسه بالقادم الذي لا يحمل ما يجب أن يحمله من التغيير المغاير لما قبله، فالربيع لا يختلف عن الشتاء، حيث يقول: "يطل الربيع بثوب الشتاء، وصوت الصقيع والرؤى في انتحار هنا وهناك..!

والعصافير شاخصة في السماء تترقب مزن الأمان"

قصيدة براءة: يحاكي فيها قصيدة "الكتابة بالسيف" أيضاً، ولكنه يقارن بين الطفولة وكبر السن، حيث البراءة أشبه بالجنة في أوجه وقلوب الأطفال، ولكن عند مغادرة مربع الطفولة والانتقال إلى مربعات العمر اللاحقة تتجلى الفوارق، وهنا يحذر الشاعر من أن تلك الفوارق ستظل تعيد إنتاج السيف والسياف.

وعلى نحو أبشع، يستشف الشاعر أن السياف القادم سيكون أكثر وساخة من سياف الإمام (الوشاح)، في حال بقي هذا الشعب يتجاهل أسباب الانكسارات المتوالية عليه عبر تاريخه الطويل: "البراءة كانت جنة / ونحن صغاراً كنا نلعب كأصدقاء لا نعرف الحقد مهما كان الشجار عندما كبرنا...

/ عرفنا أن الفوارق أعمت عيون الكبار وأن الوشاح سوف يليه أوسخ / إذا ما تجاهلنا أسباب الانكسار"

في قصيدة هاجس الشك: نداء لزمان سيأتي مليئاً بالمفارقات، حيث اللغة تصير سخرية ولهواً، والسحاب يحمل الغيث، ولكنه لا يجود بالمطر، والمزن، والشك أصبح قراراً.

في هذه القصيدة، الشك وهواجسه لا يبارحان وجدان الشاعر، ويأبيان مفارقته...

فتارة تهاجمه الهواجس كاليقين يراه رأي العين، وتارة يرى هواجسه مسجونة، وتارة ثالثة يراها داخل متاهة لا تستطيع الخروج: "يا هاجس الشك لماذا لا ترحل عفواً، فالشك طوراً يقين وحيناً سجين / وحيناً تائه عفواً...

فخواص الضياء / أتت نقيضاً لوهم السنين وللوهم حُرّاسُه / على كتم أفواهنا مدمنون".

محاكاة الصريمي:

يُعد الشاعر الكبير سلطان الصريمي من الشعراء الذين تأثر بهم كثيراً شاعرنا الجمال سلطان، ومن المؤكد أنه كان يتابع ويقرأ إنتاجه الإبداعي، فنجده في قصيدته "البشارة" يُحاكي فيها قصيدة طويلة للشاعر الصريمي نُشرت عام 1974، هي قصيدة "نقوش في جدار الحب القادم"، قال في أحد أبياتها:

أنا اللي جعت...

اتشردت...

اتعذبت ومن دمي روت كل الكلاب وراسي فارق الجسم المعذب ألف مرة.

فيُحاكيه شاعرنا الجمال قائلاً:

بعد ما تجرعنا عناء الخوف وهم الطريق......

إلى أن قال:

يوم العرس أمْطرت سحابة الحب في الوادي سيول تروي ورود الجنائن وتسكب على الرياحين مزن الحنان والبتول يشل بالزامل نهار خرج بصوته للعلن يحمل بشارة للذي عاش العذاب!!!

وعندما قال الصريمي:

قتلت الظلم، وأعلنت بأن الظلم زال وغنَّت انتصاري كل بقعة حيث شافت في يدي اليمنى سبولة وفي اليسرى سراج.

هنا يُحاكي شاعرنا الجمال الصريمي بقوله:

وغنَّى للشمس الحمام وكل الطيور إلا (الغراب) (يشتي يشل السبولة ثانية) عمل على وجهه قناع لبس ثوب الحمامة !!!

أيضاً سنجد في الديوان قصيدة أخرى هي قصيدة (خلف الركون) مُهداة للصريمي، تُمِثّل القصيدة امتداداً لأشعار الدودحية، وهي تعبير عن التمرد، والإرادة الكامنة خلف الصبر وطول الانتظار، وكذلك التعبير عن سنوات التيه والجوع، وشيوع ثقافة المصلحة، وسيطرة فقهاء المسابح والذقون المحنَّاة:

الدودحية تهيم تحرق بنار الظنون تعد سنين السفر..

تصب فيض العيون.

إلى أن قال:

توهتنا المرجحة تسير خلف الركون فقيه بالمسبحة مبدع يحني الذقون يعزف على المصلحة يصدر فتاوي الفنون ولهان في البحبحة والجوع يشوي البطون.

مراسلة الرازحي:

من الكُتّاب والشعراء الذين لفتوا انتباه شاعرنا الجمال الأديب والكاتب الساخر عبدالكريم الرازحي، فتجده في قصيدته "رسالة للرازحي"، وكأنه في الوقت الذي يخوض معه حواراً مُبطَّناً يُبيّن فيه مقاسمته لذات الهموم والقضايا الكبيرة المشتركة، يُناشده أيضاً ولكن بعزَّة واعتداد وذكاء فاره الالتفات إلى تجربته الشعرية المغمورة (يُنظر للقصيدة في الديوان).

مهاتفة الفتيح:

الفتيح هو الشاعر اليمني الكبير محمد عبد الباري الفتيح، والذي كان شاعرنا يعرفه كثيراً، ويجتمع معه في الأسلوبية الشعرية القائمة على كتابة قصيدة العامية المعاصرة، فنجده هنا يُخاطب الفتيح مرتين: المرة الأولى في قصيدة والفتيح ما زال على قيد الحياة، وفيها يُهاتف الفتيح باسم الحميد بن منصور المعروف عند المزارعين اليمنيين بأنه علم من أعلام المتفقهين بأمور الزراعة ومواسمها، وهي قصيدة طويلة يمكن للقراء العودة إليها في الديوان وعنوانها (مهاتفة).

أما في القصيدة الثانية، فسنجده يرثيه بقصيدة معبّرة عنوانها "عاشق الأرض والإنسان".

3- وجع الرثاء:

موضوع الرثاء واحد من أبرز القضايا التي شغلت وجدان الشاعر، فما أن يعلم برحيل مُبدع أو رفيق أو صديق أو قريب له، إلا وتجيش أحزانه وتجهش بالانتحاب باكيةً أعماق روحه على الرحيل المرير، لذلك ليس ثمَّ غرابة في أن شاعريته المرهفة تغشاه وتداهمه، وتُجبره على كتابة مرثية لهذا الرفيق أو ذاك المبدع مثل:

"عاشق الأرض والإنسان" التي رثى بها الشاعر الكبير محمد عبد الباري الفتيح، وقصيدة "دموع العمر" التي يرثي بندم جدته وكل الجدات، وقصائد (زارع الرياحين، وزهرة السوسن، ودمعة دم) وفيها يرثي رفاقاً رحلوا قبل الأوان، وهي قصائد تعكس مدى قوة الوفاء والإخلاص للرفاق والمبدعين.

4- الرومانتيكية الغنائية والغزل:

اشتمل الديوان على بضع قصائد تنضح بالعاطفة وتُعبّر عن اللواعج والحب، وهي تصلح أن تُؤدَّى فوق أوتار المُطربين، وأبرز هذه القصائد (الصبح الجميل، هواس العذال، ريم وادي كرب، ضوء السماء، صيحي وصحي الأبطال، عمق اليقين، حوار مع السعيدة).

يُلاحظ في بعض هذه القصائد أن الشاعر يستخدم أحياناً مفردات تنقل القصيدة من كونها أغنية عاطفية صرفة إلى أغنية سياسية.

5- شحذ همم الرفاق والشباب على النضال، والثبات على المبادئ:

تحتل الديوان مجموعة قصائد أو أبيات شعرية في عدد من القصائد حرص الشاعر فيها على شحذ همم الرفاق والشباب على النضال والثبات على المبادئ، ومن أبرز تلك القصائد:

(لا تكابر، لا تنحنِ، تجديد التاريخ، عمق اليقين، عشق سفر الحياة، غيمة).

وهي في غنى عن الاستدلال بها في هذه المادة، ويمكن العودة إليها من خلال أسمائها التي ذُكرت.

6- خيبة الآمال:

لم يصمت الشاعر عما ينتابه من وقت إلى آخر من التعبير إزاء متغيرات وأحداث حملت في طياتها ما لا يُعبَّر عن طموحات الشاعر على أكثر من مستوى، حيث نلاحظه في قصيدة "ما يدور في خبايا الغدر" يتناول ما يجري خلف الكواليس.

وفي قصيدة "أين الخلل" يُصوَّر خيبة الأمل بالواقع من خلال الإهداء وما ورد في هامش القصيدة، الذي يُشير إلى تعرض الناشطة سعاد القدسي إلى حملة قمع من قبل النظام الحاكم اضطرَّت بعده للسفر والعيش كلاجنة في كندا.

وفي قصيدة "خيبة بتول" يُعبَّر الشاعر عن الخيبة الكبيرة التي وصل إليها الواقع، حيث عبَّرت القصيدة عن السقوط الكبير لمن كان يُفترض بهم أن يكونوا الملاذ وعدة التغيير:

كل الشيوخ قد خانوا الحريرية وتاجروا بالدين تحت صيرة

طبعًا...

إلى جانب هذه القضايا التي أشرت إليها، هناك قضايا أخرى يزخر بها الديوان مثل: الاستنكار، والاحتجاج، والتمرد الثوري ضد المواقف والمتغيرات السياسية سواء على الصعيد الوطني أم المستوى الحزبي.

وكذلك قصائد الاحتفاء المغاير بالمناسبات الدينية والوطنية والحزبية.

وقصائد لم تخلُ من عشق الطبيعة كالجبال، والحقول، الشعاب، والسواقي، والسوائل، والسيول، والمطر، والزراعة.

لكني هنا...

أجدني اضطراريًا مجبولًا على التوقف عن تناول مضامينها ودلالاتها، ويُعزى هذا التخلي إلى ضرورة ترك مساحة للقراء والنقاد والباحثين، كي يقفوا بأنفسهم أمام نصوص الشاعر، بغية استنطاقها واكتشاف ما وراءها من مضامين ودلالات إبداعية وواقعية.

خامسًا: المائز والمأخذ في تجربة الجمال الشعرية

لكل تجربة شعرية مائزاتها ومآخذها، فلا توجد تجربة إبداعية كلها مائزات وخالية من المآخذ، أو العكس.

وسأكتفي هنا بإيراد أهم مائزة لا ينبغي تجاهلها، وهي ميزة الحساسية المفرطة والألم الحاد.

نعم، سيلاحظ القارئ في أغلب قصائد المجموعة الشعرية كثرة الحساسية المفرطة والألم الحاد، وهذا أمر يكاد يكون طبيعيًا عند أعظم وأكبر وأغلب الشعراء، فلولا تلك الحساسية والألم المفرطان ما كتبوا الشعر أصلاً.

وشعر الجمال هو شعر رجل من اليمن، وتحديدًا من ريف محافظة تعز، خاصةً إذا ما علمنا أن أبناء ريف تعز هم من صنع فرادة ومدنية تعز، وليس أبناء مدينة تعز...

لأن أغلب أبناء مدينة تعز ينحدرون من أصول ريفها، وهم من هاجر وتلاقح مع الحضارة الإنسانية، فعادوا ليحملوا مشاعل ثلاثية التنوير والتثوير والتغيير.

وشاعرنا الجمال سلطان هو من أبناء هذا الريف المتطلع للحياة بشروطها الإنسانية...

يرغب في أن يعيش ويحيا، وأن يحب، وأن يُحقق ما تصوره وتطلع إليه في فجر عمره وعنفوان شبابه، عن غدٍ موعود يجني مع جيله ثمار النضال والتضحيات الكبيرة، غير أنه كلما تقادم العمر به يدرك حياة على عكس ما تمنى واشتهى.

حياة لا يرى فيها إلا ثقافة المصالح الآنية والانتهازية والاستغلال والأنانية الفجة، وحب الذات المفرط والتزمت الديني والقيود القمعية وهيمنة الاستبداد بكافة أشكاله...

إلخ.

وحدها القصيدة التي وجد من خلالها الجمال سلطان ملاذًا يستطيع فيه التنفيس عن همومه ومداواة آلامه الحادة.

وحده الشعر الذي عكس من خلاله مرارات خيبات آماله.

في هذا السياق، يجب الانتباه إلى أن خيبات الجمال، سواء كمناضل أم شاعر، لم تكن لتؤثر عليه سلبيًا بأي حال من الأحوال، وذلك يعكس أنه من أولئك الطليعيين الذين يسمون فوق الخيبات والانكسارات، وإلا لكان قد تهاوى وسقط وانتهى منذ وقت بعيد.

والفضل في هذا الصمود والمقاومة والثبات لا يُعزى فقط إلى كونه مناضلًا طليعيًا أفنى جل سنوات عمره في النضال من أجل حماية الثورة اليمنية وتحقيق الوحدة الوطنية، وإنما إلى موهبة الشعر التي يتمتع بها.

إذا كان الشعر يُعد واحدًا من أعظم وأنجع وسائل العلاج لليائسين من الحياة، كما أثبتت الدراسات السيكولوجية، فإنه كذلك كما تؤكد الدراسات الإنسانية لتجارب الكثير من المبدعين، لأن الشعر بدوره يمتص كل الآثار المترتبة عن الخيبات التي يُواجهونها، حيث القصيدة تقوم مقام الكبسولة الدوائية.

طبعًا هناك مزايا أخرى في شعر الجمال، أعتقد أن القارئ يستطيع إدراكها عند التمعن، سواء في هذا التقديم أم في قصائد الديوان.

وبالنسبة للمآخذ التي يمكن أن تُؤخذ على شاعرنا، يُلاحظ أن شعره من حيث المبنى والمعنى لا يخلو من الكبت النفسي، بدليل أنه كثيرًا ما يلجأ إلى الإيغال باستخدام الرمزية في كثير من قصائده.

وهذا المأخذ، وإن طغى في كثير من القصائد، إلا أننا كثيرًا ما سنجده ينتصر عليه ويتجاوزه بتمرده الثوري في نهايات القصائد الرمزية، وهذا الأمر ليس غريبًا على (رجل) نشأ في بيئة قاسية وواقع أقسى، ولكنه استطاع التعايش معهما عبر بوابة الشعر.

من المآخذ التي يمكن أخذها على الشاعر وجود حالات من القلق جعلته في بعض القصائد يُخرجها من كونها عاطفية غنائية صرفة إلى سياسية، كقصيدة (عمق اليقين) المُهداة إلى بسام الحداد، فالقصيدة كلها غنائية ما عدا البيت السابع، الذي أفصح فيه الشاعر من خلال جملتين (صراع الأضداد، وجوهر الحقائق) عن المرجعية الفكرية التي ينتمي إليها، لينقل القصيدة من غنائية إلى سياسية....

وتتكرر هذه في عدد من القصائد، بما يعكس وجود حالة من القلق لم يكن الشاعر مُدركًا لسلبيتها على مستقبلها الغنائي، غير أن هكذا قلقًا يبقى واردًا، خاصةً وأن الشاعر لم يحترف الشعر من أجل المنافسة أو التكسب، ولكن الشعر من أجل ما يحمل في كنانة عمره من أوجاع.

ختامًا:

أتمنى أن يجد ديوان "جعبة الأوجاع" للشاعر سلطان غالب سعيد (الجمال)، الحفاوة التي تليق به، وأن يُوضع في المكان الذي يستحقه بين الدواوين الشعرية التي تزامن صدورها طيلة سنوات العقود الأربعة الماضية.