الأربعاء 8 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • لماذا أكتب عن الشخصيات التي أراى انها استثنائية؟

لماذا أكتب عن الشخصيات التي أراى انها استثنائية؟

عندما أكتب عن شخصيات أراها متميزة أو أعتقد أنها تستحق الذكر والاحتفاء، فإنني لا أقصد بذلك مدحاً أو إطراءً، ولا أنطلق من دوافع عصبوية أو شوفينية أو أي شكل من أشكال التحيزات الضيقة التي لا تليق بالمثقف ولا تنسجم مع رسالته. وإنما أكتب من منظور إنساني خالص، بعيداً عن المحاكمات المسبقة أو محاولات التنزيه المطلق للأشخاص.

إن ما يدفعني إلى الكتابة عن هؤلاء هو البحث عن الشخصية السوية والإنسان الراشد، ومحاولة استحضار النموذج الإنساني الذي افتقدناه في زمن تراجعت فيه القيم أمام سطوة المصالح، وتاهت فيه القدوات وسط ضجيج ثقافة السوق. ذلك الإنسان الاستثنائي الذي طالما حلمنا به مثالاً يُحتذى، وتمنينا أن نجده واقعاً معاشاً لا مجرد فكرة في الخيال.

ولهذا أحاول أن أرى في بعض الشخصيات التي أكتب عنها نماذج مضيئة ومشاعل تنوير، ونماذج تأسيس وبناء، إن لم تكن مشاريع إنقاذ على طريق السعي نحو مجتمع أكثر عدالة ووعياً ورفاهية. فالغاية التي أسعى إليها ليست تمجيد الأشخاص بقدر ما هي إبراز ما يتجسد فيهم من قيم نبيلة وسلوكيات راقية وأخلاق سامية، تجعل منهم قدوات مجتمعية جديرة بالتأمل والاقتداء.

ومع ذلك، فإنني أؤكد أن الساحة تزخر بكثير من النماذج الإنسانية الرفيعة التي تستحق الكتابة عنها والإشادة بأدوارها. غير أن وجود بعض هذه الشخصيات في مواقع رسمية أو مسؤوليات قيادية يجعلني أحجم عن الكتابة عنها في الوقت الحاضر، خشية أن يُفهم ذلك على غير مقصده، أو يُحتسب ضرباً من التملق أو الإطراء المسبق.

وبعبارة أخرى، فإن امتناعي عن الكتابة عن بعض الشخصيات لا يعني غياب التقدير لها، بل هو نابع من حرصي على أن تبقى الكتابة موضوعية قدر الإمكان، وأن تُقرأ في إطارها الثقافي والإنساني الصحيح، بعيداً عن التأويلات التي قد تُفرغها من غاياتها الحقيقية.

ولعل من المهم أن أوضح أن كتابتي عن هذه الشخصيات لا تنطلق من دوافع الإطراء أو المجاملة، ولا من أي اعتبارات عصبوية أو أيديولوجية ضيقة، وإنما تأتي في إطار مشروع فكري وبحثي أطمح من خلاله إلى تأليف كتاب يحمل عنوان (نماذج إنسانية راقية) أو (شخصيات لها تأثير في حياتي) أو (

وجوه من اليمن المعاصر.. شخصيات صنعت الأثر) أو أي عنوان آخر يعبر عن مضمونه بصورة أدق.

وانطلاقًا من هذا الهدف، فقد حرصت على انتقاء شخصيات وازنة من مختلف المشارب الفكرية والتوجهات السياسية، ومن بيئات اجتماعية واقتصادية ومهنية متعددة، إيمانًا مني بأن التنوع يمثل شرطًا أساسًا لفهم المجتمع وتفسير حركته. فالمقصود ليس الاحتفاء بأشخاص بعينهم بقدر ما هو محاولة للتأريخ لمرحلة زمنية مهمة من تاريخ اليمن المعاصر، من خلال رصد النخب الفاعلة والمؤثرة التي تعبر، كلٌ بطريقته، عن تيار فكري أو ثقافي أو اجتماعي أو سياسي حاضر في الواقع اليمني.

ومن خلال استنطاق أفكار هذه الشخصيات، واستكناه رؤاها، وعرض مواقفها وميولها وتوجهاتها المختلفة، أسعى إلى تقديم صورة أقرب إلى فسيفساء المجتمع اليمني المعاصر، بما يحمله من تنوع وتعدد وتفاعل مستمر بين مختلف القوى والاتجاهات. وبذلك أكون قد حققت هدفي الرئيس المتمثل في توثيق أبرز التعبيرات الفكرية والثقافية والاجتماعية السائدة في هذه اللحظة التاريخية الفارقة.

وإنني إذ أمضي في هذا المشروع، فإنني أجد سعادة كبيرة في إنجازه، وأقدر عاليًا كل من يتعاون معي ويستجيب لمقتضياته العلمية والبحثية، إسهامًا في حفظ الذاكرة الثقافية والاجتماعية، وتوثيق نماذج إنسانية جديرة بالتأمل والدراسة.

والله من وراء القصد.