التفرق والتشاحن أخطر معاول هدم الأمة
بعد سقوط غرناطة، آخر معقل حضاري عربي إسلامي في غرناطة، يوم 2 يناير 1492م، بعد حضارة سامقة دامت حوالى ثمانية قرون في الأندلس، ومجد لا يضاهى في تاريخ الأمم.. عاد الإفرنج، وغادر آخر حاكم عربي (أبو عبدالله الصغير) شبه الجزيرة الإيبيرية (الأندلس) صوب شمال أفريقيا، مجهشًا في البكاء، وعتاب والدته له بقولها: "ابكِ يا بني مثل النساء ملكًا لم يحافظ عليه الرجال".
تمر الأيام، وإذا بالعثمانيين يمدون نفوذهم في البلدان العربية، بداية من حكم السلطان سليم الأول عام (1516م)، المتزامن مع التوسع الاستعماري في المنطقة، وبهدف تأمين طرق التجارة العالمية، وحماية البلدان العربية، فدان لهم الحكم زهاء أربعة قرون، حتى انسحابهم نهاية الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918م)، في 30 أكتوبر 1918م، وفقًا لمعاهدة (مودرس)، لصالح الاستعمار البريطاني والفرنسي المتربصين بالمنطقة، وبخاصة الاستعمار البريطاني في بلدان الخليج العربية وجنوب اليمن ومصر.. مع حالة ضعف اعترت الخلافة العثمانية، والمتزامنة مع التخطيط لدولة يهودية صهيونية في فلسطين، وذلك من قبل الكاتب اليهودي الصهيوني والناشط السياسي النمساوي (تيودور هرتزل)، في مؤتمر بازل في سويسرا عام 1897م، وتلاه مؤتمر قمة رئيس وزراء بريطانيا (كامبل بنرمان)، الذي استمرت جلساته من 1905 حتى 1907م في لندن، وفي نهاية المؤتمر، الذي ضم أيضًا الدول الاستعمارية (فرنسا، وهولندا، وبلجيكا، وإسبانيا، وإيطاليا)، تمخضت عنه وثيقة سرية سميت (وثيقة كامبل).. ويعتبر هذا المؤتمر أخطر مؤتمر قمة انعقد لتدمير الأمة العربية خاصة، والإسلامية عامة. وقد انعقد تحت عنوان (حماية مصالح الاتحاد الاستعماري وإبرام المعاهدات). إذ دعا المؤتمر إلى إقامة دولة (إسرائيل) في (فلسطين)، تكون بمثابة حاجز بشري قوي، وغريب، ومعادٍ، يفصل الجزء الإفريقي العربي عن القسم الآسيوي، والذي يحول دون تحقيق وحدة الشعوب العربية، وإبقاء المنطقة العربية مقسمة.
وفي سياق متصل، أرسل (آرثر جيمس بلفور)، بتاريخ 2 نوفمبر 1917م، خطابًا إلى اللورد (ليونيل والتر دي روتشيلد)، رئيس التجمع اليهودي في بريطانيا، يشير فيه إلى تأييد حكومة بريطانيا لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
وفي تلك الآونة، تم اتفاق سري بين الدبلوماسيين البريطاني - الفرنسي (سايكس - بيكو)، وموافقة روسيا القيصرية، وبالتحديد في يناير 1916م، قبل وعد (بلفور) بسنة واحدة، حيث صادقت الحكومات الثلاث، في 16 مايو 1916م، على انتداب بريطانيا في (فلسطين والأردن والعراق)، وانتداب فرنسا على (سوريا ولبنان)، لتهيئة غرس المشروع (الكيان الإسرائيلي) في فلسطين، وقد انسحبت روسيا من الاتفاق بعد قيام الثورة البلشفية عام 1917م.
أما بعد الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945م)، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا برقم 181، بتاريخ 29 نوفمبر 1947م، بتقسيم فلسطين إلى دولتين: يهودية بنسبة 57.7% من المساحة، مقابل دولة عربية بنسبة 42.3%. ووضعت القدس وبيت لحم والأراضي المجاورة تحت الوصاية الدولية (الأمم المتحدة)، أعقبه تأسيس دولة إسرائيل في 14 مايو 1948م، وأعلن وزير الدفاع البريطاني (آرثر جونز) قرار (بريطانيا) بإنهاء الانتداب على فلسطين في 15 مايو 1948م، وتسليم مقاليد الأمور للولايات المتحدة الأمريكية لمتابعة المهمة. نشبت حرب 1948م بين اليهود والفلسطينيين (حرب النكبة)، التي تسببت في تهجير الآلاف من الفلسطينيين، وتوسيع مساحة الكيان الإسرائيلي.
وفي هذا الصدد، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 194، في 11 ديسمبر 1948م، تضمن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، والتعويضات، وإنشاء لجنة توفيق دولية تابعة للأمم المتحدة لتسهيل توطينهم وإعادة تأهيلهم اجتماعيًا واقتصاديًا، ونزع السلاح، وحماية الأماكن المقدسة، وضمان حرية الوصول إليها.. أعقبه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 273، الصادر في 11 مايو 1949م، بالاعتراف بإسرائيل كدولة عضو في منظمة الأمم المتحدة.
وفي سياق متصل، استمر الاستعمار البريطاني والفرنسي في كثير من دول المنطقة، ونشب العدوان الثلاثي على جمهورية مصر العربية في عام 1956م، بعد تأميم الرئيس جمال عبدالناصر - رحمه الله - (قناة السويس)، وشاركت إسرائيل في العدوان إلى جانب بريطانيا وفرنسا. وأمام الكفاح المصري، ودعم الأسرة الدولية في الأمم المتحدة بقيادة الاتحاد السوفييتي، انتهى العدوان.
وفي هذا الصدد، تكررت اعتداءات الكيان الإسرائيلي على مصر، بإسناد أمريكي، في 5 يونيو 1967م، واحتلال سيناء، ومساحة كبيرة من الضفة الغربية، ومرتفعات الجولان السورية.. وتمكن الجيش المصري، بعد النكسة، من التعبئة لمعركة جديدة مع الكيان الإسرائيلي لاسترداد الأرض. ونشبت الحرب في 6 أكتوبر 1973م بين الجانبين، ومنيت إسرائيل بهزيمة كبرى، وتدخلت الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لإنهاء الحرب. وبموجبه، استعادت مصر أراضيها المحتلة، وأقيمت علاقات دبلوماسية بين الحكومتين الإسرائيلية والمصرية، برعاية أمريكية، في مفاوضات (كامب ديفيد) للسلام عام 1979م.
من ناحية أخرى، استمرت إسرائيل باعتداءاتها على الأراضي الفلسطينية، وإقامة المستوطنات، وعدم السماح بعودة لاجئي 1948م، وانتهاك الأماكن المقدسة، والاعتداء على السكان، وتدمير المدن الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية، ضاربة، وما تزال، بقرارات مجلس الأمن، واتفاقات أوسلو، والمبادرات العربية عرض الحائط.
وفي هذا الشأن، أصدرت القرارات والمبادرات والمعاهدات الآتية:
- قرار مجلس الأمن 242 لعام 1967م، القاضي بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها في حرب 1967م، وإنهاء حالة الحرب، وتسوية مشكلة اللاجئين.
- قرار مجلس الأمن 338 لعام 1973م، دعا إلى وقف إطلاق النار، وطالب بتنفيذ قرار مجلس الأمن 242.
-قرار مجلس الأمن 2334 لعام 2216، أكد عدم شرعية إنشاء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، وطالب إسرائيل بوقفها..
- قرارات أخرى متعلقة بالقدس لعام 1980م، شملت القرار 478، الذي أدان محاولة إسرائيل ضم القدس الشرقية، واعتبر القانون الأساسي الإسرائيلي باطلًا، ورفض نقل البعثات الدبلوماسية إليها.
-قرارات الاعتراف بالدولة الفلسطينية لعام (2012 وما بعدها)، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارات متتالية ترفع وضع فلسطين في الأمم المتحدة إلى "دولة مراقب غير عضو"، وتمهد لمنحها العضوية الكاملة.
- اتفاقيات أوسلو: الأولى تحت مسمى (إعلان مبادئ)، تم توقيعها في 13 سبتمبر 1993م، ونصت على انسحاب إسرائيلي تدريجي من أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة، وإقامة حكم ذاتي فلسطيني لمدة خمس سنوات.
-اتفاقية أوسلو الثانية (اتفاق طابا) في مصر، وقعت عام 1995م، وقسمت الأراضي الفلسطينية إلى مناطق (أ، ب، ج)، لتحديد الصلاحيات الأمنية والمدنية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.
- الاعتراف المتبادل: اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة الرئيس عرفات بإسرائيل وحقها في العيش بسلام، بينما اعترفت إسرائيل، برئاسة رئيس الوزراء إسحاق رابين، بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا للشعب الفلسطيني.
-تبع اتفاقيات أوسلو المزيد من الاتفاقيات، والمعاهدات، والبروتوكولات، مثل اتفاق (غزة أريحا)، وبروتوكول باريس الاقتصادي... إلخ. وتم ضمها إلى معاهدة سميت بأوسلو 2...
-مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، في مؤتمر قمة الدول العربية المنعقد في بيروت بتاريخ 27 مارس 2002م، الهادف لحل الدولتين، وذلك باعتراف إسرائيل بالدولة الفلسطينية بحدود 4 يونيو، وعاصمتها القدس الشرقية، والانسحاب من الأراضي السورية، مقابل تطبيع العلاقات العربية - الإسرائيلية.
- اجتماع قمة الدول العربية والإسلامية في المملكة العربية السعودية، في (الرياض)، في 11 نوفمبر 2024م، الذي دعا الكيان الإسرائيلي إلى وقف حرب الإبادة الجماعية في الأراضي الفلسطينية ولبنان، وانسحابه الفوري، والالتزام بالاتفاقات والمعاهدات الدولية، والقانون الدولي، وقرارات مجلس الأمن، واحترام قرارات محكمة العدل الدولية، ومحكمة الجنايات الدولية، ومراعاة تصويت غالبية الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، كدولة ذات سيادة كاملة العضوية في منظمة الأمم المتحدة وأجهزتها المتخصصة.
- انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة، في 28 - 29 يوليو 2025م، في نيويورك، للتسوية السلمية للقضية الفلسطينية وحل الدولتين، برئاسة سعودية ممثلة بوزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، وفرنسية ممثلة بوزير الخارجية السيد جان بورو، وبحضور الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ومسؤولي الدول والاتحادات والمنظمات الإقليمية والدولية. وكان مضمون بياناتهم بأن تغليب القانون على القوة يعتبر السبيل الأمثل للعيش في سلام وأمان، وإن حل الدولتين هو المسار الوحيد لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، ويفضي إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة بحدود الرابع من يونيو 1967م وعاصمتها القدس الشرقية، مقابل إقامة علاقات طبيعية بين العرب وإسرائيل.. ويشار إلى موقف رئيس فرنسا مانويل ماكرون الشجاع بالاعتراف بدولة فلسطين، والوقوف إلى جانب ولي العهد السعودي ورئيس الوزراء الأمير محمد بن سلمان.
- إلحاقًا بمؤتمر حل الدولتين، شهدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، على هامش انعقاد الدورة السنوية الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، في نيويورك، في 22 سبتمبر 2025م، ونالت اعتراف 159 دولة عضو، من مجموع أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة الـ(193)، الرامية لحل الدولتين، وإقامة علاقات دبلوماسية مع السلطة الفلسطينية.. وما تزال الأصوات ترتفع باستمرار.
مع العلم، إن بريطانيا وروسيا الاتحادية والصين الشعبية، الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، اعترفت بحل الدولتين (فلسطينية وإسرائيلية)، تعيشان جنبًا إلى جنب بأمن واستقرار، ما عدا الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تعترف بعد...
قمين بالذكر، إن إسرائيل مستمرة في هدم المنازل على رؤوس ساكنيها في قطاع غزة والضفة الغربية وتشريدهم، والإمعان في تهجيرهم القسري من وطنهم، وكذا الإصرار على تصفية القضية الفلسطينية، ناهيك عن الاعتداءات المستمرة على لبنان وسوريا، واحتلال أجزاء من أراضيهما بذريعة حماية أمن إسرائيل.
كما يشار، بأن الرئيس الأمريكي (دونالد ترمب)، خلال فترة رئاسته (20 يناير 2017م - 20 يناير 2021م)، قدم خدمات لإسرائيل مخالفة للقرارات الدولية، باعترافه بالقدس عاصمة لـ(إسرائيل)، غير مقسمة، في 6 ديسمبر 2017م، ويبقى المسجد الأقصى متاحًا لزيارة المسلمين من خلال إجراء ترتيبات مع جلالة الملك (عبدالله ابن الحسين)، ملك الأردن، إلى جانب اعتراف الولايات المتحدة بالمستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية المحتلة جزءًا من إسرائيل، كفرصة أخيرة للسلام.
حقيقة الأمر، إن قرار واشنطن الجائر في ضم القدس عاصمة لإسرائيل، وبقاء المستوطنات الإسرائيلية المحتلة كجزء من إسرائيل، وشق قناة بن غوريون الموازية لقناة السويس، وكذا مشروع سكة حديد، المزمع إقامتها بمحاذاة قناة بن غوريون، كل تلك المشاريع تدخل في إطار خارطة الشرق الأوسط الجديد.
ومن جهة أخرى، يصر الرئيس (دونالد ترمب)، بعد نجاحه في الانتخابات وتبوئه سدة الرئاسة في 20 يناير 2025م، على إحياء عملية (التطبيع) بين إسرائيل والعرب، وفقًا لاتفاقات النبي إبراهيم - عليه السلام - الأب الروحي للديانات السماوية الثلاث، تنصلًا من اعتراف إسرائيل بالدولة الفلسطينية. وقد تمكن من إقناع بعض الدول العربية على التطبيع في الرئاسة السابقة على النحو الآتي: الإمارات العربية المتحدة في 13 أغسطس 2020م، ومملكة البحرين في 11 سبتمبر 2020م، وجمهورية السودان في 23 أكتوبر 2020م، والمملكة المغربية في 10 ديسمبر 2020م. وخلال رئاسته الجديدة منذ يناير 2025م، يحاول حل المشكلة القائمة بين إسرائيل وحماس، بعد الحرب الدائرة بينهما، واحتلال إسرائيل أجزاء شاسعة من قطاع غزة، من خلال وضع خطة تسوية شاملة من 20 بندًا، تنص على وقف فوري لإطلاق النار، والإفراج عن الرهائن، ونزع سلاح حماس، وإدارة قطاع غزة بواسطة لجنة تكنوقراط فلسطينية ودولية تحت إشراف مجلس برئاسته. ورغم قبول إسرائيل وحماس لأجزاء من الخطة، لا تزال المفاوضات المتعلقة بنزع السلاح، والترتيبات الأمنية تواجه تعقيدات.
جوهر القول، إن مصر تبذل مساعي حميدة في تقريب وجهات النظر بين الفصائل الفلسطينية، وبينها والسلطة المعترف بها دوليًا، لتوحيد الصفوف الفلسطينية، في الوقت الذي ترزح فيه معظم البلدان العربية في حروب ومشاكل داخلية تنذر بالتقسيم لصالح المشاريع الخارجية.
وختامًا، أما آن الأوان للبلدان العربية أن تعي إن الفرقة، والتشاحن، والتنازع، هي نقطة ضعف الأمة التي نفذ منها المستعمرون خلال القرنين الماضيين؟ أما آن لها أن تلم الشمل صوب عمل عربي موحد، وإنشاء سوق عربية مشتركة، وإقامة مجلس دفاع عربي مشترك لحماية أمنها القومي المخترق، ومواجهة المخططات التوسعية؟
