الثلاثاء 7 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • الصراع في السودان نقطة ارتكاز أوسع لأمن البحر الأحمر ومستقبل الاقليم

الصراع في السودان نقطة ارتكاز أوسع لأمن البحر الأحمر ومستقبل الاقليم

يدخل الصراع العسكري المسلح في السودان منعطفًا جديدًا بين قوات الجيش الوطني السوداني المؤسسة النظامية والرسمية في البلاد، بقيادة الفريق "عبدالفتاح البرهان" في مواجهة مليشيات "الدعم السريع" قوات شبه نظامية غير منضبطة بقيادة الجنرال "حميدتي". ورغم تمكن الأخير من توسيع نطاق سيطرته في بداية الصراع، إلا أن الجيش السوداني سرعان ما استوعب الصدمة، وأعاد ترتيب نفسه وأولوياته بصورة سريعة، قادته إلى تسجيل عدد من النقاط الاستراتيجية على حساب تلك المليشيات التي أخذت تتراجع أمام تحركات الجيش السوداني، الذي يلقى قبولًا كبيرًا لدى أبناء الشعب السوداني، على عكس العصابات المنفلتة التي ارتكبت العديد من الفظائع بحق المدنيين. وهناك العديد من الشواهد على الأعمال غير الإنسانية التي ارتكبتها "قوات الدعم السريع" في المناطق السودانية التي تحت سيطرتها.

برهان وحميداتي
البرهان وحميداتي

والسؤال: هل الحرب الأهلية السودانية التي نشاهد اليوم فصولًا متنوعة من أحداثها مجرد صراع على السلطة بين الفرقاء السودانيين، أم أن الحرب جزء من اللعبة السياسية التي رُسمت من أجل تغيير خريطة الشرق الأوسط، إلى جانب حروب أخرى يتم إدارتها بعناية من قبل الأدوات الإقليمية التي تعمل لحساب القوى الدولية الكبرى، بهدف إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم تستدعي بقاء مصالح تلك القوى على حساب الاستقرار ومعاناة المواطنين؟

إن الحرب السودانية اليوم ليست بمعزل عن الصراعات السياسية التي تدار في منطقة الشرق الأوسط، بل تعد جزءًا أصيلًا في الصراع الذي يدار في الإقليم نتيجة التنافس المحموم بين دول المنطقة. وعلى رأس تلك القوى المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، التي أخذت الهوة بينهما تتسع أكثر فأكثر بعد أحداث نهاية شهر ديسمبر في حضرموت ٢٠٢٥م، التي قادت إلى إخراج الإمارات من اليمن، وضرب قوات المجلس الانتقالي القوة المسلحة الجنوبية المدعومة منها بعد سيطرتها على حضرموت. وتلك الأحداث قادت بطبيعة الحال إلى اتساع الفجوة بين الرياض وأبوظبي. وفي خضم ذلك التنافس أصبحت الحرب في السودان أكثر تطورًا نتيجة التحول السياسي الكبير لدى الدول الإقليمية الكبرى في المنطقة التي تبنت موقفًا سياسيًا من الحرب. وذلك حوّل الحرب من مجرد مواجهة عسكرية داخلية إلى ساحة لإعادة رسم موازين النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي والخليج. وكل دولة من دول الإقليم أخذت على عاتقها اتخاذ مقاربة ترتكز على دعم استقرار الدولة السودانية، وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة، وحماية الممرات البحرية. وشكلت تلك المقاربة حالة من الإجماع السياسي بين دول الإقليم ذات الثقل الكبير، وتتقدم ذلك الموقف المملكة العربية السعودية، ومعها مصر وتركيا وباكستان، وتوافقهم على ذلك إيران. في المقابل تعمل الإمارات وبدعم كبير ومباشر من "إسرائيل" على اتباع نهج سياسي مغاير يهدف إلى بناء نفوذ سياسي وإقليمي من خلال العمل على دعم حركات التمرد والقوى الانفصالية على حساب استقرار ووحدة الدول العربية التي تتدخل فيها، مثل: اليمن وليبيا والسودان، التي تنفذ مشروعها فيه "قوات الدعم السريع" التي تربطها مع الإمارات علاقات وثيقة تقوم على الاستغلال ونهب كميات كبيرة من الذهب السوداني الذي تنهبه قوات الدعم السريع مناجم غرب السودان.

إن استمرار العبث الإقليمي تجاه الصراع السياسي في السودان الذي تتدهور أوضاعه يومًا بعد آخر، يعد مأساة حوّلت الحياة المعيشية للمواطن السوداني إلى جحيم لا يطاق، لاسيما في المناطق التي لا تزال قوات الدعم السريع تسيطر عليها، على الرغم من تآكل قبضتها العسكرية بشكل متسارع لصالح قوات الجيش الوطني السوداني، الذي حمل على عاتقه تنظيف البلاد من تلك القوى المنفلتة المدعومة من قبل الإمارات ومعها إسرائيل بشكل كبير وسخي. ورغم ذلك لم يؤثر ذلك الدعم في التأثير على الواقع الميداني الذي يرجح كفة الجيش المدعوم من قبل القوى الإقليمية المتمثلة بتركيا ومصر والمملكة العربية السعودية، التي تمارس ضغوطًا سياسية كبيرة على قوات الدعم السريع. ولم يعد يقتصر دعمها على استمرار المواجهة العسكرية، بل امتد التأثير السعودي إلى إحداث خلخلة داخل قوات الدعم السريع بصورة أصبحت تهدد تماسكها الداخلي، وإضعاف قيادتها، وحرمانها من شبكات الإمداد العسكري التي كانت تشكل الرئة لاستمرار تلك القوات في القتال، فضلًا عن الضغط السياسي على الدول الداعمة لها، وليس ذلك وحسب، بل العمل على رفع الغطاء السياسي الإقليمي عن تلك القوات لإضعافها.

إن المتابع للأحداث السودانية يجد اليوم الصورة أكثر وضوحًا في مدى حجم الدعم السياسي الإقليمي للجيش السوداني، الذي بدأ يعكس ذلك الدعم إلى مشروع حقي لاستعادة الدولة والقضاء على المليشيات، لاسيما أن التحولات الدبلوماسية والإقليمية أخذت تضيق البيئة الحاضنة التي تتحرك فيها تلك المليشيات المسلحة. وهذا يؤكد أن مستقبل الحرب في السودان لن يحسمه سلاح الجيش في الميدان، بل بتظافر جهود الأشقاء في الإقليم المساند للجيش وقيادته، لحسم الحرب لصالح الدولة والاستقرار وإنهاء العبث بدماء أبناء الشعب السوداني. كما أن انتصار الجيش يعد فرصة سانحة لإعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ في السودان بصورة خاصة، والإقليم بشكل عام، لأن السودان جزء من نقطة ارتكاز واسعة للتنافس الإقليمي للسيطرة والتحكم بأمن البحر الأحمر، ويعد بوابة مهمة لإعادة تشكيل المنطقة. وأن النتائج المترتبة على الحرب ستحدد مستقبل النظام الإقليمي، وتؤثر في معادلات القوة والتوازن في المنطقة بأكملها لعقود قادمة، بين القوى الإقليمية المختلفة، وليس السودان فقط.

رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار