دولة الفنادق... ووطن يدفع الفاتورة
إذا صح أن كشف الإعاشة الشهري يبلغ 12 مليون دولار فقط، فأرجوكم لا تغضبوا من المسؤولين... بل اعتذروا لهم!

فالعيش في الفنادق ليس أمرًا سهلًا. يحتاج إلى صبرٍ استراتيجي، وإلى اجتماعات ماراثونية، وإلى مؤتمرات صحفية تنتهي بعبارة: "نؤكد حرصنا، وندعو المجتمع الدولي." ثم يعود الجميع إلى قاعات الاستقبال بانتظار الاجتماع القادم.
أما اليمني في الداخل، فما الذي يريده؟ راتب؟ كهرباء؟ ماء؟ مستشفى؟ مدرسة؟ هذه مطالب كمالية لا تليق ببلد اعتاد أن يصدر البيانات أكثر مما يصدر الحلول.
تحولت الحرب عند اليمني إلى جوعٍ، ونزوحٍ، وفقدانٍ للأمل، بينما تحولت عند بعض الساسة إلى إقامة طويلة مع بدلات، وإعاشة، وسفر. صار الوطن بالنسبة للبعض عنوانًا في جواز السفر، لا مكانًا للعيش، ولا مسؤوليةً تستوجب التضحية.
المؤلم ليس الرقم وحده، بل الفكرة التي يقف خلفها. فكل دولار يُصرف من المال العام يجب أن يقابله عمل، وإنجاز، ونتيجة يشعر بها المواطن. أما إذا كانت النفقات تتضخم بينما الخدمات تتلاشى، فمن حق الناس أن يتساءلوا: من يخدم من؟ هل الدولة وُجدت لخدمة المواطن، أم أصبح المواطن ممولًا دائمًا لحياة السلطة؟
في البلدان التي تحترم شعوبها، يخجل المسؤول من أي امتياز في زمن الأزمات. أما عندنا، فكلما اشتدت الأزمة، ازداد بريق الامتيازات، وكأن معاناة الشعب بندٌ منفصل عن موازنة الدولة.
ليس المطلوب تجويع المسؤول، ولا حرمانه من حقوقه، وإنما إخضاع المال العام للشفافية والمحاسبة، وأن يعرف المواطن كيف تُصرف أمواله، وما العائد الحقيقي من كل نفقة.
الوطن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الصور الجماعية، ولا إلى بيانات منمقة، ولا إلى اجتماعات تُستهلك فيها الكلمات أكثر مما تُصنع فيها القرارات. يحتاج إلى مسؤول يشعر بثقل رغيف الخبز كما يشعر بثقل منصبه، ويعتبر المال العام أمانة، لا غنيمة.
ويبقى السؤال الذي يؤلم أكثر من أي رقم:
كم مدرسة كان يمكن أن تُبنى؟ وكم مستشفى كان يمكن أن يُجهز؟ وكم أسرة كان يمكن أن تنجو من الفقر، لو أصبح الإنفاق على المواطن أولويةً تسبق الإنفاق على المسؤول؟
ذلك هو السؤال الذي ينتظر اليمنيون إجابته... منذ سنوات.
