الثلاثاء 7 يوليو 2026

من يعيد إعمار أرواحنا؟!

يسألني الكثير: ما الذي فجّر كل هذا الوجع الذي تبثه في كتاباتك؟ ورغم بساطة الإجابة، إلا أن وقعها لا يزول أبدًا.. الحرب هي السبب.. استبدلت أرواحنا ونبشت أعماقنا.. هدمت أجمل ما بنيناه.. الروح التي لا تعرف الانكسار.. الإحساس بالثقة والأمان.. عرّفتنا كيف يكون للخوف مذاقًا.. ولسراب أحلامنا ملامح.. رأينا بكل بساطة كيف تتلاشى المحبة بين الأصدقاء.. كيف أصبحت الكراهية فعلًا سهلًا.. كيف أصبح الانتهازي مسؤولًا وصائدو الجوائز أبطالًا.. والموت أكثر راحة من مهانة الفقر والعوز.. لقد أخذت الحرب منا أشياء كثيرة.. لكنها كانت أكثر قسوة حين سرقت الأشياء التي لا تُرى..

حينما اندلعت حربنا اللعينة.. كنت أكثر رعبًا من كل الناس حولي.. فأنا أعرفها جيدًا.. وشاهدت آثارها عيانًا.. كنت قد ذهبت إلى الصومال في تغطية صحفية.. وكانت حرب الصوماليين في سنواتها الأخيرة.. ولم نكن حينها قد تبينّا ملامح حربنا القادمة.. هناك لم أشاهد الدمار الذي حلّ في الأرض والحجر.. بل شاهدته في النفوس والوجوه والذكريات.. كتبت كيف كانت عيون مرافقي المسلح هناك مليئة بالألم.. قُتلت زوجته وأطفاله بجواره.. حدثتني امرأة صومالية كيف أرغمتها الحرب على حمل بندقية على كتفها النحيل، لتوفر الطعام لأطفالها الصغار الذين كانت تقيدهم بالسلاسل حتى لا يخرجوا من المنزل في غيابها فيُختطفوا أو يُقتلوا.. زرت ميتمًا صغيرًا فيه أكثر من أربعمائة طفل.. وصفتهم مسؤولة الميتم بالمحظوظين لأنهم مازالوا أحياء.. لم يمر وقت طويل حتى رأيت النسخة اليمنية من كل هذا الوجع الصومالي..

الحرب.. هي ليست حكايتي التي تأكل روحي أنا فقط.. بل أرواحنا جميعًا.. كل منا لديه وجع مخبوء لا يُرى.. هدمت الحرب الطرق والجسور والمنازل والمشافي.. لكن أخطر ما هدمته كان الجسر الذي يربط روح اليمني بأخيه اليمني.. المنزل الكبير الذي كنا نسكنه جميعًا.. أعطبت طريق التصالح والتواصل.. ومشفى التسامح والمودة.. هدمت الإنسان.. والقرابة.. والصداقة.. والضمير.. لقد نجحت الحرب في أن تبني بين القلوب أسوارًا أعلى من كل المتاريس وأعمق من كل الخنادق..

حربنا هذه لم تكتفِ بتفريقنا.. لكنها جعلتنا ننظر إلى بعضنا بعين الريبة والاتهام.. أصبح الرأي تهمة.. والموقف خيانة.. والاختلاف عداء.. والكلمات تحولت إلى طلقات، والمنشورات إلى ساحات قتال لا تنتهي.. لقد صنعت الحرب جدرانًا من الحقد داخل الصدور.. أصبحنا نوزع صكوك الوطنية والتخوين حسبما تشاء أهواؤنا.. حتى الصمت أصبح تهمة.. صار لكل منا خندقه وولاءاته التي تحميه.. حتى لو كان ثمنها خيانة عقله وصدقه..

حتى ملامح قيمنا وأخلاقنا لم تنجُ من هذه الحرب.. فقد سرقت منها الكثير.. استبدلنا التسامح بالشك.. ومروءة ألفة التعايش بأنانية حب البقاء.. أصبحنا نعتاد الموت وصور الجثث.. نمر على أخبار الدمار والضحايا وكأنها مجرد أرقام عابرة في النشرات الإخبارية.. فقدنا القدرة على البكاء، وجفت مآقينا من فرط الوجع المتراكم.. فسنوات الخوف تركت ندوبها العميقة.. طال الألم فاعتاد الناس عليه.. باتوا يصمتون عن شيء كانوا يعتبرونه عيبًا.. أشياء مستهجنة عرفًا أضحت عادية.. مبادئ كانت راسخة تتآكل تحت ضغط الحاجة والانقسام.. دفعتنا الحرب إلى هاوية لم نتخيل يومًا أننا سنصل إلى قاعها..

النجاح الوحيد للحرب كان في تحويل الولاءات من الوطن إلى الجماعات.. ومن الفكرة إلى الأشخاص.. ومن المصلحة العامة إلى المصالح الضيقة.. صار كثيرون يبحثون عن ملاذ صغير يحتمون به بعدما فقدوا الثقة بالمظلة الكبرى التي كانت تسمى اليمن.. وهكذا تراجعت مساحة الوطن في النفوس.. واتسعت مساحات الخوف والحسابات الضيقة.. لصوص الحرب وتجار السلاح وحدهم من صعدوا إلى القمة.. بينما غرق المجتمع بأكمله في قاع الحاجة والعوز.. ليتسيد المشهد الرويبضة.. ويتوارى الشرفاء خجلًا من فقرهم..

في الحرب صارت الجغرافيا لعنة يحملها اليمنيون.. فالوطن الذي كان يجمعهم تحول إلى خرائط وإقطاعيات صغيرة.. يُحاكمون في نقاط التفتيش.. ويُقاسون بمسقط الرأس واللهجة.. أضحى السفر بين المدن أشبه بعبور قارات.. ممزوجًا بالإذلال والخشية من الاعتقال لزلة لسان.. لصورة في هاتف.. أو لمزاج مضطرب.. عرفنا كل قبح "المناطقية" التي ظننا أنها دُفنت منذ زمن طويل.. ابن الشمال يخشى أن يُتّهم.. وابن الجنوب يخشى أن يُشكك في وطنيته.. وكلاهما ضحية لخارطة رسمها غيرهم على ظهورنا.. ووقعنا عليها بدمائنا دون أن نستشار.. أصبحنا غرباء في بلدنا ومستباحين في وطننا..

حتى الأسر التي كانت مجتمعة تحت سقف واحد.. تجمعها مائدة الغداء وحكايات الأجداد وحنان الأمهات.. كيف مزقتها الولاءات العمياء.. الأخ صار يتوجس من أخيه.. والابن يرى في أبيه مجرد رقم في جبهة قتال مخالفة.. والبيوت التي كانت عامرة بالحب تحولت إلى قاعات صامتة يملؤها الخوف والترقب من الفقدان.. أو تحولت جدرانها إلى معارض لصور الضحايا من الأبناء الذين سيقوا إلى محارق الموت عبثًا.. والإخوة يتقاسمون الوطن كغرماء على مائدة ضيقة.. أم تبكي ابنها الذي اختفى في جبهة "طرف" لا تعرف حتى اسمها.. وأخرى تنتظر ابنها العائد من جبهة "طرف آخر"، وكلتاهما تحملان نفس الوجع.. لكن الحرب أقنعتنا أن وجع أم أقل من وجع الأخرى.. بينما الأبناء ضحية كل "الأطراف"..

حينما توفيت والدة زوجتي في تعز.. كنا على بعد مسافات طويلة.. ثم توفي شقيقها لاحقًا.. شعرت بالخجل من زوجتي لأنني كنت السبب في كل تلك المسافات، وجعلتها وحيدة تبكي أمها ثم شقيقها دون وداع... وانا لم يبق لي سوى ام في عدن وأبناؤها في شتات الخليج وأوروبا.. وأخشى من نفس اللحظة.. هي الآن تحفظ ملامح أحفادها من الصور.. تمر المناسبات ناقصة.. والأعياد باهتة.. والأفراح تائهة.. لكن الأقسى، كما قال دبلوماسي خذلته وزارته لا كفاءته: "أن تفقد أهلك بعيدًا مشردًا، لا تقدر أن تمشي في جنائزهم، وأن تلقي عليهم نظرة الوداع".. وقال ثانٍ: "مات أبي.. تمنيت أن أراه وأقبله في لحظته الأخيرة".. وثالث: "سرقت الحرب وجوه عائلتي التي فارقتها منذ سنوات".. وآخر: "أرى صور أبي وأمي ولا أصدق أني لن أرهما مرة أخرى.. بدل البكاء بجانبهما عند الفراق مرة، أبكيهما بقية العمر مرارًا"..

والآن... لم يعد يؤرقني السؤال: متى ستتوقف الحرب فقط؟ بل كم من الوقت سنحتاج لنعود بشرًا كما كنا.. كم جيلًا سيحتاج اليمن ليشفى من الحرب التي لم تقتل أبناءه وحدهم.. بل قتلت شيئًا جميلًا كان يعيش في أرواحهم..

ويبقى وجعنا الأكبر.. بحثنا الدائم عن اليمن الذي كنا نعرفه.. اليمن الذي كانت فيه القلوب أوسع من الخلافات.. والبيوت أكبر من السياسة.. والناس أقرب إلى بعضهم من كل هذه المسافات التي صنعتها حربهم اللعينة..