عندما يعاد تشكيل الوطن في الظل
حين تدار الأوطان من تحت السرة
يصعد التاريخ عاريًا من خجله
وتنحني الخرائط
كراقصة متعبة
تبيع آخر ما تبقى من الجهات
حين تدار الأوطان من غريزة الخوف
لا من حكمة المعنى
يصبح النشيد الوطني
صرخة في غرفة تحقيق
ويصبح العلم
محراثًا في صدر الفقير
أنا ابن هذا الالتباس
نصف اسمي من منفى
ونصف من احتمال
أمشي على لغة
كلما قلت وطن
تلعثمت
كأني أستعيره من فم الغريب
حين تدار الأوطان من تحت السرة
يختصر الإنسان
في شهوة السلطة
وفي خوف الحاكم
من ظله
ويصير الليل دستورًا
تكتب مواده
بأصابع ترتجف
لا من البرد
بل من فائض القوة
في الساحة
لا أحد يرفع صوته
إلا الريح
تفتش في جيوب المارة
عن معنى ضائع
والتماثيل
تصفق للعدم
تجيد الصمت
أكثر من الذين تعلموا الكلام
حين تدار الأوطان من غريزة البقاء
يصبح القتل
وجهة نظر
ويصبح الدم
لغة رسمية
في نشرات المساء
وأنا أكتب
ما لا يقال
كأني أحرث البحر
بقلم مكسور
وأنتظر
أن ينبت الموج قمحًا
يا وطني
أيك أنت
هذا الذي يعلق
كصورة في الصفوف
أم ذاك الذي
يختبئ في عيون الأمهات
حين يعدن بلا أبنائهن
أيك أنت
حين أناديك
يرد الصدى باسمي
كأني أنا
آخر ما تبقى منك
حين تدار الأوطان من تحت السرة
ينفى العقل
إلى هامش الخريطة
ويترك القلب
ليحرس الخراب
لكن
في شق صغير
من هذا الليل الطويل
تخبئ الأرض
سرها القديم
إن الذين يمشون
بقلوب مثقوبة
هم وحدهم يعرفون الطريق
فامشِ
ولو تعثرت باسمك
وقل
أنا لست ظلًا
لهذا الخراب
أنا
ما تبقى من المعنى
حين ينسحب الجميع
حين تدار الأوطان من تحت السرة
لا يعود للسماء عمل
تسرح الملائكة
ويستبدل الوحي
بتقارير المخابرات
يقاس الولاء
بقدر ما تنحني
لا بمقدار ما ترى
وتعلق الحقيقة
على حبل غسيل
بين كذبتين
في الفجر
لا تفتح النوافذ
بل تفتش
والأبواب
لا تطرق
بل تكسر
الأسماء
تستدعى كمتهمين
والوجوه تتدرب على النسيان
كي تنجو
حين تدار الأوطان من غريزة الامتلاك
يصبح الوطن
غنيمة في جيب الجنرال
وخريطة قابلة للطي
في حقيبة مفاوض
والشعب
تفصيلًا زائدًا
يحذف في الطبعة الأخيرة
من النشيد
أنا
لا أملك سوى صوت
مكسور الحواف
أجره كجثة
من سطر إلى سطر
أكتب
كي لا أموت دفعة واحدة
أكتب
لأزرع موتي
على المقاطع
يا وطني
أي سكين أنت
تلمع في خاصرتي
كلما قلت حرية
أي فخ أنت
أدخلك باسمي
فأخرج
بلا اسم
حين تدار الأوطان من تحت السرة
يعاد تعريف الإنسان
كائن
قابل للكسر أكثر من مرة
وقابل للتصفيق
وهو ينزف
تدرس الهزيمة
كمادة إلزامية
ويمنح الصبر
وسامًا
على طول الانتظار
رأيت الحقيقة
مقيدة في فم
تأكل من خبز الإشاعة
وتشرب ماء الخوف
ورأيت العدالة
تجر رداءها
في سوق السماسرة
تساوم على عينيها
لكن
في أقصى القسوة
حيث لا يبقى
سوى العظم
وصرير المعنى
يخرج صوت
لا يروض
لا
واحدة
تكفي
لتكسر
هذا الترتيب
لا
تفتح نافذة في الجدار
لا
تعد ترتيب الهواء
لا
تكتب ما لا يمحى
فإن سألوك
من أنت
قل
أنا الشاهد
حين يمحى الشهود
أنا الجرح
حين يمنع النزيف
أنا الذي يقول لا
حتى لو تعلمت الحروف
أن تخاف
حين تدار الأوطان من تحت السرة
لا نهاية تليق بالبداية
كل ما هناك
دوامة
تعيد تدوير الخراب
سقطت الشعارات
واحدًا تلو الآخر
كأسنان عجوز
يضحك بلا فم
والجدران
امتلأت بأسماء
لم يعد أحد ينطقها
كأن الذاكرة
قررت
أن تنجو بالخيانة
لا بطل هنا
ولا عودة
المنفيون
يتدربون على النسيان
كما لو أنه وطن
والباقون
يتدربون على الصمت
كما لو أنه نجاة
في آخر الليل
ينام الحراس
على بنادقهم
لا يحدث شيء
لا ثورة
لا معجزة
ولا حتى خطأ صغير
يربك هذا النظام
الصمت فقط
يتمشى بين البيوت
يتفقد خوفه
بيتًا بيتًا
يا وطني
لم أعد أسألك
من أنت
صرت أعرف
أنت هذا الفراغ
الذي يبتلع أسماءنا
ببطء
دون أن يترك صدى
وحين تدار الأوطان من تحت السرة
يتعب السؤال
ويستقيل الجواب
نصير
هوامش في كتاب
لا يقرأ
ونمشي
خفيفين كأننا
لم نكن
هذه ليست نهاية
بل توقف
عن الادعاء
لا أحد سيأتي
ولا شيء
سينقذ المعنى
من نفسه
نغلق القصيدة
كما نغلق نافذة
على شارع
خالٍ
ونترك لليل
يكمل
ما بدأناه
