صراع النفوذ بين الدولة والقبيلة..
في مفهوم بناء الدولة بمعناها الحقيقي، لا يجب أن يكون للقبيلة سلطة سياسية أو اقتصادية بالمطلق، فهاتين السلطتين تتعارضان تمامًا مع مفاهيم وأسس بناء الدولة وأدائها.
ومن المؤكد أنه لا أحد ضد القبيلة كمكون اجتماعي تؤدي وظائفها الاجتماعية والثقافية وفق قوانين وأنظمة البلد، وبما يحقق التكامل الأمني والاستقرار الاجتماعي، ويعزز من قدرات وسلطات الدولة ومؤسساتها.
لكن في حالة مثل الحالة اليمنية، لم تكون القبيلة عاملًا مساعدًا في تحقيق الأمن والاستقرار والتماسك الاجتماعي في وطننا الحبيب، بل كانت أحد أهم أسباب عوائق بناء الدولة القوية والحديثة، وظلت سلطاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية تتنامى على حساب الدولة ومؤسساتها ودورها القانوني، وقد ساعد في ذلك التدخلات الإقليمية والدولية التي قدمت القبيلة دعمًا كبيرًا لتشكل مراكز نفوذ تفوق سلطات ومراكز الدولة الرسمية، مما أثر على الكثير من القرارات المصيرية المتعلقة بمستقبل اليمن واليمنيين، ووظائف مؤسسات الدولة وأجهزتها.
وخلال ستة عقود من عمر الثورة اليمنية، تعاقبت أنظمة حكم مختلفة في اليمن، بعضها كان أضعف من سلطة القبيلة، وبعضها كان على وفاق معها، وبعضها أراد أن يحد من نشاطها ويخضعها لقوة القانون، وفي كل مرحلة كانت القبيلة تخرج منتصرة من معاركها مع الدولة وقوانينها وأنظمتها، بسبب ضعف المؤسسة العسكرية ونفوذ القبيلة على قياداتها ذات الولاء القبلي، وليس الوطني.
لكن الشيء الذي يحيرني هو قيادات الأحزاب اليمنية التي تحمل مشاريع وطنية ومدنية، كيف فشلت عن أداء واجبها الوطني في ترويض القبيلة وتمدينها وتطويعها لصالح سلطات الدستور والقوانين، بل ذهبت في تعاطيها مع المكونات القبلية إلى ما هو أسوأ من ذلك، حيث جعلت من القبيلة ركنًا شديدًا تأوي إليه عند الخلاف والخصومة مع النظام الحاكم، والذي هو في الأساس ظل يستفيد من نفوذها "القبيلة" لدعم سلطاته ومراكز نفوذه على حساب القوانين والأنظمة الشرعية للدولة بمفهومها الكبير والحقيقي.
وبمعنى أوضح، بدلًا من أن تعمل الأحزاب السياسية المدنية على اختراق المكونات القبلية، وتثقيف أفرادها وتوعيتهم ليكونوا مواطنين صالحين وداعمين لبناء دولة مدنية حديثة وقوية، وجدنا الكثير من هذه الأحزاب تخصص من ميزانياتها ومواقع قياداتها لعدد من المشائخ والوجاهات القبلية، ليس بهدف الانتصار للمشروع المدني الذي تحمله وتناضل من أجله، بل لغرض الحماية أو الاستفادة من نفوذ وإمكانيات هذه الرموز القبلية في الصراعات والخصومات فيما بينها أو مع النظام الحاكم، وأحيانًا لأمور شخصية لا علاقة لها ببنية الحزب ومشروعه وأهدافه.
أعود وأؤكد أني لست ضد القبيلة كمكون اجتماعي مهم في هذا البلد، لكني أرفض بشكل مطلق أن يكون للقبيلة ورموزها دور أكبر من دور الدولة ومؤسساتها، وسلطات تفوق سلطة الدستور والقانون، وهو ما نعانيه منذ عقود في وطننا الحبيب، فنفوذ القبيلة وأعرافها وقوانينها أعاقت مسألة بناء دولة يمنية قوية وحديثة ومتطورة، بل كانت سببًا في تمزق النسيج الاجتماعي اليمني، وسببًا في التدخلات الخارجية وضعف الإرادة الوطنية والانتماء الوطني، وكانت ولا تزال أحد العوامل المساعدة على السقوط المتكرر للدولة ومؤسساتها، وأحد أركان المؤامرة على المشروع الوطني الكبير لليمن.
