الجمعة 17 يوليو 2026

محاكم أم عدّادات أجور؟!

يدخل المواطن إلى المحكمة وهو يحمل ملفًا صغيرًا وأملًا كبيرًا، ثم يخرج بعد سنوات يحمل ملفًا أكبر، وشعرًا أكثر بياضًا، وجيبًا أكثر فراغًا. أما القضية، فما زالت في مرحلة "تأجيل الجلسة إلى موعد لاحق".

في بلادنا، يبدو أن الزمن ليس عاملًا قضائيًا، بل بندًا ماليًا. كلما امتدت القضية، امتدت معها الفواتير، حتى أصبح البعض يشعر أن القضية لا تُدار بالقانون وحده، بل أيضًا بالتقويم السنوي.

المسكين يبيع أرضه، ثم سيارته، ثم ذهب زوجته، وربما أثاث منزله، فقط ليواصل رحلة البحث عن حقه. بينما الحق نفسه يقف على باب المحكمة، ينتظر من يسمح له بالدخول.

ولا يجوز ظلم الجميع، فهناك محامون شرفاء يحملون رسالة العدالة ويعملون بضمير، ويختصرون الطريق على الناس بدلًا من إطالته. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول القضية عند البعض إلى مشروع استثماري، لا ينتهي إلا عندما ينتهي ما في جيب الموكل.

أما المشهد الأكثر سخرية، فهو أن المتقاضي أصبح يحفظ أرقام القضايا، وأسماء القضاة، ومواعيد الجلسات، أكثر مما يحفظ أعياد أبنائه. لقد أصبح خبيرًا في الانتظار، بينما ما زال الحكم يبحث عن موعد مناسب للظهور.

ثم تأتي الطامة الكبرى... عندما تكون الجريمة واضحة، والضحايا معروفين، والأدلة حاضرة، فيتحول البعض من الدفاع عن حق المتهم في محاكمة عادلة إلى معركة هدفها طمس الحقيقة أو تعطيلها. نعم، لكل متهم حق أصيل في الدفاع، فهذا أساس العدالة، لكن العدالة لا تعني أن تصبح الحقيقة هي الضحية الثانية.

الغريب أن الجميع يتحدث عن هيبة القانون، لكن هيبة القانون لا تُصنع بكثرة الأوراق، ولا بعدد الجلسات، بل بسرعة إنصاف المظلوم ومحاسبة الظالم.

العدالة ليست سباقًا في من يطيل القضية أكثر، وليست مزادًا على أتعاب تُدفع كلما طال الانتظار. العدالة رسالة، والمحاماة شرف، والقضاء ميزان، وإذا اختل أحدها، دفع المواطن الثمن من عمره وماله وأعصابه.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يؤرق كل صاحب حق: هل جئت إلى المحكمة لأستعيد حقي... أم لأتعلم كيف ينفد العمر قبل أن يصل الحكم؟

فالمال قد يعود، أما السنوات التي تلتهمها المماطلة فلا تعود أبدًا. وعندما تصبح العدالة البطيئة هي القاعدة، فإن الخاسر الحقيقي ليس المتقاضي وحده، بل الدولة كلها، لأن الثقة بالقضاء هي آخر حصون الأوطان، وإذا تصدعت، تصدع معها كل شيء.