الجنوب وتجريف الذاكرة (6)
إذا ما قمنا بقراءة التاريخ اليمني شمالًا وجنوبًا، سنجد أن اليمن في كل المراحل التاريخية كانت في مؤلفات المؤرخين الأجانب والعرب قبل الإسلام وبعد الإسلام، يمنًا واحدًا، وفي العصر الجاهلي وردت اليمن في أشعار كبار شعراء الجاهلية، وأبرزهم أمير شعراء الجاهلية امرؤ القيس الكندي، الذي ذكر الوشم في جسم عشقيته وشبهه بخط زبور في عسيب يماني.
وذكر في موضع آخر من شعره مسقط رأسه دمون، فقال:
"دمون إنا معشر يمانون
وإننا لأهلنا محبون"
وقد عرف المؤرخ العربي القديم والحديث أن كندة القبيلة المنتمي إليها امرؤ القيس الكندي، قبيلة اتخذت من حضرموت موطنًا لها لفترة طويلة من الزمن، فلماذا لم ينكر امرؤ القيس يمانيته كما ينكر يمانيتهم بعض الذين يجهلون تاريخهم وتاريخ جدودهم وأحسابهم وأنسابهم اليوم، وهو ما لم يدعُ إليه الإسلام الحنيف الذي دعا إلى حفظ الأنساب ليس من باب التفاخر بالأنساب لأجل التمييز والتفريق بين البشر على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو المذهب أو اللغة، وإنما نزولًا عند قوله تعالى: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، وهنا يظهر في الآية الكريمة أن التقوى أساس الحياة البشرية، وأن الله خلق البشر للتعارف، وفي الأول والأخير تعود البشرية لمصدر واحد وأصل واحد هو آدم عليه السلام.
وفي الجاهلية ذكر الله رحلة الشتاء والصيف، ويذكر المفسرون للقرآن الكريم أن واحدة من تلك الرحلات كانت وجهتها إلى اليمن، والوجهة الأخرى إلى بلاد الشام. وعندما جاءت الرسالة المحمدية وردت اليمن في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، مؤكدة هذا الاسم. وفي كتب التاريخ والسير ظلت اليمن هي المذكورة دومًا، ولم تذكر باسم آخر غير هذا الاسم في صدر الإسلام، وفي العهدين الأموي والعباسي وفي عهد الدويلات التي حكمت اليمن بوصاية الدول الكبرى في المنطقة العربية آنذاك مثل الدولة الأيوبية والفاطمية والزيادية والرسولية. وقد ظلت تذكر اليمن في وثائق تلك الدول، ويشار إليها باسمها الصريح دون الإشارة إليها بأي اسم آخر.
وفي العهدين المملوكي والعثماني وردت اليمن في وثائق تلك الدولتين، وخريطة الخلافة العثمانية تؤكد ذلك، ومراسلات الدولة بين العاصمة وبقية الأقاليم ذكرت اليمن بشرقه وغربه وشماله وجنوبه، وقسمته إلى متصرفات وسناجق.
وفي فترة حكم الدولة القاسمية كانت مراسلات أئمة تلك الدولة يذكرون حضرموت وعدن وتعز ولحج وأبين باسمها الصريح، وعلى أنها مجتمعة يطلق عليها اليمن، وهو ما يؤكد أن أية جهة تقع جنوب الكعبة اسمها اليمن، والدولة الواقعة إلى الجنوب من دولة سبأ كانت تسمى يمنات. ومازال سكان شمال المملكة العربية السعودية إلى اليوم يطلقون على القبائل والمناطق الواقعة جنوب المملكة "اليمنة"، وإلى اليوم يطلق على ركن الكعبة المشرفة الجنوبي اسم الركن اليماني، وفي العاصمة صنعاء يقع أشهر أبوابها في الجهة الجنوبية من المدينة القديمة، وهو باب عرف قديمًا وحديثًا باسم باب اليمن، ولم يعرف باسم باب الجنوب على الإطلاق.
وعند تحديد الجهات في بصائر الأرض الزراعية في اليمن الشمالي والجنوبي، توجد كثير من تلك البصائر القديمة والجديدة تذكر الجهة اليمانية بدلًا عن الجهة الجنوبية. وإذا بحثنا في كتب التاريخ والسير سنجد أن القبائل التي هاجرت قبل الإسلام وبعد الإسلام إلى بلاد الشام والعراق وشمال إفريقيا، يطلق عليها اسم القبائل اليمانية، والصراع الذي حدث في عهد بني أمية بين عرب الشمال وعرب الجنوب يعرف بالصراع القيسي اليماني، وتحكي الحكايات وتروي الروايات عن الشاعر العربي الكبير أحمد بن الحسين الجعفي المعروف بأبي الطيب المتنبي، أن خلاف هذا الشاعر مع حكام زمانه كان مبعثه انتماء هذا الشاعر الكبير واعتزازه بأصوله اليمانية، وكثير من قصائده ورد فيها افتخار هذا الشاعر بجدوده، فقد قال في واحد من أبياته:
"أُمُنَسِّيَ السكونَ وَحَضرَمَوْتا
وَوالِدَتي وَكِنْدَةَ وَالسَّبيعا"
وديوان المتنبي مليء بالأبيات التي تؤكد اعتزاز المتنبي بأصوله اليمانية.
وما يحز في النفس ظهور الثقافة الداعية إلى قيام دولة الجنوب العربي، وفي الوقت ذاته يطالب أصحاب هذه الثقافة باستعادة الدولة الجنوبية، وعلى مر التاريخ لم تظهر دولة جنوب جزيرة العرب يطلق عليها دولة الجنوب العربي، عدا مرة واحدة قامت فيها بريطانيا المستعمرة لعدن وما حولها من سلطنات ومشيخات الجنوب اليمني، بتسمية حكومة جديدة في عدن باسم اتحاد الجنوب العربي، وقوبلت هذه الدعوة بالرفض المطلق من شخصيات وطنية جنوبية، ولم يستمر عمر ذلك الاتحاد الفيدرالي المزيف سوى فترة وجيزة، وانتهى بانتهاء الاستعمار البريطاني ومغادرته جنوب الوطن في ٣٠ نوفمبر ١٩٦٧م، ليأتي بعد ذلك جمهورية اليمن الجنوبية.
وللحديث بقية...
