الثلاثاء 7 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • فقط لو توقف المطر للقاصّ عبدالله الكولي

فقط لو توقف المطر للقاصّ عبدالله الكولي

فقط لو توقف المطر للقاصّ عبدالله الكولي

تضم المجموعة تسع قصص قصيرة، أولاها: «فقط لو توقف المطر». درويش ابن تهامة البائس الذي يكدُّ طوال يومه، ويجري من شارع إلى شارع، ومن زقاق لآخر يمسح بقدميه الحافيتين حَافات مدينته؛ حَاملاً صحنه الكبير المغطى بمصرفة من سعف النخيل، المليء بالمطبق المصنوع من رقائق الدقيق المقلي، كسرد القاص الكولي.

سرد رائع لحياة درويش. ودرويش في التسمية الشعبية التهامية ترمز للفقير. وقد تُسمِّى الأسرة وحيدها تواضعًا، وكتعويذة له من الموت؛ ولصرف عين عزرائيل عنه، واختيار مثل هذه التسمية في القرى والأحياء الشعبية شائع.
المفارقة الذَّكية والرائعة ليس في اختيار الاسم فحسب؛ وإنما في رسم طموح درويش مع طول المعاناة، وشعوره بحالة أمه الملقاة على «قعادة» خشبية تكسر الظهر، وعش القش الذي لا يقيه سعير الشمس في صيف تهامة. وتهامة أعوامها كلها صيف قائض. والعش -ككل عشش الفقراء الدراويش أمثاله- مُسبَّلة للذُّباب، والنامس، وكل الحشرات المؤذية.
يطمح درويش -كقراءة القاص- في أن تعيش حالة أفضل، ويتأوه: «آه لو أملك مسكنًا جميلًا وسط المدينة».
ويفكر بجدية: لماذا لا يصبح، هو صاحب مقلاة للمطبق، يبيع بالجملة على الباعة، ويستريح من هذا العناء؟
يتحرك بهمة ونشاط. يدفعه الأمل في تغيير حالته، والانتقال إلى سكن جميل، ووضع مريح ومستقر. يتحرك بصحن المطبق الساخن والمغطى؛ فيبدأ المطر القليل الهطول في تهامة في «التَّحرُّش» به، ولكنه مزاح عابر.
بدأ البيع، والأفكار تشغل باله، وقلبه لم يلتفت كَثيرًا إلى السماء؛ كوصف السارد. سقطت حَبَّات المطر مفرقة، وفوق الصحن المغطى اختلط زيت الرَّقاق المطبق مع قطرات المطر. شعر بشيء من القلق، لكنه حدث نفسه أنَّ هذا أمر عادي، فلن تمر لحظات حتى يتوقف.
واصل مشواره اليومي كسرد القاص. المطر لم يتوقف. زاد انهماره على رؤوس الأطفال والمارة.
المفارقة أنَّ البهجة والانتشاء تملأ قلوب الناس المحرومين طويلًا من الأمطار النادرة في تهامة؛ وبالتأكيد الفرحة ستكون أكثر في المدن والقرى، من حول وديان تهامة، وأكبر وديان اليمن كلها في تهامة.
المفارقة أن مصدر الفرحة والرخاء والازدهار المطر كان سبب عطالة درويش، وخيبة أمله، وتلاشى حلم تغيير أوضاعه، وتحسن معيشته؛ بل الأكثر إيلامًا رجوعه إلى أفحوصة بدون فلوس، وبدون غداء؛ فالمطر بالنسبة له قطع رزق، وحرمان من عائد عمل اليوم.
القاص وَظّفَ المفارقة بمهارة مدهشة، وأبدع بها، وخلق منها قصة من أجمل القصص. ويختم القصَّ: «آه لو لم تتجمع هذه السحب في السماء، وتنهال علينا بهذا المطر؛ لكنت بدأت أول خطوات الحلم. آاااه فقط لو توقف المطر».
القصص الثماني الأخرى «لقاء الأرانب». تدور حول طلب ابنة أخته سعاد منه إيصال أرنبين إلى معمل المدرسة؛ لإجراء تجارب عليهما. ويجري التعارف بينه وبين الشابة أميرة التي تعرف بها ابنة أخته سعاد، وينتهي التعارف بخطبة أميرة لآخر، ويموت حبه لأميره، وتنقطع عن المدرسة.
وتدور قصة «أمي» عن إحساس الأم ببكاء طفلها الرضيع، واستيقاظها من نوم لا يوظفها منه كل صراخ الشارع، وضجيج المدينة.
أمَّا قصة «أوراق مسحورة»؛ فعن احتجاجات الشباب في الحديدة ضِدَّ الفساد، ومواجهة الشباب المحتجين ضد الفاسدين، ومحاولتهم الحصول على الوثائق والمستندات التي تدينهم؛ فتتطاير الوثائق والأوراق، لتغطي سماء المدينة، وتكون المواجهة بين أجهزة القمع والمحتجين ساخنة.
أمَّا قصة «الحجاج الثلاثة»؛ فتمتح من الحكايات الشعبية. والحكايات الشعبية كنز عظيم؛ نهلت منه الملاحم الكبرى، وروائع الأدب الشعبي العالمي: «ألف ليلة وليلة»، و«الإلياذة»، و«الأوديسة»، و«جلجامش»، وأفاد منها المقدس، لكنها في «الحجاج الثلاثة» أوغلت في الغرائبية والغموض؛ حتى غامت الرؤية في السَّرد الحكائي.
الحكايا الخرافية لا تجيب على الأسئلة، لكن مؤشراتها واضحة؛ وقد عمل عليها في اليمن حمزة لقمان، وعلي محمد عبده، وأروى عبده عثمان، وفاطمة البيضاني.
المجموعة القصصية كلها بحاجة إلى قراءة أوسع وأشمل وأعمق، خُصوصًا: «ثلاث مشاهد للحجر»، و«قبس الياسمين». وللقضيتين علاقة باحتجاجات مدينة الحديدة وتهامة كلها في ربيع اليمن، والربيع العربي.
فتحية للقاص المجيد الأستاذ عبدالله الكولي، ولمجموعته القصصية «فقط لو توقف المطر».