التكيف مع الواقع... وإعادة تشكيل الوعي
لا تُهزم المجتمعات دائمًا في ميادين الصراع، فقد تُهزم في وعيها قبل أن تُهزم في واقعها. وأخطر مراحل الأزمات ليست تلك التي يشتد فيها الصراع، وإنما تلك التي يتحول فيها الاستثناء إلى وضع مألوف، وتغدو الأزمات جزءًا من الحياة اليومية، فينتقل المجتمع، من حيث لا يشعر، من مقاومة الواقع إلى التكيف معه.
والتكيف مع الواقع ليس مجرد استجابة طبيعية لظروف استثنائية، بل هو عملية اجتماعية وسياسية عميقة تعيد تشكيل منظومة الوعي والقيم والسلوك والتوقعات. فعندما يطول أمد الأزمات، وتتكرر إخفاقات التغيير، وتتراجع الثقة بالنخب والمؤسسات، يبدأ المجتمع في إعادة تعريف الممكن والمستحيل، فلا يعود ينظر إلى التغيير باعتباره هدفًا قابلًا للتحقق، بل يصبح همه الرئيس التعايش مع الواقع بأقل الخسائر الممكنة.
وعند هذه المرحلة، لا يقتصر التحول على أنماط المعيشة، بل يمتد إلى الوعي ذاته. فالظلم يفقد صفة الاستثناء، والفساد يتحول إلى ممارسة اعتيادية، والمحسوبية تصبح وسيلة مقبولة لقضاء المصالح، بينما يتراجع الإيمان بالمساواة وسيادة القانون، ليحل محله منطق التكيف مع موازين القوة. وهكذا تتبدل المعايير تدريجيًا، لا بفعل الاقتناع، وإنما بفعل الاعتياد.
وتؤكد تجارب الأمم أن أخطر أشكال الهيمنة ليست تلك التي تُفرض بالقوة وحدها، بل تلك التي تنجح في إعادة تشكيل وعي المجتمع، بحيث يتقبل الواقع القائم بوصفه الحقيقة الوحيدة الممكنة. فعندما تتآكل إرادة التغيير، يصبح الاستقرار، مهما كان هشًا، أكثر جاذبية من خوض مسار الإصلاح، وتغدو المحافظة على الواقع هدفًا يتقدم على السعي إلى تجاوزه.
وفي ظل هذه الحالة، تتراجع المبادرة الفردية والجماعية، وتتقلص مساحة الفعل العام، ويغدو الانشغال بتأمين متطلبات الحياة اليومية بديلًا عن المشاركة في الشأن العام. ومع مرور الوقت، تتسع الفجوة بين المجتمع ونخبه، ليس فقط بسبب ضعف الأداء السياسي، وإنما لأن النخب نفسها قد تصبح أسيرة صراعاتها ومصالحها، فتتراجع قدرتها على تمثيل تطلعات المجتمع أو التعبير عن أولوياته، وتتحول المنافسة على النفوذ إلى بديل عن التنافس في تقديم المشاريع الوطنية.
وتقدم الحالة اليمنية مثالًا واضحًا على هذه الظاهرة؛ إذ أسهمت تراكمات تاريخية وسياسية ممتدة في إعادة إنتاج الأزمات بصورة متكررة، حتى بات جزء من المجتمع يتعامل مع الواقع القائم بوصفه أمرًا يصعب تغييره، ويتجه إلى التكيف معه باعتباره الخيار الأقل كلفة في ظل تعقيدات المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ومع كل مرحلة جديدة، تراجعت الثقة بإمكان التغيير، واتسع الميل إلى التكيف بدلًا من معالجة الأسباب البنيوية للأزمة.
ولم يعد أخطر ما يواجه المجتمع استمرار الأزمة في ذاتها، بل اعتياده عليها. فالمجتمع الذي يعتاد الانقسام، ويتكيف مع غياب الدولة الفاعلة، ويألف ضعف المؤسسات، يفقد تدريجيًا قدرته على تصور بديل مختلف، لأن الوعي نفسه يصبح أسير الواقع الذي نشأ في ظله، وتصبح الأجيال الجديدة أكثر ميلًا إلى التعامل مع الاختلالات بوصفها حقائق ثابتة، لا أوضاعًا قابلة للإصلاح والتغيير.
ومن هنا، فإن معركة التغيير لا تبدأ بإعادة ترتيب موازين القوة، ولا باستبدال أشخاص أو قوى بأخرى، بل تبدأ باستعادة ثقة المجتمع بقدرته على التغيير. فبناء الدولة ليس مجرد إنشاء مؤسسات أو إصدار قوانين، وإنما إعادة تأسيس العلاقة بين المواطن والدولة على أساس المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والمساءلة، والشفافية، والمشاركة، بما يجعل المجتمع شريكًا فاعلًا في صناعة مستقبله، لا مجرد متكيف مع واقعه.
إن التكيف مع الواقع قد يكون استجابة مؤقتة تفرضها الظروف، لكنه يتحول إلى خطر استراتيجي عندما يغدو ثقافة عامة تعيد تشكيل الوعي وتخفض سقف التطلعات. فالمجتمعات لا تنهض بمجرد انتهاء الأزمات، وإنما تستعيد عافيتها عندما تستعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتؤمن بقدرتها على إحداث التغيير. فإعادة بناء الدولة تبدأ بإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة على أساس المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والمساءلة، والشفافية، بما يرسخ وعيًا يؤمن بأن الحرية والعدالة ليستا مجرد شعارات، بل قيمٌ تُجسَّد في مؤسسات فاعلة وممارسات مسؤولة، وهي الأساس الذي يقوم عليه أي مشروع وطني مستدام.
