الأحد 5 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • هل يُعاد تشكيل المشهد السياسي اليمني أم يُعاد تدوير أزماته؟

هل يُعاد تشكيل المشهد السياسي اليمني أم يُعاد تدوير أزماته؟

ما يجري اليوم في اليمن يستحق التوقف والتأمل. فالمشهد السياسي يبدو وكأنه يدخل مرحلة إعادة هندسة شاملة، تقودها رؤية إقليمية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، بهدف إنتاج إطار سياسي جديد يُفترض أنه قادر على إدارة المرحلة المقبلة وإنهاء حالة الصراع المستمرة.

من حق أي دولة معنية بأمن المنطقة أن تبحث عن الاستقرار، لكن يبقى السؤال: هل يتحقق الاستقرار بإعادة ترتيب القوى السياسية، أم ببناء مشروع وطني حقيقي يستند إلى إرادة اليمنيين أنفسهم؟
على امتداد أكثر من قرن، عاش اليمن مخاضاً سياسياً متواصلاً. انتقل من الإمامة إلى الجمهورية، وخاض تجارب حزبية وفكرية متعددة، ووصل إلى التعددية السياسية بعد الوحدة اليمنية. ورغم ما رافق تلك التجارب من إخفاقات وصراعات، فإنها أوجدت مساحة للتنوع السياسي والفكري لا يمكن تجاهلها.
اليوم يبدو أن الاتجاه يسير نحو تجاوز هذا الإرث السياسي، وإعادة تشكيل الحياة العامة على أساس كيانات مناطقية، تتمثل في المجالس التنسيقية للمحافظات، باعتبارها أدوات المرحلة القادمة.
وقبل ذلك، جُرِّبت أدوات أخرى قامت على استثمار الانتماءات القبلية والمذهبية والمناطقية، لكنها أنتجت صراعات معقدة هددت الجميع، وأثبتت أن بناء السياسة على الهويات الضيقة لا يقود إلى دولة مستقرة.
غير أن السؤال الأكثر أهمية ليس في شكل الأدوات الجديدة، وإنما في مضمونها. فهل ستأتي هذه المجالس بقيادات جديدة ورؤى مختلفة، أم أنها ستكون مجرد إطار جديد تعود من خلاله الشخصيات والقوى ذاتها التي شاركت في إدارة الأزمة خلال السنوات الماضية؟
المؤشرات حتى الآن لا توحي بحدوث تغيير جذري، بل تشير إلى أن كثيرًا من القوى التقليدية تسعى لإعادة التموضع داخل هذه الكيانات الجديدة، بما يعني أن الأزمة قد تُعاد صياغتها بدلًا من حلها.
إن تغيير المسميات لا يصنع تحولاً سياسياً، كما أن استبدال إطار بآخر لا يعني ولادة مشروع جديد. فالتحول الحقيقي يبدأ عندما تتغير طريقة إدارة الدولة، وتُفتح الأبواب أمام الكفاءات، وتُبنى المؤسسات على الشراكة والشفافية والمساءلة، لا على تقاسم النفوذ وإعادة توزيع المواقع.
إن اليمن لا يحتاج إلى إعادة إنتاج النخب نفسها، بل إلى إعادة إنتاج السياسة نفسها؛ سياسة تؤمن بالمواطنة، وتستوعب التنوع، وتمنح اليمنيين حقهم في صناعة مستقبلهم بعيداً عن منطق الوصاية أو إعادة تدوير الأزمات.
فإذا كانت المجالس التنسيقية ستتحول إلى مساحة لإشراك المجتمع وإنتاج قيادات جديدة، فإنها ستكون خطوة إيجابية. أما إذا تحولت إلى مظلة جديدة للوجوه القديمة، فلن يكون ما يحدث سوى إعادة إنتاج للمشهد الذي أوصل البلاد إلى ما هي عليه اليوم، وسيظل المستقبل مؤجلاً، مهما تغيرت الأسماء والعناوين.