حين يكون الهدف أن يُدار الشعب بالإنهاك!
شارك وفدٌ سعودي رسمي في مراسيم تقديم العزاء التي تقام في طهران، وترأس الوفد نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي، حيث قدَّم واجب العزاء باسم المملكة.
ومن الطبيعي أن يندرج هذا الحضور في إطار الأعراف الدبلوماسية والبروتوكولية بين الدول، وهو ما قد يسهِّل، عبر القنوات الرسمية، بعض الإجراءات ذات الصلة بالتواصل الدبلوماسي، ومنها ما أُثير بشأن انتقال وفدٍ من جماعة أنصار الله إلى طهران. غير أن توظيف هذا الحدث سياسيًا، وعقد اجتماعات طارئة لإدانته أو تصويره على أنه تطور استثنائي، لا يبدو أنه يغيِّر من واقع الأزمة اليمنية شيئًا، بقدر ما يعكس استمرار الخطاب السياسي الذي يستهلك الأحداث دون أن يقدِّم حلولًا حقيقية لمعاناة اليمنيين.
لقد تحولت القضية اليمنية، في نظر كثيرين، إلى ساحة لتبادل الرسائل وتسجيل المواقف، بينما يبقى المواطن هو الخاسر الأكبر. ويزداد الألم حين تبدو الأولويات السياسية بعيدة عن معالجة الانهيار الاقتصادي والإنساني الذي يعيشه الشعب، وكأن معاناته أصبحت أمرًا اعتياديًا لا يستحق الاستعجال.
لقد هرم اليمنيون من طول الانتظار، ومن استمرار الصراع الذي امتد من أقصى اليمن إلى أقصاه، حتى غدا الأمل نفسه يحتاج إلى من يعيد إليه الحياة. كفى عبثًا بحياة الناس، وكفى استهانةً بمستقبل وطنٍ أنهكته الحروب والانقسامات.
ويُروى أن أحد الزعماء قضى سنوات طويلة يُعِدُّ ابنه ليخلفه في الحكم. وذات يوم أراد أن يختبر ما إذا كان قد أدرك، في نظره، أهم وسائل البقاء في السلطة.
أعطاه كيسًا مليئًا بفئرانٍ نشطة، وقال له: افتحه، ثم حاول أن تعيد ما يخرج منه إلى داخله.
فتح الابن الكيس، فانطلقت الفئران في كل اتجاه، ولم يستطع السيطرة عليها. عندها أمر الزعيم حراسه بجمعها، وبعد عناء أعادوها إلى الكيس.
ثم أمسك الزعيم بالكيس، وأخذ يديره بسرعة في الهواء حتى أصاب ما بداخله الدوار. وبعدها فتحه، فإذا بالفئران خاملة لا تكاد تتحرك، فجمعها بسهولة وأعادها إلى الكيس.
ثم قال لابنه: لن تستطيع أن تحكم طويلًا حتى تتعلم كيف تجعل الشعب في حالة دوار دائم.
هذه الرواية مجرد قصة رمزية، وسردها هنا لمعناها الذي يستحق التأمل؛ فإشغال الشعوب بالأزمات المتلاحقة، وإغراقها في الخوف والانقسام والفقر، يضعف قدرتها على التفكير والمطالبة بحقوقها.
من هنا تأتي الرسالة إلى جميع الأطراف المنخرطة في الشأن اليمني:
إلى الإخوة في التحالف العربي، وإلى الإخوة في الشرعية، وإلى الإخوة في سلطات الأمر الواقع:
إن اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الصراعات، ولا إلى تبادل الاتهامات، بل إلى مشروع وطني يعيد للإنسان اليمني كرامته، ويضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. فما يعانيه الشعب اليوم هو نتيجة سنوات من الاستنزاف والانقسام، حتى أصبح المواطن يدفع ثمن حسابات لا يملك فيها قرارًا.
إن الشعوب قد تصمت تحت وطأة التعب، لكنها لا تفقد حقها في استعادة وعيها، والمطالبة بالعدل والكرامة. فالاستقرار الحقيقي لا يُبنى على إنهاك الناس، ولا على إشغالهم بالأزمات، وإنما يقوم على العدالة، وسيادة القانون، والشراكة الوطنية، والثقة بين الدولة والمجتمع.
قد تنجح سياسات الإلهاء والإضعاف في تأجيل الاستحقاقات، لكنها لا تصنع شرعيةً راسخة، ولا تبني دولةً مستقرة. أما الشعوب الواعية، القادرة على التفكير الحر، فهي الضمانة الحقيقية لاستقرار الأوطان وتقدمها، بينما يبقى الاستبداد، مهما طال أمده، هشًّا أمام إرادة الشعوب حين تستعيد وعيها وتتوحد حول مستقبلها.
