من بساطة التنور إلى تعقيد الفاتورة: بعض ذكريات الريف اليمني في مواجهة صخب المدينة
تُلِحُّ عليَّ منذ مدة غير قصيرة فكرة الكتابة عن المحتوى الذي يمثله العنوان أعلاه، يدفعني إلى ذلك تعلقي بذكريات الحياة في الريف على بساطتها وهدوئها، ومقارنتها بحياة المدينة وصخبها وتعقيدها. فحين كنت صبياً مراهقاً قبل ثلاثة عقود ونصف تقريباً، كنت أنظر إلى الحياة وأقرأ مفرداتها بعين أخرى. فقد كانت الحياة سهلةً، طيعةً، عفويةً، تسير على إيقاع الشمس والمطر لا على إيقاع حركة السوق وفاتورة الاستهلاك اليومي والشهري ونصف الشهري. كان الناس أقرب إلى البساطة وأبعد عن التعقيد. وتقاسمت القرى اليمنية حينها قدراً كبيراً من الاكتفاء الذاتي والتلقائية التي افتقدناها اليوم.

كانت البيوت عامرة، ليس بكثرة الأصناف، بل ببركة ما تنتجه الأرض. فقد اعتمدت موائدنا على ما تنبته المزارع بأيدي الفلاحين، وكانت قناعة الناس يومئذٍ تلخصها عبارة "الكفاف عز"، وهي تقترب من معنى الاكتفاء الذاتي.
عصيدة الذرة الصفراء أو الشامية، وتُعرف شعبياً بـ"الهَرِيش"، تُؤكل مع اللبن الرائب "الحقين" والسمن البلدي المستخلَص من حليب أبقار البيوت.
حبوب الذرة، والشعير، والعلَس - والأخير سمعت عنه من كبار السن - كانت تُصنع منها فطائر بمسميات مختلفة باختلاف مناطق الريف اليمني، منها: "الفطير" أو "الأعواس" أو "القفُوع" أو "الجحِين" من الذرة، و"الخمير" و"اللحوح" و"الكِدِر"، وكانت جميعها تنضج على نيران حطب التنور الفخاري. لم يكن الغاز المنزلي قد دخل أغلب قرى الريف بحسب ما أتذكر، فكان الحطب والتنور هما مطبخ الأم وقلب البيت. وكان الدخان المنبعث منه في الأرجاء، الصاعد بقوة إلى السماء والذي قد يحجب رؤية جانب من البيت، هو أبرز ما يميز البيت الريفي، ويعطي للطعام نكهة ومذاقاً يختلفان عن نكهة ومذاق الطعام الذي تنضجه تناوير وأفران الغاز المنزلي.
السحاوق أو "البسباس" تكاد لا تخلو منه مائدة يمنية في طول البلاد وعرضها. ذلك الخليط المهروس من الفلفل الأخضر أو الأحمر المجف، مع الطماطم وفصوص الثوم والكزبرة. ورغم حرارته اللاذعة، فهو يفتح الشهية ويعطي للمائدة مذاقاً مميزاً لا تعوضه الصلْصات أو ما يُعرف بـ "الشطة" المستوردة اليوم.
كانت البساطة عنوان كل شيء: البيت، واللباس، والعلاقات. الناس يعرفون بعضهم بعضاً، ويقتسمون لقمتهم قبل أفراحهم وأتراحهم.
أما اليوم، وخصوصاً في المدن، فقد انقلبت المعادلة. وصار الاعتماد الكلي على السوق هو القاعدة. نشتري الحبوب والخضار واللحوم والسلع الغذائية كلها من الدكان والسوبرماركت. بل إن الوجبات الجاهزة Fast food من المطاعم صارت جزءاً من روتين كثير من الأسر، بسبب ضيق الوقت وكثرة الالتزامات، وأحياناً التكاسل والتعود على أكلات المطاعم.
لكن هذه الوفرة الظاهرة لم تستطع أن تخفي أزمة حقيقية يعيشها الناس، وهي أزمة السيولة والقدرة الشرائية. فعلى سبيل المثال: كيلو الطماطم أو البطاطا الذي كان يُقطف من الحقل صار سلعة تتأرجح أسعارها يومياً بين الانخفاض والارتفاع. وكيس الدقيق والسكر والأرز والزيت صار يلتهم جزءاً كبيراً من دخل الموظف الذي لا يزال يحظى بمصدر دخل - أياً كان - بهذا القدر أو ذاك.
والنتيجة، شحّت السيولة في أيدي الغالبية العظمى من الناس، وتآكلت القدرة الشرائية لدى الكثير منهم. وصارت كثير من الأسر تعيش على "الكفاف والعوز". فإذا توفر المال اقتات الناس، وإذا لم يتوفر اختنقت حياتهم وجثم كابوس الفقر والفاقة على صدورهم. فاتورة الكهرباء لمن ينعمون بخدمة التيار الكهربائي على ضعفه، وأجرة المواصلات، وثمن الدواء، ومتطلبات المدارس، وغيرها الكثير تسبق رغيف الخبز في سلم الأولويات.
من هنا فقط تتضح المفارقة، فقد كانت الحياة في الريف أقل من حيث الخيارات، لكنها أيسر من حيث التكاليف والاعتماد على الذات. أما الحياة في المدينة فهي أكثر من حيث الوفرة والخدمات، لكنها أصعب من حيث الكلفة والاعتماد على الآخر.
وهكذا، استبدلنا بساطة التنور بتعقيد الفاتورة، واكتفاء الحقل برحمة السوق. ولم تعد المسألة مسألة ترف أو خيار بين نمطي عيش، بل صارت مسألة بقاء يومي يواجهها ملايين اليمنيين.
ولعل في استعادة ذاكرة الريف ودرس "الكفاف عز" دعوة لإعادة النظر في علاقتنا بالاستهلاك، وللبحث عن توازن بين متطلبات العصر وضرورة العودة إلى شيء من الاكتفاء الذاتي الذي كان يمنحنا كرامة وعزة لم تعد متوفرة اليوم. فبينما كانت قلة الخيارات في الماضي نعمة، صارت وفرة الخيارات اليوم نقمة لمن لا يملك ثمنها.
