الجمعة 3 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • الصايدي: أبو حاتم ترك فراغًا يصعب ملؤه في العمل الوطني

الصايدي: أبو حاتم ترك فراغًا يصعب ملؤه في العمل الوطني

الصايدي: أبو حاتم ترك فراغًا يصعب ملؤه في العمل الوطني

قال رئيس جماعة نداء السلام، الأستاذ الدكتور أحمد قايد الصايدي، إن اللواء المهندس طيار حاتم أبو حاتم كان نموذجًا للمناضل الذي جمع بين الالتزام الوطني والصفات الإنسانية، وظل حاضرًا في مختلف المبادرات الهادفة إلى وقف الحرب وإحلال السلام في اليمن حتى أقعده المرض.

وخلال كلمة ألقاها في فعالية أربعينية الفقيد التي عقدت الخميس بصنعاء، استعرض الصايدي جانبًا من المسيرة المشتركة التي جمعته بأبو حاتم في عدد من الأطر الوطنية، بينها التجمع الوطني لمناضلي الثورة اليمنية، ولجنة تنسيق الجهود لإيقاف الحرب وإحلال السلام، وجماعة نداء السلام، مؤكدًا أن الفقيد كان من أكثر الداعين إلى تنشيط العمل السياسي وإحياء دور الأحزاب في مواجهة التحديات التي تعصف بالبلاد.

وفيما يلي تنشر «النداء» نص الكلمة:

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة رئيس جماعة نداء السلام

في أربعينية فقيد الوطن، اللواء مهندس طيار حاتم أبو حاتم

الحاضرون جميعاً، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

ليس سهلاً عليَّ أن أتحدثَ في أربعينيةِ الراحلِ العزيزِ، اللواء مهندس طيار حاتم أبو حاتم. فالكلماتُ تتعثر، عندما يفقدُ الإنسانُ عزيزاً، كان حضورُه ملءَ السمعِ والبصر. وكان جزءاً من جماعةِ نداءِ السلام، يصعبُ تصورُ غيابِه عنها. وسيحتاجُ زملاؤُه فيها إلى وقتٍ طويلٍ، حتى يتقبلوا عدمَ حضورِه، ويعتادوا على غيابِه.

عندما أتذكرُ حاتمَ الصديقَ، والزميلَ في جماعةِ نداءِ السلام، تطغى لدي صورةُ حاتمِ الإنسان، على صورةِ حاتمِ المناضل. ويتعززُ عندي اليقين، بأن المرءَ لا يستحقُ صفةَ المناضلِ، إذا لم يتحلَّ بالصفاتِ الإنسانيةِ أولاً. من هنا، ولأن صورةَ حاتم الإنسان هي أكثر التصاقاً بذاكرتي، سأدع الحديثَ عن نضاله المتعدد الجوانب، لرفاقه في التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، ولمن رافقوه في مسيرته النضالية، منذ مطلع شبابه، حتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى. وأكتفي في هذه الكلمة القصيرة، بإشارات سريعة إلى الملمحِ الإنسانيِّ في شخصيته. الملمحِ الذي لمستُه فيه خلال عملنا المشترك، على مدى عقدٍ ونصفِ العقدِ من الزمن.

فصورةُ حاتم في ذهني، من خلالِ عملنا معاً في (لجنةِ المناضلينَ القدامى) ثم في (التجمعِ الوطني لمناضلي الثورةِ اليمنية)، ثم في (لجنةِ تنسيقِ الجهود، لإيقافِ الحربِ وإحلالِ السلام)، ثم أخيراً في (جماعةِ نداءِ السلام)، هي صورةُ الإنسانِ، المخلَّقِ، الطيبِ، الودودِ، المرحِ، المتسامحِ، سهلِ المعشر، الذي يُلطِّفُ أجواءَ النقاشاتِ الحادة، بضحكة لطيفة، أو طرفةٍ تعيد النقاشَ إلى إطاره الطبيعي، ويعود الجميعُ إلى هدوئِهم، وإلى لهجتِهم غيرِ المتوترةِ، في النقاشاتِ التي تتناولُ قضايا، لا يمكنُ للإنسانِ إزاءَها إلا أن يتوتر. وعلى رأسِها قضايا الحربِ والسلامِ، وبناءِ الدولةِ اليمنية الجامعة، بكل تعقيداتِ بنائها ونزاعات أطرافِها وتداعياتِ غيابها على حياةِ الناسِ البسطاء، الذين بلغ بهم البؤس مبلغاً، لم يعدْ يُحتملْ، وفقدوا مصادرَ دخلِهم، وعجزَ معظمُهم عن تأمينِ لقمةِ العيش الجافةِ لهم ولأطفالِهم، وكاد الجميعُ يفقدُ الأملَ في عودةِ الحياةِ إلى ما كانت عليهِ قبلَ المحنةِ التي حلت بالوطن وطالَ أمدُها، وانعدمَ فيها إحساسُ السلطاتِ المتعددة المنتشرة على جغرافية اليمن، بمعاناة مواطنيها وبمسؤوليتِها تجاهَهم، وغابت عنها المعانيَ العظيمةُ، لقولِ الرسولِ الأكرمِ، صلى الله عليه وسلم: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته". وخمدَ الفعلُ المؤثرُ لأحزابِنا السياسية، وغابت عن المشهد السياسي، واغتربت بعيداً عن قضايا الوطنِ ومعاناةِ أبنائِه. وصودرَ القرارُ السياسيُّ اليمني، وأصبح مصيرُ اليمنِ مرهوناً بإرادةِ الخارج. إلى غير ذلك من القضايا المؤلمة، التي تسببُ التوترَ، وتدفعُ الإنسانَ إلى حافةِ الجنون.

فكيف كان حاتم يفلحُ في إشاعةِ الهدوءِ والتفاؤلِ في اجتماعاتٍ، كانت هذه القضايا على رأسِ جدولِ أعمالِها!!

لقد عملنا معاً في لجنةِ المناضلين القدامى، التي تشكلت ضمنَ تسعِ لجانٍ تابعةٍ للمجلسِ الأعلى لملتقى التشاورِ والحوارِ الوطني، الذي كان على رأسِه الأستاذُ محمد سالم باسندوه وبعضُ قادةِ الأحزابِ السياسية. وعندما لاحظنا تقاعسَ المجلسِ الأعلى عن التفاعلِ مع لجنةِ المناضلين، وعدمِ الرد على رسائِلها وتساؤلاتِها ومقترحاتِها، وانخراطَه في المهمةِ الجديدة، وهي الإعدادُ لمؤتمرِ الحوارِ الوطني الشامل، وإهمالَه اللجانِ التسعِ التابعةِ له، ومن بينها لجنةُ المناضلين القدامى، طُرحت فكرةُ إعدادِ خطةِ عملٍ خاصةٍ بلجنةِ المناضلين. وشُكلت لجنةٌ لإعدادها. وجُهزت الخطةُ وبدأ العملُ بها، بعيداً عن الملتقى ومجلسه الأعلى.

ومهد هذا الأمرُ للاستقلال عن الملتقى، والعملِ تحت اسمٍ جديد، وهو (التجمع الوطني لمناضلي الثورة اليمنية). وانطلق التجمع في نشاطه المستقل، يحاورُ من استجاب للحوارِ من الأطرافِ السياسيةِ اليمنية، ويصدرُ البياناتِ والمبادراتِ، ويحددُ مواقفَ معلنةْ، من الأحداثِ الجاريةِ والقضايا المصيرية، وعلى رأسِها قضايا الحربِ والسلامِ وبناءِ الدولة. وكانت أولى مبادراتِه المبكرةْ، مبادرةٌ هدُفها إنهاءُ الحربِ والتوجُهُ إلى طاولةِ الحوارِ، ووضعُ الأسسِ لدولةِ الشراكةِ الوطنيةِ والمواطنةِ المتساويةِ والتبادلِ السلمي للسلطةِ، عبرَ صناديقِ الانتخابات. وقد أُعلنت تلك المبادرةُ، في 15 مايو 2015م. ولم يكن قد مضى شهران على بدءِ الحرب.

ومع اشتدادِ الحربِ، وتوالي الكوارثِ على الشعبِ اليمني، أطلق التجمعُ الوطنيُّ لمناضلي الثورةْ اليمنية، في مطلعِ فبرايرْ، من عام 2017م، بالتعاونِ مع بعضِ الشخصياتِ الوطنيةِ الرافضةِ للحربِ واستمرارِها، أطلق نداءَ السلامِ، الموجهِ إلى دولِ الجوارِ العربيةِ والإسلامية، وإلى الجامعةِ العربية، والأمم المتحدة، والدولِ دائمةِ العضويةِ في مجلسِ الأمن، طالب فيه بوقفِ الحربِ وإحلالِ السلام، ومساعدةِ اليمنيين على التوجهِ نحوَ بناءِ دولتِهم، عبرَ حوارٍ وطنيٍّ، يضمُ كلَ القوى السياسيةِ اليمنيةِ الفاعلة.

وقد تطلب إطلاقُ النداءِ وإيصالِه إلى الجهاتِ المعنية، تشكيلَ لجنةٍ خاصةْ، سميت (لجنةَ تنسيقِ الجهودِ لإيقافِ الحربِ وإحلالِ السلام). ووقعت على ذلك النداءْ، شخصياتٌ من أبرز الشخصياتِ اليمنيةْ، من الأكاديميينَ والمثقفينَ والسياسيينَ والنقابيينَ والناشطينَ الحقوقيينْ، والصحفيينَ والوجهاءِ ورجالِ الأعمالِ، بلغ عددُهم، حتى لحظةِ تسليمِه إلى مكتبِ الأممِ المتحدةِ في صنعاء، وإرسالِه إلى سفاراتِ الدولِ الدائمةِ العضويةِ في مجلسِ الأمن، ما يقارب خمسَ مئةِ شخصية.

وعلى إثرِ ذلك تم إنشاءُ إطارٍ جديدٍ، باسم (جماعةِ نداءِ السلام)، نسبةً إلى ذلك النداء، ضمَ ثلاثةَ مكونات (التجمعَ الوطنيِّ لمناضلي الثورةِ اليمنيةْ، ولجنةَ تنسيقِ الجهودِ لإيقافِ الحربِ وإحلالِ السلام، ومنتدى الحوارِ الفكري). وباشرت الجماعةُ التواصلَ مع المكوناتِ السياسيةِ الرئيسيةْ، وإصدارَ البياناتِ والمبادراتِ، وإعلانَ المواقفِ، تجاه الأحداثِ المهمةِ في اليمنِ وفي الوطنِ العربي. وأوصلت مواقفَها وبياناتِها ونداءاتِها، إلى الأممِ المتحدةْ، والدولِ الدائمةِ العضويةِ في مجلس الأمن، كلما استدعى الأمرُ ذلك.

وطوالَ عملِها هذا ظلت معتمدةً على نفسِها من الناحيةِ الماليةْ، مكتفيةً بالاشتراكات الزهيدةِ التي يدفعها أعضاؤها، رافضةً أيَّ دعمٍ ماليٍّ من أيِ جهةٍ داخليةٍ أو خارجيةْ. لتُجنِّبَ نفسَها الوقوعَ تحت أيِ تأثير.

ضمن هذه الأطرِ، عمل فقيدنا وزملاؤه، على مدى عقدٍ ونصفِ العقدِ من الزمن، حتى غادرهم إلى مثواهِ الأخير. وعلى امتدادِ هذه المسيرة، كان حاتمْ هو ملحُ الاجتماعاتِ ونكهتُها المميزة وروحُها المريحةِ المرحة. وكان إذا ما شعر أحدُنا بعد انفضاض الاجتماعِ وعودةِ كل منا إلى منزله، بأن النقاشَ مع حاتم قد شابه بعضُ التوتر، وبادر إلى الاتصالِ به تلفونياً وأبدى أسفَه لذلك، سرعان ما يرسلُ حاتمُ ضحكتَه عبر الهاتفِ برداً وسلاماً، وهو يتساءلُ عن دواعي الأسف، مستغرباً، ومؤكداً أنه لا يذكر شيئاً. بهذه السماحة كان يتعاملُ مع الجميع. ولذا أحبَّه الجميعُ، كإنسانٍ، قبل أن يحبوه كمناضل.

وكان حاتم كثيراً ما يلحُّ في اجتماعاتِنا على ضرورةِ التحركِ، لتنشيطِ دورِ الأحزابِ السياسيةِ اليمنية، ولا سيما الكبيرةِ منها، وحثها على تصحيح أوضاعِها، وإعادة تأهيل نفسها وإحياءِ دورِها المؤثرِ في الأحداثِ الجارية. وكثيراً ما كان يبدي أسفه على حالةِ الضعفِ العام، التي تعيشها الحركة السياسية العربية، ويرى ضرورةَ التواصلِ، بصورةٍ خاصة، مع قيادات حزبِ البعث العربي الاشتراكي، وحثها على تجاوز خلافاتها الداخلية، وتوحيد حزبها، بتنظيماته الممتدة على ساحة الوطن العربي كله، ليتمكن من أداءِ دورِه، في ظل غيابٍ كامل للحركةِ السياسيةِ العربيةِ المنظمة، القادرةِ على قيادةِ جماهيرِ الأمةِ، في هذا الزمنِ الصعب.

بهذه الروحِ الوطنيةِ العروبيةِ، كان حاتمُ يحملُ همومَ الوطنِ وهمومَ الأمة. وكان ينظر إلى جماعةِ نداءِ السلامْ، على أنها الصوتُ الذي يمكن أن يعوضَ عن خفوتَ أصواتِ الأحزابِ السياسيةِ اليمنية، وأن يسدَّ بعضاً من الفراغِ الناتجِ عن غيابِ الفعل السياسيِّ المؤثر لهذه الأحزاب. ولذا لم ينقطعْ عن أيِّ اجتماعٍ للجماعةِ، مهما كانت الظروفْ، إلا إذا اضطُّر إلى السفرِ للعلاج في الخارج. وظل هذا حالُه، حتى أقعدَه المرضُ ودخل في غيبوبةٍ، هيأته للرحيلِ الأبدي، مشيَّعاً بالحب والحزن معاً. تاركاً فراغاً وسْطَ جماعةِ نداءِ السلامْ، يصعبُ ملؤُه. ومخلفاً وراءَه إحساساً لدى من عرفه، بأن الوطنَ قد فقد برحيله رجلاً من أخلص رجالِه وأنقاهم. وهذه مشيئة الله وقضاؤه في خلقه، ولا رادَّ لقضائه. له ما أعطى وله ما أخذ. رحم الله فقيدَنا الغالي وأسكنه فسيحَ جناته، وألهمنا جميعاً: أسرتَه وأهلَه وعشيرتَه ورفاقَه في التنظيم الوحدوي الناصري وزملاءَه في جماعةِ نداءِ السلام، وكلَّ محبيهِ على امتداد اليمنِ والوطنِ العربي، الصبرَ والسلوان. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

والسلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه.

أ.د. أحمد قايد الصايدي

صنعاء، 2 يوليو 2026م