الأربعاء 1 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • نزيف يومي للآثار: مجموعة ذهبية من ظفار والجوف

عندما تخون السلطة

نزيف يومي للآثار: مجموعة ذهبية من ظفار والجوف

نزيف يومي للآثار: مجموعة ذهبية من ظفار والجوف

في وضح النهار، وتحت جنح الظلام، يستمر نبش المواقع الأثرية والعبث فيها وتدميرها دون توقف. لم يعد يجدي الكلام. تعترف الحكومة الشرعية في عدن وحكومة الأمر الواقع في صنعاء، بعجزهما عن مكافحة هذه الظاهرة، بحسب ما تثبته وثائقهم ومراسلاتهم الرسمية، كل جهة على حدة.

في الحقيقة، لا يهمهم هذا الأمر. ربما لأن آثار اليمن ليست آثارهم، ولا التاريخ تاريخهم، ولا الأرض أرضهم.

ربما هم عابرون قذفتهم الأمواج إلى شواطئ ومراسي زيلع وعدن، أو حملتهم الرياح إلى مفازة صَيهد، أو نسيتهم قوافل الحج في درب الحج الجبلي. لا يوجد تفسير آخر لصمتهم وسكوتهم وعجزهم عن اتخاذ الحلول.

نحن اليوم أمام مجموعة من الحُلي الذهبية النادرة، معروضة في إب، قد نشاهدها لاحقًا في مزادات دولية أو متاحف إقليمية، مزودة بوثائق مزورة تدعي أنها غادرت اليمن أيام الاحتلال البريطاني، أو أنها هدية من الحاكم الفلاني، أو أنها من غرب آسيا.

تطرح هذه المجموعة الذهبية المنهوبة، القادمة من ظفار والجوف، إشكالية أساسية تتجاوز قيمتها الجمالية والمادية؛ فهي تمثل شاهدًا نادرًا على تقاليد صياغة محلية ازدهرت في اليمن القديم ضمن فضاء واسع من التبادل الثقافي بين اليمن القديم والعالم.

تكشف الصفائح والأقراط والخواتم والأساور عن تداخل واضح بين الوظيفة الزخرفية والرمزية الدينية والاجتماعية.

كما تسمح تقنياتها، من الطبع على القوالب إلى التحبيب والأسلاك الذهبية، بإعادة قراءة مهارة الصائغ اليمني القديم.

أردت في هذا المقال مشاركة جماعية في تخليد ذكرى هذا العبث.

تواصلت مع البروفيسور أ.د. عارف أحمد المخلافي، أستاذ التاريخ، ليحدّثنا عنها، لكنه عبّر عن هول المصيبة، فقال:

"من خلال هذه القطع وغيرها يحق لنا أن نتساءل: هل هناك أيادٍ خارجية وداخلية متفقة على تخريب حضارة اليمن وطمس معالمها وسرقة كنوزها؟ ما يجري بهذا الشكل وفي وضح النهار، كما يتضح من الفيديوهات المتداولة، وصور القطع المسربة، يدعو للريبة! أدعو مجلس الرئاسة والحكومة إلى سرعة تشكيل لجنة تحقيق على أعلى المستويات، للوقوف على هذه الكارثة التي لا تقل أهمية عن محاولات تمزيق الوطن وإضعاف كيانه وتدمير اقتصاده، وشل دولته، وتحويل شعبه الذي يمر بظروف قاسية إلى نباشين وتجار آثار. يجب ألا ننظر للأمر من زاوية الأولويات، فالآثار وجدت في التاريخ مرة واحدة، ولن تتكرر. ومن هنا تنبع أهميتها كونها تمثل سيرة حياة الإنسان اليمني ومنجزاته عبر العصور. ويجب على الجميع استشعار حجم الكارثة، والتصدي للعابثين بكل جدية ومسؤولية".

أما الصديق العزيز، الذي يحلو لي مناداته بسفيرنا الشاب، محمد عطبوش، فقد كتب:

"هذه مجموعة ثمينة تضاف إلى نماذج مشابهة موثقة ومعروفة في المتاحف اليمنية، وظهورها معزولة من سياقها في المزادات والمجموعات الخاصة، يؤكد استمرارية استنزاف الآثار اليمنية، وأحيانًا يعوق إمكانية إثبات مصدرها، وبالتالي دراستها بالشكل العلمي المطلوب. والخاتمان الذهبيان يشبهان خاتمًا منحوتًا باسم "أبيكرب" ضمن مجموعة فيرنر داوم، ويعرض حاليًا في متحف فينكلمان. وتجد صورته في كتالوج ميونخ ص146، وطريقة الكتابة بالتحبيب تظهر أيضًا في قطعة ذهبية أخرى نشرها الدكتور محمد مرقطن في نفس الكتالوج، ص148".

ولشرح تفاصيل هذه المجموعة وأهميتها، كتبت عالمة الآثار المتخصصة في الحُلي والمجوهرات في اليمن القديم، د. ليلى عقيل، وصفًا تفصيليًا أورده أدناه:

إنها "صفائح ذهبية رائعة بمواضيع ذات صبغة محلية واضحة، ربما كانت جزءًا من أسورة أو زينة تخاط على الملابس. صنعت بتقنية الطبع على قالب بدامغات قليلة العمق، وهي إحدى التقنيات المعروفة في صناعة الحلي اليمنية القديمة. رأس الثور من الرموز المعروفة، ويظهر على الكثير من التمائم اليمنية القديمة، ويمثل بقرنيه رمزًا إلهيًا مرتبطًا بالقمر، الزخرفة النباتية (rosaces) من المواضيع المعروفة أيضًا، ونجد العديد منها منفردة وبثقوب ربما لملابس في متحف عدن الوطني NAM 659, NAM 690، وهي تتماثل مع حلي من الفترة الساسانية، كما تظهر على العديد من المنحوتات الحجرية كأعمدة التيجان في ظفار من القرنين الرابع والخامس الميلاديين.

الأقراط الذهبية تمثل تنوعًا جديدًا لنماذج محلية معروفة لدينا، عرفت فقط في اليمن القديم، وتعتبر الأقراط الأساسية فيه، وبهذا تكمن أهميتها، وهذا يعني تفردًا في الذوق المحلي. فهي تتماثل مع نماذج عديدة في متحفي (عدن وصنعاء)، وبرونزية من جبل العود، وصنعت بتقنيات الحبيبات وبزخارف هرمية، وتحمل صيغة سحرية دينية خاصة بالحماية (ود أب)، وهذا كله يعتبر بصمة محلية خاصة. إضافة إلى ذلك زين طرفا الحلق بأطواق محببة، وهي ميزة أخرى محلية يلتزم بها الصائغ، ونأخذها بعين الاعتبار للتعرف على القرط المحلي. القرط نصف الدائري معروف لدينا، ولكنه هنا صنع بتقنيات أكثر تعقيدًا، أي حبيبات وأسلاك ذهبية. تاريخ الأقراط التقريبي يعود إلى القرنين الأول والثاني. هذه هي المرة الأولى التي نتعرف فيها على قرط تميمة بنقش محبب.

القرط النصف الدائري يتشابه مع الأقراط السورية النبطية.

في ما يخص الخواتم الذهبية تحتوي متاحف اليمن على ما يماثلها، وتحمل فصوصها التي غالبًا ما تكون من العقيق، مواضيع إغريقية ورومانية، وقد انتشرت في كل شبه الجزيرة العربية عن طريق الخط التجاري، عثر على ما يماثلها في جبل العود والعصيبية وموقع ثاج في السعودية.

الأسورة المبرومة برأس حيوان ربما كبش، من الأساور ذات الشهرة الكبيرة في العالم القديم، وبخاصة في الفترة الإغريقية الكلاسيكية، ويوجد ما يماثلها في مجموعة دار الآثار الإسلامية في الكويت، وكذلك موقع العصيبية (خالد العنسي، القبر الملكي دراسة أثرية للقبر في العصيبية، ص١٠٨)، وفي قرية الفاو من القرن الأول -الثالث الميلادي".

ختامًا، تضعنا هذه المجموعة الذهبية المنهوبة أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها: تاريخنا يضيع، وأقصى ما يمكننا فعله، في ظل عجز وتخاذل وعبثية السلطة، هو الاحتفاظ بالصورة، وتوثيق الحادثة، وترك التفاصيل الفنية شاهدة. ربما يأتي، يومًا، من ينقذ تاريخنا، قادمًا من حي شعبي، أو مخيم لجوء، أو فصل دراسي بلا سقف؛ شاهدًا على سلطة لم تحافظ على آثارنا، ولم تقدم للشعب أدنى مقومات الحياة الكريمة.