أغلقوا الحنفية لينجو اليمن
يعد رئيس الوزراء الراحل الأستاذ محسن العيني، من أبرز الشخصيات السياسية اليمنية التي تناولت طبيعة العلاقات اليمنية السعودية بقدر كبير من الصراحة، فقد كان يرى أن استمرار التدخلات الخارجية في الشأن اليمني أسهم في إضعاف الدولة وإطالة أمد الصراعات، ونسب إليه قوله إن السعودية لو أغلقت الحنفية وأوقفت التدخل في شؤون اليمن، لتوقفت الحروب والمشاكل، وبدأت التنمية، وأصبح اليمن عونًا لجيرانه والمنطقة كلها، وأقيمت علاقات طبيعية مع السعودية تقوم على الإخاء والمودة والمصالح المشتركة. وتعكس هذه الرؤية قناعة بأن استقرار اليمن يبدأ بامتلاك قراره الوطني بعيدًا عن التأثيرات الخارجية، مهما كانت دوافعها أو مبرراتها.
لقد اتسمت العلاقات اليمنية السعودية، عبر العقود، بالتداخل الجغرافي والتاريخي والقبلي والسياسي والاقتصادي، وهو ما جعلها من أكثر العلاقات العربية تعقيدًا وتشابكًا، فالمملكة العربية السعودية تنظر إلى اليمن باعتباره عمقًا استراتيجيًا لأمنها القومي، بينما يرى كثير من اليمنيين أن النفوذ السعودي تجاوز في مراحل مختلفة حدود التعاون الطبيعي إلى التأثير المباشر في القرار السياسي وفي موازين القوى الداخلية. وقد أسهم ذلك في جعل العلاقة بين البلدين تتأرجح بين التعاون والشراكة من جهة، وبين التنافس والاختلاف حول طبيعة إدارة الملف اليمني من جهة أخرى. كما أن اعتماد كثير من القوى السياسية اليمنية على الدعم الخارجي أضعف مؤسسات الدولة، وشجع على الانقسامات الداخلية، وخلق بيئة أصبح فيها البحث عن الدعم الخارجي يتقدم على البحث عن التوافق الوطني، وهو ما انعكس سلبًا على بناء الدولة وعلى قدرتها في إدارة خلافاتها عبر المؤسسات الدستورية والقانونية.
وفي المقابل، يرى باحثون ومراقبون أن الأزمة اليمنية لا يمكن تفسيرها بعامل واحد أو بطرف خارجي فقط، فهي نتاج تراكمات طويلة من الصراعات السياسية والانقسامات الاجتماعية وضعف مؤسسات الدولة وانتشار الفساد والصراعات المسلحة، إضافة إلى تعدد التدخلات الإقليمية والدولية، ولذلك فإن معالجة الأزمة تتطلب إصلاحًا وطنيًا شاملًا يعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها، بالتوازي مع بناء علاقات متوازنة مع دول الجوار تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل، والتعاون لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية المشتركة.
ومن هذا المنطلق، تبقى الفكرة التي ارتبطت بمحسن العيني دعوة إلى إعادة صياغة العلاقات اليمنية السعودية على أسس جديدة تجعل المصالح المشتركة والتنمية وحسن الجوار بديلًا عن الصراعات والتنافس على النفوذ، فاليمن عندما يمتلك دولة قوية ومؤسسات مستقلة وقادرة على اتخاذ قراراتها الوطنية بحرية، سيكون أكثر قدرة على حماية مصالحه الوطنية، وفي الوقت نفسه سيكون أكثر قدرة على أن يكون شريكًا موثوقًا للمملكة ولدول المنطقة كلها. فاستقرار اليمن ليس مصلحة يمنية فحسب، بل يمثل ركيزة أساسية لاستقرار الجزيرة العربية والأمن الإقليمي.
وبرأيي الشخصي، فإن التجربة الممتدة طوال العقود الماضية، ولا سيما خلال سنوات الحرب، كشفت أن كثيرًا ممن ارتبطوا بعلاقات وتحالفات مع السعودية من القوى والشخصيات اليمنية سواء داخل الشرعية أو خارجها، لم ينظروا إلى المملكة باعتبارها شريكًا استراتيجيًا ينبغي الحفاظ على مصالحه واستقرار علاقته باليمن، بقدر ما نظروا إليها بوصفها مصدرًا للدعم والتمويل والمكاسب الشخصية والسياسية، ولذلك بقيت المصالح الآنية هي التي تحكم سلوك كثير من هؤلاء، أكثر من حرصهم على بناء شراكة حقيقية بين البلدين. وقد انعكس ذلك سلبًا على اليمن، كما لم يحقق للسعودية الاستقرار الذي كانت تسعى إليه.
ومن هنا، فإن المملكة العربية السعودية مدعوة إلى إجراء مراجعة شاملة لتجربتها في اليمن، والانتقال من سياسة الاعتماد على الأشخاص والقوى المتغيرة، إلى بناء علاقة استراتيجية مباشرة مع الدولة اليمنية، تقوم على الاحترام المتبادل والندية الكاملة، وعدم التدخل في القرار الوطني، وعلى المصالح المشتركة والتنمية والتكامل الاقتصادي والأمني. فالعلاقات التي تبنى على المؤسسات والدول لا على الأفراد والولاءات العابرة، تكون أكثر رسوخًا واستدامة، واليمن القوي والمستقر والمستقل سيظل الضامن الحقيقي لأمن المملكة واستقرار المنطقة، أما استمرار الرهان على شبكات المصالح الضيقة، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات، واستمرار دوائر الصراع بما يضر بمصالح الشعبين اليمني والسعودي على حد سواء.
