الجنوب وتجريف الذاكرة (4)
بعد حرب صيف عام 1994م ظهرت قيادات جنوبية تطالب بوقف سلطات الأمر الواقع وما كانت تسميه بالاحتلال الشمالي للجنوب، وقامت تلك القيادات الموجودة في المنفى بتأسيس جبهة جنوبية سميت فيما بعد بحركة موج (الجبهة الوطنية للمعارضة الجنوبية)، وهي أول كيان سياسي معارض تأسس في نوفمبر 1994م، وكان رئيس حزب رابطة أبناء اليمن المسمى قبل الوحدة وفي فترة وجود الاستعمار البريطاني في عدن، رابطة أبناء الجنوب، وهو الأستاذ عبدالرحمن الجفري، نائب الرئيس في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، التي أعلنها الأستاذ علي سالم البيض، أيام ما كانت القوات الشمالية تتحرك باتجاه الجنوب.
وقد هدفت حركة موج إلى معارضة سياسة نظام صنعاء، ومثلت الشرارة الأولى للمقاومة الجنوبية، ومهدت الطريق لحركات أخرى أولها الحراك الجنوبي عام 2007م. وقد تأسست حركة موج لترتيب أوضاع النازحين الجنوبيين ورفض الواقع السياسي والعسكري الجديد، وركزت قيادة الحركة على مقاومة الهيمنة والمطالبة بفك الارتباط واستعادة دولة الجنوب، وسبق لذلك التقدم نحو عدن وبقية المحافظات أن قام الرئيس السابق علي عبدالله صالح بالتوقيع على وثيقة الحرب الاستراتيجية، وهي وثيقة أدخلت حزب الإصلاح كشريك رئيس في تلك الحرب، مقابل أن يكون للإصلاح المؤدلج والإصلاح القبلي والديني نصيب من كعكة الجنوب. ووقع تلك الاتفاقية في حينها الشيخ عبدالمجيد الزنداني عن التجمع اليمني للإصلاح.
وكان الهدف من دخول تلك الحرب من قبل الزنداني وحزبه الحصول على مكاسب كبيرة في الجنوب، ومن تلك المكاسب السيطرة على المنابع النفطية والسيطرة على المساحات الشاسعة والمباني الحكومية والخاصة في عدن وغيرها من مدن الجنوب، وتحويل الجنوب إلى أرض مستباحة، وهو ما حدث عند دخول القوات الشمالية العسكرية والقبلية والدينية أن تعرض الجنوب للنهب المنظم، فنهب كل شيء في الجنوب، ووصل الأمر بقوات الشمال اليمني أن نهبت مقرات الحكومة وأقسام الشرطة وبيوت قادة اليمن الديمقراطية الشعبية، وتم نهب مقرات الحزب الاشتراكي اليمني واتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين واتحاد نساء اليمن وغيرها من الاتحادات، ووصل الأمر أن قامت القبائل المشاركة في تلك الحرب والداعمة للجيش المتقدم من صنعاء والمشارك فيه قيادات جنوبية، وعلى رأسهم الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي، وقيادات جنوبية أخرى كانت قواتها الجنوبية هي القوات الأولى التي دخلت مدن الجنوب، فكانت تلك القوات هي التي مهدت لعودة الحياة إلى مدن الجنوب، ولم تتدخل لإيقاف النهب المنظم الذي تعرضت له قدرات الدولة في ما كان يسمى قبل عام 1990م جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
وأصدقكم القول إنني رأيت وشاهدت بأم عيني أثناء عملي في مديرية نهم، وأثناء مروري في مديريتي بني الحارث وبني حشيش، ناقلات وصهاريج وسيارات تابعة لوزارات الزراعة والثروة السمكية والمياه والبيئة، وأبناء تلك المديريات شاهدتهم ينقلون بتلك الناقلات وتلك السيارات المياه لري غروس القات، وشاهدت أرقام تلك الناقلات تحمل اسم إدارة المرور في عدن، ومايزال على جوانب تلك الناقلات أسماء الوزارات التابعة لها في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وكان ذلك نهاية عام 1994م.
وبعد عام 1995م ظهرت أصوات جنوبية تطالب بتصحيح مسار الوحدة، وكان على رأس من طالب بتصحيح مسار الوحدة الدكتور محمد حيدرة مسدوس، والأستاذ حسن باعوم، وأصوات جنوبية أخرى لا أتذكرها. وخلال تلك الفترة نشرت آراء هؤلاء صحيفة "الثوري"، وكان هناك من يرى أن بروز تلك الأصوات في تلك المرحلة يهدد الحزب الاشتراكي اليمني بالتشظي والانقسام، بعد أن ظهرت قيادات محسوبة على الجبهة الوطنية الديمقراطية، وقامت بإصدار صحيفة "الثوري الوحدوي"، وكان من قام بذلك الأستاذ محمد عبدالله الدغيش، ومعه الأستاذ محمد منصور عبادي، اللذان انسحبا من هذه المحاولة، وأدركا مبكرًا أن هناك مؤامرة تحيكها السلطة في صنعاء لتفريخ الحزب الاشتراكي اليمني وتمزيقه، وعادا الاثنين إلى بيتهما الطبيعي الحزب الاشتراكي اليمني. وكان الأستاذ محمد منصور عبادي بذل الغالي والرخيص في انتخابات ٢٠٠١م، وكان حريصًا على فوز مرشحي الحزب الاشتراكي اليمني للانتخابات المحلية، ورافق الشهيد جار الله عمر في زياراته لأغلب مديريات محافظة تعز قبل أسابيع وأيام من تلك الانتخابات.
وكان هناك للأسف من يعارض هذه المطالب المتمثلة بتصحيح مسار الوحدة، خوفًا من ظهور تفريخات جديدة تستهدف الحزب الاشتراكي اليمني في تلك الفترة. وهناك من أبناء الجنوب من عارض هذه المطالب لوجود توجسات لديهم وخشية من تشتت الجهود الوطنية باتجاه الوحدة ولملمة الشمل بطريقة جديدة مغايرة للطريقة التي سبقت حرب صيف عام 1994م، دون إدراك لحقيقة مطالبهم في تلك المرحلة التي تعرض أصحابها للجلد والاتهام بمحاولة شق الصف.
وقد طرحت مطالب تصحيح مسار الوحدة في المؤتمر الخامس للحزب الاشتراكي اليمني، وتم استيعاب تلك المطالب، ووضعت ضمن مشروع البرنامج السياسي للحزب الاشتراكي اليمني الجديد المصوت عليه من مندوبي المؤتمر الحزبي، والذي أشرنا إليه. وأنا أرى أن مطالب تصحيح مسار الوحدة لو استوعبتها الدولة وتقبلها مثقفو الحزب الاشتراكي اليمني وبقية الأحزاب في ذلك الوقت، لخرجت البلاد مما كانت عليه إلى أوضاع أكثر انسجامًا، ولو كان الرئيس صالح ومستشاروه تفهموا تلك المطالب، لكانت البلاد خرجت في وقت مبكر من حال إلى حال، ولو كان صالح أصدر قرار العفو العام ضد قيادات الجنوب الصادرة عليهم أحكامًا بالإعدام وأحكامًا أخرى أثناء حرب 1994م، لكانت الأمور اختلفت تمامًا، وبدأت الأمور السياسية المعقدة تتحلحل، ولتحسنت أوضاع البلاد سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. ولو كان الرئيس صالح أعاد الجيش الجنوبي وقياداته وموظفي الدولة الجنوبية إلى وظائفهم، لكان الوضع الاقتصادي والاجتماعي في مدن الجنوب قد تغير نحو الأحسن.
وفي العدد القادم سنتحدث عما جرى في عام 2007م، وعن الحراك الجنوبي، وما تلى ذلك من أمور وصولًا إلى عام 2014م، وإذا تبقى في الموضوع مساحة سنتحدث عن الممارسات التي عمقت الشرخ بين الشمال والجنوب باتجاه اللاعودة، وما أثر ذلك على النسيج الاجتماعي اليمني شمالًا وجنوبًا.
