اليمن... حين يصبح الفساد هو العنوان
لم يعد يختزل اليمن اليوم في سنوات الحرب التي طالت، ولا في صراعاته السياسية التي تتنازعها أطراف السلطة والنفوذ، بل بات عنوانه الأبرز هو الفساد الذي تمدَّد في مؤسسات الدولة والمجتمع، حتى أصبح جزءًا من المشهد اليومي الذي يُثقل كاهل المواطنين شمالاً وجنوباً.
في الجنوب، لم يعد شكل الفساد متمثلاً في سوء الإدارة وسوء الخدمات المجتمعية الأساسية المرتبطة بأبسط مقومات الحياة من ماء وكهرباء وصحة وغيره، بل امتد الفساد ليشمل الممارسات اللاقانونية، بدءاً من الابتزاز المالي، مروراً بالاعتقالات التي تتم دون مبررات قانونية واضحة، ووصولاً إلى تسريبات ومكالمات صوتية تكشف جانباً من ملفات هذا الفساد، في مشهد صادم يُثير تساؤلات عميقة حول مدى تآكل منظومة العدالة وسيادة القانون في اليمن.
ولعل قضية مازن حازب المُثارة مؤخراً خير مثال على فساد مستشرٍ داخل أروقة الإدارات السياسية والعسكرية، ونفوذ يطال الناس وأعراضهم دون أن يرف لمرتكبيها جفن، حيث كشفت منصة "أبناء عدن" عن تسجيلات صوتية وشهادات تتعلق بقيادي أمني في قوات الأمن الوطني بمدينة عدن، تتضمن مكالمة صوتية بين مازن حازب وفتاة تبلغ من العمر 17 عاماً، تعرضت أسرتها لمداهمة أمنية في مديرية المنصورة أعقبها اعتقال أقاربها، وقد تمثلت الانتهاكات في محاولة ابتزاز واستدراج فتاة للخروج معه بعد اعتقال شقيقها وعمها، إضافة إلى توجيه أفراد تابعين له باحتجاز مركبات المواطنين وابتزاز مالكيها واعتقالات عشوائية وابتزاز المواطنين.
أما في الشمال، فلا يبدو المشهد أقل قسوة، فتردي الوضع الاقتصادي هناك والجوع الذي ينهش ملايين اليمنيين لم يعد مجرد أزمة إنسانية، بل تحوَّل في الخطاب الرسمي إلى قضية يُطلب من الناس الصمت عنها، ناهيك عن التهم الجاهزة لكل من يرفع صوته احتجاجاً على انهيار المعيشة أو انقطاع الرواتب أو تدهور الخدمات، بالخيانة أو العمالة، وهي التهمة التي تكررت على مدى ما يقارب الأحد عشر عاماً، تحت ذريعة "العدوان" وتحميله مسؤولية كل الإخفاقات التي ترتبط بسوء الإدارة والفساد وغياب المحاسبة.
وقد تجلَّى ذلك واضحاً في تصريحات أخيرة لمسؤولين عجزوا عن إيجاد حلول لمعاناة المواطنين، بقدر ما انشغلوا بمهاجمة أصواتهم، إذ أثارت تصريحات القائم بأعمال رئيس حكومة الحوثيين محمد مفتاح موجة غضب واسعة، عندما سخر من صرخات الجوع ودعا المواطنين إلى التوقف عن الشكوى والعمل دون مقابل. وتأتي هذه التصريحات في سياق خطاب سياسي متكرر اعتاد التشكيك في كل من ينتقد الأوضاع المعيشية ووصمه بالعمالة أو الخيانة، بدلاً من معالجة الأسباب الحقيقية للجوع والفقر والانهيار الاقتصادي.
أما القطاع الصحي في اليمن بشكل عام، فتبدو المأساة أكثر وضوحاً، إذ تعاني معظم المستشفيات نقصاً في المعدات والأدوية، علاوة على كوادر طبية تعمل في ظروف بالغة الصعوبة، ومرضى يواجهون الموت لأن العلاج أصبح رفاهية لا يقدر عليها معظم اليمنيين. يُضاف إلى ذلك ضعف تأهيل بعض الكوادر والأخطاء الطبية الفادحة التي تقع في أروقة المستشفيات، التي قد يدفع ثمنها حياته.
ولا يختلف حال القطاع التعليمي كثيراً عن بقية القطاعات المنهكة، إذ أدى انقطاع مرتبات آلاف المعلمين، خاصة في مناطق واسعة من شمال البلاد، إلى واحدة من أخطر الأزمات التعليمية في تاريخ اليمن، حيث يواصل كثير من المعلمين أداء رسالتهم التعليمية، رغم مرور سنوات دون رواتب منتظمة، تحت وطأة ظروف اقتصادية قاسية جعلت توفير أبسط احتياجات أسرهم معركة يومية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على جودة العملية التعليمية، فتراجعت كفاءة التعليم، وازدادت معدلات التسرب من المدارس، وأصبحت المؤسسات التعليمية تعاني نقصاً في الكوادر والإمكانات، في وقت يحتاج فيه اليمن أكثر من أي وقت مضى إلى الاستثمار في الإنسان وبناء جيل قادر على انتشاله من أزماته المتراكمة.
لقد أصبح الفساد أكثر حضوراً من الدولة نفسها، إذ يواصل الاقتصاد الانهيار، وتفقد العملة قيمتها يوماً بعد يوم، وتستمر الأسعار في الازدياد، وتواصل الخدمات العامة تدهورها وانهيارها يوماً بعد يوم، ويعجز المواطن عن الحصول على أبسط مقومات الحياة، في ظل حكومة قابعة خلف الحدود، عاجزة عن خدمة الإنسان في اليمن، ناهيك عن ملفات الفساد المالية التي تدار في أروقتها.
ومع كل هذه الظروف التي تعصف بالبلاد شمالاً وجنوباً، لا تزال الأولويات السياسية والعسكرية بالنسبة لجميع الأطراف المتصارعة في اليمن، كل في موقعه، تتقدم على احتياجات الإنسان الأساسية. لقد فقد المواطن اليمني ثقته الكاملة في الدولة التي جعلت المعاناة جزء لا يتجزأ منه.
وباختصار، فإن إنقاذ اليمن لن يتحقق بمجرد إسكات فوهات البنادق أو توقيع الاتفاقيات السياسية، بل باستعادة دولة القانون، ومحاسبة الفاسدين، وحماية كرامة الإنسان، وإعادة بناء المؤسسات المدنية على أساس العدالة والشفافية، والعمل على بناء الإنسان ليبني هو الوطن.
