الأحد 12 يوليو 2026
  • الرئيسية
  • زخات متناثرة من أسفار محمد المساح في الصحافة اليمنية..!

زخات متناثرة من أسفار محمد المساح في الصحافة اليمنية..!

كنت وعدت القراء في مقالة كتبتها تحت عن عنوان "أربع ساعات مع المساح"، أن أتناول ما خصني به فقيد الصحافة اليمنية الأستاذ محمد المساح في مقالة أكثر توسعًا من تلك المقالة التي كتبتها على إثر رحيله.

والمقالة التي بين يدي القارئ الكريم هي بمثابة الوفاء لذلك الوعد الذي التزمت به.

المساح يتوسط جميل حاجب والكاتب
المساح يتوسط جميل حاجب والكاتب

*

ما أزال أتذكر أنني يوم السابع من ديسمبر عام 2023م، كنت في الحجرية، وتحديدًا في عزلة «العزاعز» التابعة لمديرية الشمايتين بمحافظة تعز، على موعد مع لقاء استثنائي اختزل عقودًا من النضال والفكر والألم اليمني.

في هذا اليوم المشهود، التقيت بمعية الصديق والأديب الشاعر جميل منصور حاجب، القامة الصحفية الوطنية المخضرمة الأستاذ محمد المساح.

كنا في ضيافة الصديق محمد هائل السامعي بمحل عطارته بمدينة «المركز» الصغيرة القريبة من مدينة التربة.

لم يكن هذا اللقاء بالنسبة لي مجرد جلسة عابرة لتبادل الذكريات، بل كان توثيقًا حيًا لأيام أخيرة لعملاق رحل وفي قلبه غصص ثقيلة، وجعبة تفيض بأعباء وطنية ونضالية جمة، وأحلام عريضة لم يستطع الزمان أن يفت في عضدها، ولا أن يخمد غوارها المشتعل ذلك الاعتكاف القسري بريف تعز.

كانت هموم المساح في ذلك اللقاء كبارًا بكبر الوطن نفسه.

حدثنا الراحل عن تفاصيل غائرة لم يتضمنها الكتاب الصادر عنه قبل عام من رحيله، ووعدني بلقاءات وجلسات لاحقة لنرفد الحركة الثقافية بالكثير من خبايا الذاكرة، غير أن القدر كان أسرع، فاختطفه الموت قبل أن نستكمل سرد ما تمنّى البوح به لي.

رحل الأستاذ محمد المساح تاركًا وراءه غصة شخصية ووطنية كبرى؛ حزنًا دفينًا على ابنه الذي التهمته رمال صحراء الربع الخالي وهو يقاتل في صفوف الشرعية، تلك الشرعية التي تنكرت لتضحياته وتضحيات والده بفلذة كبده في سبيل الثورة والجمهورية واستعادة الدولة.

محمد المساح
محمد المساح

إن الفقيد محمد المساح يمثل بالنسبة لجيلنا تاريخًا جليلًا وممتدًا، ينبهر كل من يتوقف أمامه فاحصًا وممتنًا ومتأملًا؛ إذ عاصر التحولات الكبرى للهوية اليمنية الحديثة، من ظلمات الإمامة الكهنوتية في الشمال والاستعمار البريطاني في الجنوب، وصولًا إلى فجر الثورات اليمنية (سبتمبر وأكتوبر) وتجليات الدولة الوطنية المعاصرة.

«سنة المجارين» والبيئة القروية الأولى

تبدأ حكاية محمد المساح، كما رواها لي، من رحم الريف اليمني المكبّل بأغلال الفقر والجباية الإمامية.

ولد المساح في قرية تابعة لعزلة العزاعز بالحجرية، وتاريخ ولادته المدون في المراجع (عام 1948م) هو تاريخ تقريبي أملاه الواقع السائد حينها.

فقد ولد في ما عرف شعبيًا بسنة «المجارين»، وهي سنة مشهورة في المخيالة الجمعية اليمنية، إذ ألزم الإمام الطاغية الرعايا والفلاحين بأن يجمعوا محاصيلهم الزراعية داخل الحقول في كتل تسمى «المجارين»، ومنعهم من نقل غلة الحصاد إلى منازلهم وقراهم، لكي يسهل على عمال الجباية وتقدير الزكاة (المخمّنين) حصر الثمار فرض الإتاوات الجائرة على كل رعوي.

محمد المساح بعد عودته للقرية
محمد المساح بعد عودته للقرية  

غدا ذلك العام مرجعًا زمنيًا يؤرخ به الناس أحداثهم، ومن خلال هذه الحادثة الاقتصادية والسياسية المأساوية، عرف المساح أنه استقبل الدنيا عام 1948م.

في السنة السادسة من عمره، دلف الطفل محمد إلى (المعلامة) كبقية أترابه، وبدأ هناك أولى خطواته في تعلم القرآن الكريم، حيث قرأ كتاب «الألفباء» حتى ختم «جزء عمّ».

بعد ذلك، مكث في القرية مدة من الزمن تشرّب خلالها ملامح البيئة القروية البسيطة التي تركت في وجدانه أثرًا عميقًا لا يُمحى.

كان يرى أن الإنسان يدرس ويتعلم من كل ما يحيط به؛ فالطبيعة البكر وعفوية العلاقات الإنسانية شكلتا نواة وعيه الإبداعي.

ومن أهم الروافد الثقافية التي تأثر بها في طفولته كانت الأهازيج الشعبية؛ تلك الموشحات والأغاني العفوية التي كانت تغنيها النساء في القرية، وبخاصة عند سفر أزواجهن للغربة، فكانت كل امرأة قروية شاعرة ومبدعة بالفطرة.

أضف إلى ذلك أهازيج الزراعة والحصاد، والتي كانت تمثل الثقافة الشعبية بأبعادها العميقة من أمثال وحكم.

هذه البيئة الخصبة بالثقافة الشفاهية أثرت في جيل كامل من المبدعين، وانعكست لاحقًا في نتاجات شعراء كبار تأثر بهم المساح وعاصرتهم الساحة اليمنية مثل أحمد الجابري، وسعيد الشيباني، وسلطان الصريمي، وغيرهم كثير ممن صاغوا وجدان الأغنية والقصيدة اليمنية الحديثة من وحي التربة والقرية.

عدن الاغتراب الأول وتشكلات الوعي

في عمر الثامنة أو التاسعة، بدأت المحطة الثانية والأبرز في مسيرته، إذ نزلت عائلته إلى مدينة عدن التي كانت تحت الإدارة البريطانية تمثل حواضر التحديث والتنوع في شبه الجزيرة العربية.

كانت الرحلة الأولى لغرض اللحاق بوالده الذي كان يعمل هناك بائعًا متجولًا.

قطع الصغير تلك المسافات الوعرة برفقة شخص يدعى «الطبل»، وهو الرجل الذي كان يقوم بوظيفة ساعي البريد، يوصل الرسائل والأمانات من أهل القرية في الحجرية إلى عدن، وهو ما يمثل في المفهوم المعاصر «فرزة وسائل النقل».

كانت الرحلة شاقة ومضنية، تُقطع على ظهور الحمير والجمال، في زمن لم تكن السيارات قد عرفت طريقها بعد إلى تلك الجبال الشاهقة.

عند وصوله إلى عدن، أصيب الطفل بدهشة حضارية كبرى؛ إذ كانت الكهرباء التي تضيء الشوارع والمنازل أول ما فاجأه وأذهل مخيلته القادمة من عتمة الريف.

كان الهدف الأساسي من نزوله هو مساعدة والده المكدود، غير أن الأب، ورغم كونه رجلًا أميًا لا يقرأ ولا يكتب، كان يمتلك بصيرة نافذة وحسًا متدينًا واعيًا، فقرر إدخال ابنه المدرسة ليتعلم، غارسًا في نفسه حب العلم والمعرفة.

درس المساح أول الأمر في مدرسة «العجيل» لمدة سنة كاملة، وهي مدرسة أهلية تأسست خصيصًا لأبناء المهاجرين القادمين من شمال اليمن، والذين كانوا يُحرمون أو يجدون صعوبة بالغة في الالتحاق بالمدارس الحكومية التابعة لعدن المستعمرة.

في مقاعد مدرسة العجيل، زامل المساح شخصيات غدت فيما بعد من رموز اليمن، وفي مقدمتهم فنان اليمن الكبير أيوب طارش عبسي، وعبدالله قاسم، والبليط.

ولم تقتصر قنوات تعليمه على المدرسة؛ بل كان والده يأخذه يوميًا بعد عصر كل يوم ليتعلم القرآن الكريم والعلوم الدينية في مسجد الشيخ محمد سالم البيحاني بكريتر، حيث كان الأب يحرص على حضور حلقات العلم هناك رغم مشاق عمله اليومي.

كانت حياة الأسرة في عدن كفاحًا مريرًا من أجل البقاء.

كان الأب يعمل بائعًا متجولًا لتبغ «التمباك»، يحمله فوق رأسه ويطوف به الحوافي والأزقة.

وفي كل يوم جمعة، وهو يوم الإجازة المدرسية، كان الوالد يربط أربع حزم من التمباك ويلفها بـ«الطربال»، ليحملها الصغير محمد فوق رأسه، ويبدأ الاثنان رحلة مشي طويلة ومضنية على الأقدام.

تبدأ الرحلة من محطة الباصات، مرورًا من «كريتر» إلى باب عدن، ثم الدخول إلى «المعلا» لبيع البضاعة.

وعند حلول وقت الظهر، يصليان في منتصف المعلا، ثم يتوجهان إلى إحدى «المخبازات» التقليدية ليتناولا الغداء، حيث كان الأب يدعمه بطلب وجبة من اللحم تكريمًا لجهده.

بعد الغداء، تستأنف الرحلة سيرًا على الأقدام من «المعلا» إلى «القلوعة»، ثم إلى «حافون»، فـ«التواهي»، وصولًا إلى «بنكسار».

ومع حلول الساعة السادسة مساءً، يكون التعب قد بلغ مأخذه من جسد الصبي ووالده، بالتزامن مع نفاد بضاعة التمباك، ليعودا أدراجهما في نهاية اليوم الطويل.

انتقل محمد المساح بعد ذلك للعيش والعمل عند رجل من وجهاء المنطقة يدعى «الحاج فارع».

تكفل هذا الرجل بتربيته، وكان محبًا للعلم وداعمًا كبيرًا للمتعلمين.

عمل المساح في «مقهاية فارع» الشهيرة بـغسل الصحون وكؤوس الشاي، كما كان يستيقظ في الصباح الباكر وحيدًا ليوزع الحليب على البيوت والمحلات قبل الذهاب إلى المدرسة.

ظل المساح في كنف الحاج فارع لثلاث سنوات كاملة، حظي خلالها برعاية واجتماعية فريدة تعكس قيم التكافل الاجتماعي التي كانت تميز عدن آنذاك، حتى غادر والده إلى المملكة العربية السعودية بحثًا عن فرص عمل جديدة، ليلحق به الابن بعد فترة وجيزة.

التعددية العدنية

شكلت عدن في وعي المساح الفتي مدرسة إنسانية مفتوحة؛ فقد كانت مدينة كوزموبوليتانية بكل ما تعنيه الكلمة، تستقبل الجميع وتضم طوائف وجنسيات متعددة من هنود، وصومال، ويهود، وفرس، وعرب من مختلف المشارب.

لم تكن عدن تشعر الوافد إليها بأنه غريب نهائيًا؛ كانت حاضرة ثقافية كبرى تسودها قيم التعايش وبدون عقد عرقية أو مذهبية، وكان هناك وعي راقٍ بالجانب الديني يحترم خصوصية كل طائفة ومعابدها وطقوسها.

في هذه البيئة المنفتحة، استهوت القراءة والمطالعة وعي المساح وبدأت تتشكل ملامح شخصيته الثقافية.

لكن مسار الأحداث نقله إلى محطة ثالثة وجديدة، وهي مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية.

الاغتراب الثاني في جدة

سافر المساح إلى جدة ملتحقًا بوالده برفقة قوافل الحجاج، وأقاما معًا في حي «باب شريف» العريق.

هناك، واصل الأب كفاحه كبائع متجول يبيع الكيك، بينما التحق الابن بمدرسة «العزيزية» الأهلية، ولما كانت بعيدة عن مسكنهما، نقله والده إلى مدرسة «الفلاح» الشهيرة، حيث درس فيها سنة ونصف السنة.

كانت شوارع جدة في تلك الفترة (ما بين عامي 1957 و1958م) ترابية، وكان يغلب على قاطنيها الطابع البدوي البسيط.

ويتذكر المساح بدقة أحداثًا عالمية تزامنت مع إقامته هناك، من أبرزها صعود الكلبة الروسية «لايكا» إلى الفضاء عام 1957م، وهو الحدث الذي كان شاغل الناس وحديثهم اليومي بدهشة بالغة.

كان المساح حينها يدرس في الصف الثالث الابتدائي، وخلال تلك الإقامة في الأراضي المقدسة، أتيحت له فرصة أداء فريضة الحج مرتين وهو لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره.

لم يشعر المساح في جدة بغربة خانقة؛ إذ كان يراها مدينة ساحلية تشكل امتدادًا طبيعيًا للسواحل التهامية اليمنية، فضلًا عن تأثر الثقافة الحجازية في جدة تاريخيًا بثقافة مدينة زبيد العلمية، ولم يكن التشدد الديني قد أحكم قبضته على الحياة الاجتماعية رغم تواجد «المطاوعة» في الأسواق والشوارع.

العودة إلى عدن وتشكل الوعي

بعد انتهاء محطة الاغتراب الثانية في السعودية، عاد محمد المساح مع والده إلى عدن، لتبدأ المرحلة الثانية والأكثر نضجًا في مسيرته.

التحق بالدراسة في «المعهد العلمي الإسلامي»، وهو أشهر وأقوى صرح تعليمي في عدن حينها، أسسه العلامة الشيخ محمد سالم البيحاني.

تميز المعهد بمناهجه العامة والحديثة، وتخرج منه أو درس فيه ثلة من رواد الحركة الوطنية والفكرية في اليمن أمثال: أحمد دهمش، ومحسن العيني، وأحمد حسين المروني، وعلي عبدالجبار النعيمي.

كان ذلك في عام 1960م، وهي السنة التي شهدت توترًا سياسيًا كبيرًا، حيث طلب الإمام أحمد يحيى حميد الدين من السلطات البريطانية وإدارة المعهد رفض وجود هؤلاء المعارضين والرواد في عدن وترحيلهم، فاستجابت السلطات وتم ترحيلهم بالفعل.

في هذه الأجواء المشحونة بالوعي، بدأ المساح يوفق بين دراسته الصباحية وعمله المسائي.

اشتغل بائعًا للصحف والجرائد السياسية والأدبية التي كانت تصدر في عدن وتعبّر عن الحراك الفكري المستعر، مثل صحف «اليقظة»، و«الأيام»، و«فتاة الجزيرة».

كان يمارس هذا العمل يوميًا بعد العصر وهو طالب في الصف الأول الإعدادي.

أثناء بيعه للصحف، لم يكن مجرد بائع عابر، بل كان يقرأ كل كلمة تُطبع فيها، مما أفاده فائدة ثقافية وسياسية كبرى وعمّق من تواصله مع قضايا وطنه وأمته.

تجاوزت قراءات المساح حدود المقررات المدرسية الجافة؛ فقد كان الأساتذة في المعهد، وبخاصة الأستاذ المروني، يشجعون الطلاب على القراءة الخارجية.

ومن العناوين الأولى التي تركت في نفسه أثرًا روحيًا وأدبيًا عميقًا كتاب «الأجنحة المتكسرة» لجبران خليل جبران، تلتها رواية «اللص والكلاب» لأديب النوبل نجيب محفوظ.

مع حلول عام 1960م، بدأت ملامح الوعي السياسي القومي تتشكل بقوة مع صعود المد الناصري وحضور القوات المصرية في المشهد العربي.

تأثر المساح، ومعه صديقه المقرب عبدالعزيز سلطان مغلس، بالحركة القومية تأثرًا كبيرًا.

وتزامن هذا الوعي السياسي مع ولادة وعي فني وجمالي تبلور من خلال ارتياد دور السينما في عدن، رغم الفتاوى والتحذيرات المجتمعية والدينية التي كانت تحرّم السينما.

في أيام شهر رمضان المبارك، كان يتسلل إلى سينما «الأهلية» أو سينما «مستر حمود هريكة» ليشاهد فيلمًا أو فيلمًا ونصف الفيلم حتى العاشرة مساءً، ليعود بعدها مسرعًا إلى مسجد البيحاني ليحضر حلقة القرآن الكريم.

في عام 1961م، قرر المساح الاستقلال التام عن كنف الحاج فارع، مدفوعًا بأفكار اشتراكية تقدمية تزامنت مع ظهور جمال عبدالناصر وخطاباته التحررية.

تسبب هذا القرار في مروره بظروف قاسية، إذ لم يجد مكانًا ينام فيه سوى «زريبة البقر» التابعة للحاج فارع في حي «القطيع» بكريتر، قبل أن يعيده الحاج فارع مجددًا إلى كنفه في لفتة إنسانية فريدة.

مع اندلاع ثورة 26 سبتمبر 1962م في شمال اليمن، واشتعال حماس الجماهير، كان المساح في عدن يعيش غليانًا وطنيًا؛ إذ أحيا الفرح بالثورة حنينه الجارف نحو الشمال، فترجم ذلك بالمشاركة في تنظيم المظاهرات المؤيدة للنظام الجمهوري الوليد.

في عام 1963م، زار قريته لفترة قصيرة، ثم اتجه صوب مدينة تعز، وعمل لفترة وجيزة في مطعم بباب موسى يملكه أحد أبناء قريته، لتبدأ بذلك محطة جديدة ومفصلية في حياته.

الانخراط في الحركة الطلابية والسياسية بتعز

وصل محمد المساح إلى مدينة تعز في مطلع عام 1963م، وكانت المدينة حينها تغلي بالنشاط السياسي والثوري، وتشكل القاعدة الخلفية لدعم ثورة سبتمبر والدفاع عنها.

سجل المساح في القسم الداخلي بدار «الناصر» المخصصة للطلاب، واستمر في العمل لتأمين قوته بمطعم «العزعزي علي عبده» في باب موسى.

ولغرض الالتحاق بالتعليم الرسمي، خضع لاختبار قبول وتحديد مستوى في مدرسة الثورة الابتدائية أشرف عليه الأستاذ القدير محمد النعامي، وبناءً على النتيجة تقرر إلحاقه بالصف الثالث الإعدادي.

مع وصول البعثات التعليمية المصرية غداة الثورة، درس المساح وزملاؤه بنظام الفترتين المكثف، وانتقل إلى المرحلة الثانوية، حيث قضى في تعز ثلاث سنوات حافلة بالبناء المعرفي والرفقة النضالية.

تزامل المساح في هذه المرحلة مع كوكبة من رفاق الحرف والسلاح ومنهم: عيسى محمد سيف، وعبده سعيد طشان، وعبدالحليم محمد عبدالله، ومحمد الحيمي، وحسن مجلي، وياسين عبدالعليم، ومحمود جمال.

وفي عامي 1963 و1964م، انخرط المساح رسميًا في خلايا «حركة القوميين العرب»، متبنيًا التوجه القومي الناصري.

وبفعل النشاط الدؤوب للحركة الطلابية، برزت الحاجة لتنظيم العمل النقابي، فتولى عمر عبدالصمد اليافعي رئاسة الحركة الطلابية لعامي 65 و66، بينما شغل محمد المساح منصب الأمين العام لاتحاد الطلاب.

شهد العمل النقابي الطلابي في تعز صراعات وتجاذبات سياسية حادة تعكس الانقسامات الأيديولوجية الناشئة في تلك الحقبة.

انتهت الدورة السنوية الأولى لانتخاب قيادة اتحاد طلاب اليمن في تعز عام 1965م بانتخاب عبدالحليم محمد عبدالله العبسي رئيسًا للاتحاد، ومحمد المساح أمينًا عامًا.

وفي الدورة السنوية الثانية، جرت الانتخابات تحت إشراف عيسى محمد سيف ومحمود المعمري، وأسفرت الصناديق عن فوز عمر عبدالصمد اليافعي برئاسة الاتحاد، وإعادة انتخاب محمد المساح أمينًا عامًا للمرة الثانية.

غير أن هذه التشكيلة الفائزة لم تنل رضا تيار الناصريين الحزبيين في تعز، والذين سعوا لإسقاط الهيئة الإدارية المنتخبة باسم "القاعدة الطلابية" في التفاف سياسي مبكر شهده العمل النقابي.

رغم هذه الخلافات، ظل دور الحركة الطلابية والسياسية في تعز نشطًا للغاية، ولعب المساح ورفاقه دورًا محوريًا في توزيع نشرة «الجبهة القومية» التي كانت تطبع سرًا وعلنًا في تعز لدعم الكفاح المسلح في الجنوب المحتل ضد المستعمر البريطاني.

وفي غمرة هذا الحراك، تفتقت الموهبة الأدبية للمساح، فكتب في عام 1965م أولى محاولاته القصصية بعنوان «الوردة الذابلة»، ونشرت في صحيفة «الجمهورية» الرسمية الصادرة بتعز، وكان من محرريها الأديب محمد الكاظمي.

توجت هذه المرحلة باختيار المساح وزملائه ضمن أول دفعة ثانوية في تاريخ شمال اليمن يجري امتحانها نظاميًا؛ حيث انتقلوا إلى صنعاء لأداء امتحانات الشهادة الثانوية في مدرسة عبدالناصر، وشكلوا نواة أول بعثة طلابية رسمية تغادر صوب جمهورية مصر العربية.

التلاقح الثقافي مع اليسار العربي بالقاهرة

وصل محمد المساح ورفاقه إلى القاهرة في عام 1966م، ضمن بعثة الطلاب الوافدين التي منحتها الحكومة المصرية لليمن الجمهوري.

التحق المساح بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وتحديدًا في قسم الصحافة.

كانت تلك الفترة تمثل ذروة العصر الناصري، ورغم النكسة العسكرية عام 1967م، كانت القاهرة تمور بحراك فني وثقافي ومسرحي لا نظير له.

محمد المساح خلال فترة شبابه

في القاهرة، آثر المساح عدم الانخراط المباشر في العمل التنظيمي السياسي، لكنه انغمس كلياً في العمل الثقافي والفكري.

تأثر كثيرًا بزميل دراسة مصري يدعى «بدر السيد الرفاعي»، وكان شابًا عميق الثقافة، واسع الاطلاع، ورفيقًا مقربًا للمساح الذي استفاد منه فائدة جمة؛ إذ غدا بدر لاحقًا مترجمًا ومثقفًا بارزًا نشرت له سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية الشهيرة عددًا من الترجمات الهامة.

كان بدر ينتمي لتيار اليسار المصري، ويمتلك شبكة علاقات واسعة مع الفنانين والمسرحيين، فكان يصطحب المساح لدخول المسرح القومي.

ومن المسرحيات الخالدة التي حضرها المساح مسرحية «في دائرة الطباشير القوقازية» للكاتب الألماني برتولت بريخت، ومسرحية «الإنسان الطيب».

عاش المساح في القاهرة قارئًا نَهِمًا يلتهم كل ما يقع تحت يديه من دواوين وروايات ومجلات.

تأثر تأثرًا بالغًا بالشاعر العراقي الكبير عبدالمعطي البياتي، واجتمع به وجهًا لوجه مرة أو مرتين في مقهى «الباز» الشهير بالقاهرة، وسيطر شعر البياتي عليه سيطرة كاملة.

كما تعرف على شاعر العامية المصرية الكبير فؤاد الحداد، والشاعر سيد حجاب، واطلع على نتاجات أدونيس والشعراء المصريين، وتأثر بأسلوب الكاتب الساخر محمود السعدني في مجلة «صباح الخير».

يؤكد المساح أن وعيه الثقافي واليساري تشكل من خلال قراءة صحيفتين مصريتين بانتظام هما «روز اليوسف» و«صباح الخير»، بالإضافة إلى كتابات المفكر لطفي الخولي في مجلة «الطليعة» الفكرية الصادرة عن مؤسسة الأهرام.

جاء أمل دنقل ليمثل المحطة الشعرية الثانية في اهتمامات المساح، بخاصة بعد إصداره ديوان «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة».

وفي عام 1969م، بهرته التجربة الروائية لصنع الله إبراهيم في روايته الطليعية الأولى «تلك الرائحة».

لم يحاول المساح النشر في الصحافة المصرية حينها، بل كان يكتفي بكتابة معارضات شعرية وتعليقات نقدية على حواشي الدواوين التي يقرأها، رغبة منه في التكوين المتأني وبناء أسلوب نثري خاص به لا يشبه أحدًا.

تركت نكسة حزيران 1967م جرحًا غائرًا وصدمة رهيبة في نفوس الطلاب اليمنيين والعرب في القاهرة، لدرجة دفع الكبت القومي بالمساح وزملائه في الجامعة إلى محاولة التطوع والتجنيد ضمن صفوف المقاومة الشعبية المصرية لحماية العاصمة.

أما في المجال المهني والصحفي، فقد تأثر المساح بالصحفي المصري أمين رضوان، الذي زار اليمن وعاش فيها في مطلع السبعينيات عقب الإفراج عنه من السجون الناصرية، وعمل رضوان في صحيفة الجمهورية، وكان المساح يرافقه باستمرار ويستشيره.

تكامل هذا الوعي مع ارتياد السينما لمشاهدة أفلام المخرج يوسف شاهين الطليعية مثل فيلم «العصفور»، بالتوازي مع المشاركة في أنشطة الرابطة الطلابية اليمنية بالقاهرة.

يقر المساح بأن القاهرة صاغت روحه وعقله، وأنه لم يكن يخطط مسبقًا لدراسة الصحافة، بل دخلها نزولًا عند رغبة زملائه، ولعل ذلك كان صدىً دفينًا لأيام بيعه الصحف في شوارع عدن.

رئيس التحرير المتمرد

عند نهاية عام 1970م، حزم محمد المساح حقائبه وعاد من القاهرة إلى صنعاء التي كانت قد خرجت لتوها من حصار السبعين يومًا وبدأت في تثبيت ركائز النظام الجمهوري.

التقى فور وصوله بالأستاذ عبدالله حمران، الذي استقبله بحفاوة ومنحه مبلغًا ماليًا، ناصحًا إياه بالذهاب إلى القرية لزيارة والدته التي طال فراقها.

توجه المساح بعدها إلى عدن، لكن الأجواء السياسية العامة هناك لم ترق له، فاكتفى بزيارة قبر والده وقبر مربيه الحاج فارع، وعاد سريعاً إلى صنعاء.

التقى بأصدقائه الخريجين وقرروا التقدم لامتحان قبول بوزارة الخارجية، واجتاز الامتحان بنجاح، وعُين المساح بدرجة سكرتير ثالث، واشتغل في الدائرة السياسية بقسم العلاقات العامة، وأوكلت إليه مهمة تحرير وإخراج نشرة شهرية دورية تحمل اسم «الدبلوماسي».

في هذه الفترة، كان صديقه ورفيق دراسته في تعز محمود جمال يشغل منصب رئيس تحرير صحيفة «الثورة» اليومية الرسمية.

وفي أحد الأيام، وأثناء مرور المساح بميدان التحرير وسط صنعاء، شهد تجمعًا جماهيريًا كبير الصنع لتنفيذ حكم إعدام بحق أحد الجناة، غير أن السلطات تراجعت في اللحظة الأخيرة، ثم نفذته في اليوم التالي فجأة.

هزت هذه الواقعة الوجودية مشاعره، فكتب أول قصة قصيرة له بعد عودته، وسماها «حفلة إعدام»، في أواخر عام 1970م، ونشرت في الصفحة الأدبية لصحيفة «الثورة»، لتشكل بداية ظهوره على صفحات الصحافة الصنعانية.

استمر المساح في عمله الدبلوماسي بالخارجية حتى مطلع عام 1972م، وصدر بعدها قرار بتعيينه رئيسًا لتحرير صحيفة «الثورة» الرسمية، ليكون واحدًا من أصغر رؤساء التحرير في تاريخ الصحافة اليمنية.

عبدالحليم سيف، محمد المساح، عبدالرحمن بجاش
عبدالحليم سيف، محمد المساح، عبدالرحمن بجاش

أظهر المساح زهدًا وتمردًا على المظاهر السلطوية؛ إذ رفض بشكل قاطع كتابة اسمه صراحة على ترويسة الصحيفة بوصفه "رئيس التحرير"، واقترح على زملائه محمد الزرقة، وعلي العمراني، وعبدالله الشرفي، تشكيل "هيئة تحرير جماعية" لإدارة العمل.

وفي فبراير من عام 1972م، استضافت عدن الاجتماع التمهيدي لاتحاد الصحفيين العرب.

شكلت صنعاء وفدًا لتمثيل الجمهورية العربية اليمنية ضم كلًا من محمود الحكيم ومحمد علي مصلح ومحمد المساح ومحمد عبدالجبار نعمان.

في المقابل، ضم وفد جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية شخصيات بارزة يتقدمها الأستاذ عمر الجاوي.

قبل انطلاق أعمال الاجتماع في عدن، بادر عمر الجاوي بزيارة محمد المساح وعرض عليه مقترحًا وحدويًا يقضي بدخول الوفدين الشمالي والجنوبي قاعة الاجتماعات بوصفهم "وفدًا واحدًا موحدًا" يمثل اليمن ككل، فوافق المساح، ودخل الوفدان ككتلة واحدة باسم وفد اليمن.

لم تدم رئاسة المساح لتحرير صحيفة «الثورة» سوى ستة أشهر تقريبًا؛ فقد كان يضيق بحدود الرقابة الحكومية، ويعمد بالتوافق مع نائب وزير الإعلام حينها عبدالله الوصابي، إلى تسريب بعض المقالات الناقدة للأوضاع السياسية والاقتصادية.

في إحدى الليالي، كتب المساح مقالًا سياسيًا ساخنًا يحمل طابعًا أدبيًا رمزيًا، بعنوان «الحيَّات والحنشان»، ينتقد فيه مراكز القوى والفساد المحيطة بالسلطة.

بمجر صدور العدد ونشر المقال، تفاقمت الأزمة، وجاء الوزير أحمد دهمش إلى المساح قائلًا بعتاب ممزوج بالواقعية السياسية: "لماذا كتبت هذا الكلام؟ هيا خلاص قد غيَّروك وعيَّنوا شخصًا ثانيًا رئيسًا للتحرير"، ليطوى بذلك كتاب رئاسته للتحرير، ويعود المساح كاتبًا حرًا في بلاط الصحافة.

سجن القلعة

عاصر المساح تقلبات السبعينيات العاصفة، وشهد الصعود الدراماتيكي للرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي ومشروعه التحديثي.

عند اغتيال الحمدي عام 1977م، اهتزت مشاعره، فكتب نثرية رثائية حزينة وباكية سماها «مرثية إلى عيون الشعب».

كان يرى في الحمدي، وفي رفيقه رئيس الجنوب سالم ربيع علي (سالمين)، مشروعًا وطنيًا حقيقيًا وصادقًا لتحقيق الوحدة اليمنية العادلة وبناء دولة المؤسسات.

وفي عام 1973م، دفع المساح ضريبة الرأي، فاقتيد إلى «سجن القلعة» التاريخي الرهيب، حيث قضى خلف قضبانه ستة أشهر كاملة بسبب مواقفه الفكرية والسياسية المتمردة.

مخاض العمود الصحافي الخالد «لحظة يا زمن»

قبل أن يستقر محمد المساح على عنوان عموده الأشهر الذي خلّد اسمه في تاريخ الصحافة العربية، خاض تجارب ومخاضات عديدة في كتابة المقال الصحفي القصير على صفحات صحيفة «الثورة».

ففي عام 1972م، غمس ريشته في حبر اليوميات ليبدأ مع القارئ رحلة عمود أسبوعي دشنه تحت عنوان «لقطة من الزاوية».

كانت رغبته في ملامسة نبض الشارع تحثه على التجديد، فما لبث أن غيّر العنوان بعد فترة ليصبح «الناس والأشياء»، ثم قاده شغفه التجريبي إلى عنوان «لقطة من عين الكاميرا»، وهو العمود الذي ظل يكتبه بانتظام حتى عام 1975م.

محمد المساح - لحظة يا زمن
محمد المساح - لحظة يا زمن

كانت فنية كتابة هذا العمود تقوم على صياغة لقطات ومشاهد تشبه السيناريو السينمائي؛ فالمقال عنده لم يكن سردًا إنشائيًا تقليديًا، بل صورة بصرية حية ومكثفة ومتحركة تصاغ بدقة من خلال الكلمات.

في خضم هذا الاستقرار المهني، سافر المساح في عام 1975م إلى مسقط رأسه في القرية لغرض الزواج، ومكث هناك فترة من الوقت.

عندما انقضت إجازته وعاد إلى العاصمة صنعاء لمباشرة عمله في الصحيفة، فوجئ بأن إدارة التحرير قد سمحت بنشر مواد ومقالات صحفية لكتّاب آخرين تحت اسم عموده الخاص «لقطة من عين الكاميرا».

أزعجه هذا الأمر بشدة، وشعر بانتهاك ملكيته الفكرية والأدبية، فاتخذ قرارًا حاسمًا بتغيير اسم العمود نهائيًا، واشترط في الاسم الجديد أن يكون بمثابة "البصمة الخالدة"؛ عنوانًا فريدًا ومميزًا يستحيل على أي كاتب آخر أن ينتحل صفته.

عكف المساح على التفكير والتأمل الطويل، ومارس عمليات تفحيص لغوية وفكرية عميقة للوصول إلى المبتغى.

فكر أولًا في مفردة (لحظة)، ولكي يمنح المفردة بعدًا فلسفيًا أعمق، أضاف إليها مفردة (زمن)، ولأنه أراد أن يبث الحيوية والحركة في المشاهد والمعاني، أضاف أداة النداء (يا)، ليستقر العنوان العبقري على: «لحظة.. يا زمن».

غدا هذا العمود لا يستوقف القارئ العابر فحسب، بل يستوقف حركة الزمن نفسه ليحاكم اللحظة التاريخية ويفكك تفاصيل الحياة واليوميات اليمنية.

منذ أواخر عام 1975م، انطلقت كتابة «لحظة.. يا زمن» بشكل يومي.

تميز المساح بقدرة تدفق وتعبير مذهلة؛ إذ كان يكتب اللحظة بـ"نفس واحد" وتدفق شعوري دافق، مستغرقًا في بعض الأحيان خمس دقائق فقط لصياغة تلك الجوهرة النثرية المكثفة.

بسبب انغماسه الكامل في كتابة هذا العمود اليومي، توقف عن كتابة القصة القصيرة؛ لأنه وجد في مساحة "اللحظة" الحرية الكاملة والتكثيف الإبداعي الذي يغنيه عن كتابة الرواية والقصة.

استمر محمد المساح في كتابة عموده التاريخي «لحظة.. يا زمن» لما يزيد عن أربعين عامًا، وتحديدًا منذ نهاية عام 1975م وحتى عام 2016م، حين أخرسته ظروف الحرب الأهلية وتوقف الصحف الرسمية.

تخللت هذه العقود الأربعة فترات انقطاع وتقطع قصيرة وخارجة عن إرادته بسبب الرقابة أو التوقيف السياسي، لكنه كان يعود في كل مرة بمثابرة وشغف.

في مطلع التسعينيات، وتحديدًا عقب قيام الوحدة اليمنية عام 1990م، اتجه للكتابة في الصحافة الحزبية والأهلية، فكتب في صحيفة «الغد» من عام 1991م وحتى عام 1993م، كما أسهم بكتاباته الزاخرة في صحيفة «الشورى» المعارضة الشهيرة في الفترة من عام 1997م وحتى عام 2000م، قبل أن يعود لعموده الثابت في صحيفة الثورة مستكملًا مسيرته التي جعلت منه مدرسة متفردة في النثر الصحفي الفلسفي.

كتاب «لحظة يا زمن المساح» وسردية الغائب

شكل الحديث حول التوثيق الأدبي والصحفي محور لقائنا الأخير في الحجرية عام 2023م.

فقد لاحظتُ وجود نسخة من كتاب حمل عنوان "لحظة يا زمن المساح: نصوص وشهادات"، وهو الكتاب الصادر عن مؤسسة «أروقة» بالقاهرة، والذي قام بإعداده وجمعه الأديبان انتصار السري وفوزي الحرازي.

وعندما سألتُ الأستاذ المساح عما إذا كان هذا الكتاب قد استوعب وضم كل اللحظات والمقالات التي سطرها عموده اليومي بصحيفة الثورة طيلة أربعة عقود، أجابني بنبرة شابتها الحسرة بأن المعدّين واجها صعوبات بالغة ولم يحصلا إلا على نزر يسير من تلك المقالات؛ والسبب في ذلك يعود إلى الروتين الإداري والإهمال، حيث تعرضت أرشيفات الصحيفة وملفات الأعداد القديمة للتلف والضياع، فضاعت ثروة فكرية هائلة من نتاجه اليومي.

غلاف لحظة يا زمن محمد المساح

وهنا أستحضر متأملًا الصدمة الإنسانية والجسدية التي بدت على المساح في لقائي الأخير به:

"كانت الصدمة الأولى التي تلقيتها في محل عطارة محمد هائل السامعي هي رؤية هامة الإبداع والوطنية الفذة، وقد تركت غصص وهموم وخيبات الزمن أثرها البالغ على سحنته وهيئته المتعبة المكدودة.

واريْت صدمتي برفع روحه المعنوية وعناقه، وأنشدت له قائلًا: ماتزال يا أستاذنا ذلك المساح الشامخ شموخ جبال هذه البلاد المنكوبة.

أربع ساعات جلستها معه كم تمنيت لو كانت أربع سنوات أو شهور؛ ففي حضرة هذا الرجل البسيط العظيم، تلاشى كل سؤال خططت له واختفى، فلم أدرِ من أين أبدأ.

كان من العيب أن أسأله عن صحته وأنا أراها تنهار ببطء جراء تجاهل الزمان والنكران وضياع العمر وفقدان ابنه في رمال الصحراء، وفقدان الوطن الأكبر الذي وهبه كل شيء ولم يكافئه بشيء.

وكان من العيب أن أسأله عن تاريخه النضالي والصحفي؛ لأن ذلك لا يعني سوى أنني جاهل بتاريخ اليمن المعاصر وأعلامه، وفي كلتا الحالتين لا جدوى من الكلام."

في ذلك اللقاء، طرحتُ على المساح فكرة طموحة تتمثل في إعطاء حديثه الطويل المنشور في كتاب السري والحرازي صياغة سردية جديدة، تُكتب بلسان الغائب واعتماد ضمير (الهو) السردي، لكي يتسنى إدراج الأحداث التاريخية والسياسية والوطنية الكبرى التي عاصرها وكان شاهدًا وعضوًا فاعلًا في تفاصيلها، نظرًا لأن مجهود معدي الكتاب اقتصر على الحوارات المباشرة وبعض الشهادات.

ابتهج الأستاذ المساح كثيرًا بهذه الفكرة الإبداعية التي اقترحتها عليه، وأكد لي بحماس أن هناك بالفعل تفاصيل تاريخية هامة وطرائف ونوادر غفل عن ذكرها ولم يتم توثيقها في الحوارات، ووجد من الضروري إضافتها.

ودعاني الراحل بإلحاح لكي أكون ضيفه تلك الليلة في منزله بالقرية لنبدأ العمل معًا، غير أنني اعتذرت خشية الإثقال على جسده المتعب وظروفه الصحية المتردية، ووعدته بزيارة ثانية مخصصة لهذا الغرض في القريب العاجل، وهي الزيارة التي حال الموت بيني وبين تحقيقها.

إرث المساح والدرس الوطني الخالد

إن قراءتي المتأنية في مسيرة الصحفي والأديب الراحل محمد المساح تكشف لي عن نموذج فذ للمثقف العضوي اليمني الذي لم ينفصل يومًا عن قضايا تربته وشعبه.

لخص المساح في حياته وجسد برحلته أسفار المعاناة اليمنية؛ فمن طفولة قاسية كبلتها جبايات «عام المجارين» في ريف تعز، إلى كفاح مرير بائعًا للتمباك وموزعًا للحليب في حوافي عدن، وصولًا إلى قاعات جامعة القاهرة ومسارحها، ليعود ويتبوأ أعلى المناصب الصحفية رئيسًا لتحرير كبرى الصحف الرسمية، ثم ينتهي به المطاف معتكفًا زاهدًا في قريته بالحجرية، يرقب بروح الفيلسوف انكسارات الوطن وتحولات الزمن.

محمد المساح- عبدالرحمن بجاش

رحل المساح وفي عينه حزن على فلذة كبده، وفي قلبه حسرة على وطن تآمرت عليه الرغبات الضيقة، لكنه ترك وراءه إرثًا صحفيًا وأدبيًا وفكريًا غنيًا تتوارثه الأجيال، وأسس من خلال عموده «لحظة.. يا زمن» مدرسة نثرية فريدة في الصحافة العربية تقوم على التكثيف البصري، والعمق الفلسفي، والالتزام الأخلاقي الصارم تجاه البسطاء والكادحين.

إن سيرة محمد المساح ستبقى في نظري ونظر الأجبال فصلًا مشرقًا وخالدًا في كتاب النضال الفكري والوطني لليمن، ودرسًا بليغًا في الشموخ والنزاهة والزهد تنهل منه الصحافة اليمنية والعربية قيم الحرية والصدق والوفاء.