الاستبداد وإفساد الضمير العام
من أخطر آثار الاستبداد أنه لا يكتفي بإخضاع الإنسان سياسيًا، بل يسعى إلى إعادة تشكيل وعيه وأخلاقه وسلوكه. فالسلطة التي تقوم على القهر، وتستمد بقاءها من تقييد الحريات، وإهدار الحقوق، وانتهاك الكرامة الإنسانية، وتوظيف الإعلام لتزييف الوعي وحجب الحقائق، لا تُنتج أزمة سياسية فحسب، بل تُعيد تشكيل منظومة القيم والسلوك على نحوٍ يخدم إعادة إنتاجها واستمرارها.
وفي المقابل، فإن الأنظمة التي تقوم على الإرادة الحرة، وسيادة القانون، والمشاركة السياسية، واحترام الحقوق، تهيئ بيئة تزدهر فيها قيم المسؤولية، والأمانة، والشجاعة، واحترام الاختلاف. فالبيئة السياسية لا تنظم علاقة الفرد بالدولة فحسب، بل تسهم أيضًا في تشكيل منظومة القيم التي توجه سلوك الأفراد والجماعات، إذ يتأثر الإنسان بالواقع الذي يعيش فيه بقدر ما يسهم في التأثير فيه.
وفي الحالة اليمنية، ورغم كثرة الحديث عن الحرية في الخطاب الثقافي والسياسي، فإن الدراسات الجادة التي تناولت أثر الاستبداد في المنظومة الأخلاقية للمجتمع ما تزال محدودة، مع أن هذه القضية تمثل مدخلًا مهمًا لفهم كثير من الظواهر الاجتماعية والسياسية، ولفهم التحولات التي شهدتها منظومة القيم والسلوك العام خلال العقود الماضية في ظل الأزمات والصراعات الممتدة.
ويبقى السؤال الجوهري: لماذا تختلف أنماط السلوك بين مجتمع وآخر، رغم أن الطبيعة الإنسانية واحدة؟
تكمن الإجابة في أن الإنسان يحمل في داخله استعدادًا للخير والشر معًا؛ فهو قادر على الصدق كما هو قادر على الكذب، وعلى الشجاعة كما هو قادر على الجبن، وعلى الوفاء كما هو قادر على الخيانة. غير أن البيئة السياسية والاجتماعية هي التي تُنشِّط جانبًا من هذه الاستعدادات أو تكبحه. فالاستبداد يكافئ النفاق والانتهازية والخوف، بينما تعزز الحرية الصدق، وروح المبادرة، وتحمل المسؤولية، واحترام القانون.
ومن هنا، فإن إصلاح المجتمع لا يتحقق بالمواعظ الأخلاقية وحدها، بل ببناء دولة عادلة تكفل الحقوق، وتحمي الحريات، وتخضع فيها السلطة للمساءلة، وتسود فيها سيادة القانون. فالأخلاق لا تزدهر في بيئة القهر، وإنما تنمو في ظل الحرية والعدالة، حيث يشعر الإنسان أن الفضيلة ليست عبئًا، بل قيمة يحميها القانون ويصونها المجتمع.
إن بناء الإنسان يبدأ من بناء الدولة، وبقدر ما تكون مؤسساتها عادلة، وخاضعة للمساءلة، وقائمة على سيادة القانون، تكون الأخلاق العامة أكثر رسوخًا، ويغدو السلوك القويم ثقافةً مجتمعية لا مجرد فضيلة فردية. فالحرية لا تحمي الحقوق فحسب، بل تحمي الضمير أيضًا، لأن الاستبداد لا يفسد السياسة وحدها، بل يفسد الإنسان ذاته، ويزرع في المجتمع ازدواجية المعايير وتناقض السلوك، بما يقوض الثقة العامة ويعيق بناء دولة المواطنة وسيادة القانون. وعندما تستعيد الدولة شرعيتها من احترام الحقوق لا من احتكار القوة، تصبح الأخلاق العامة إحدى ثمار الحكم الرشيد، لا مجرد مسؤولية فردية في مواجهة بيئة سياسية مشوهة. فالمجتمعات لا تُقاس بقوة مؤسساتها وحدها، بل بسلامة منظومتها الأخلاقية أيضًا، لأن الدولة التي تحمي الحرية والعدالة تحمي في الوقت نفسه الضمير العام، وتوفر البيئة التي تزدهر فيها القيم الإنسانية والوطنية.
