الإثنين 29 يونيو 2026

من ذئبة روما إلى دماء كربلاء

الأمم لا تعيش على الوقائع وحدها فالمعارك تنتهي والمدن تتبدل لكن شيئاً ينجو. إنها القصة التي تمنح الأمة معنى وتفسر حاضرها وتربط أبناءها بماضٍ مشترك. يسميها علماء الأنثروبولوجيا "الأسطورة المؤسسة"، رواية تتحول مع الزمن إلى حجر أساس في بناء الهوية حتى تغدو أقوى من الحدث الذي ولدت منه ويصبح المساس بها أقرب إلى المساس بصورة الجماعة عن نفسها.

روما روت لأبنائها أن رومولوس وريموس أرضعتهما ذئبة ثم نهضا ليؤسسا المدينة التي صارت لاحقاً عاصمة إمبراطورية امتدت عبر ثلاث قارات. الرومان كانوا يبحثون عن بداية تليق بما أرادوا أن يكونوه. مضت القرون وبقيت الذئبة حاضرة في التماثيل واللوحات والذاكرة بينما غابت أسماء ملوك وقادة كانت جيوشهم تملأ الدنيا يوماً.

بنو إسرائيل أعادوا ترتيب ذاكرتهم حول قصة الخروج من مصر، فانتقلت القصة إلى الأعياد والصلوات والموائد والوصايا حتى صار الطفل يسمعها قبل أن يتعلم قراءتها. ومع كل جيل كانت تستعيد حياتها فيزداد رسوخها ويتسع حضورها في الوجدان أكثر مما تتسع في كتب التاريخ.

وفي فرنسا كان اقتحام سجن الباستيل علامة على ميلاد الأمة الحديثة، مع أن السجن لم يكن يضم يومها سوى القليل من السجناء، وسقوطه لم يكن أعظم أحداث الثورة عسكرياً لكن الذاكرة اختارت له مكاناً مختلفاً، فصار الرابع عشر من يوليو عيداً وطنياً وأصبح الباستيل رمزاً يعرفه كل فرنسي بينما انزوت وقائع أكبر أثراً إلى هوامش الكتب.

وما زال الصرب يعودون إلى معركة كوسوفو كلما تحدثوا عن هويتهم القومية. ورغم مرور أكثر من ستة قرون ما تزال المعركة حية في الأشعار والكنائس والاحتفالات كأنها لم تغادر الأمس. الزمن محا أسماء معارك كثيرة لكنه أبقى كوسوفو في قلب الذاكرة لأنها تحولت من واقعة إلى أصل تُبنى عليه الحكاية الوطنية.

أما كربلاء فسلكت الطريق ذاته وإن اختلفت التفاصيل. تحدثت الأخبار الأولى عنها كما تحدثت عن غيرها من وقائع ذلك العصر، ثم بدأ الزمن يضيف إليها ما لا تضيفه الأيام الأولى. القصيدة أطالت المشهد، والخطب منحت الشخصيات أصواتاً جديدة، وحملت المجالس والطقوس تلك الصورة إلى أجيال لم تعرف كربلاء إلا من فوق المنابر.

وعندما رفع المختار الثقفي شعار "يا لثارات الحسين" خرجت كربلاء من حدود الفاجعة إلى ميدان السياسة. ثم منحها البويهيون حضوراً علنياً في المدن وجعلها الصفويون لاحقاً ركناً من مشروعهم السياسي والديني. ازدهر الأدب الحسيني وترسخت الطقوس حتى غدت جزءاً من الإيقاع السنوي للمجتمع.

تنتمي هذه الأمثلة إلى حضارات متباعدة لكنها تكشف آلية واحدة. تولد الواقعة في زمنها ثم تبدأ رحلتها داخل الذاكرة. يضيف إليها الشعر وتعيد الخطابة تشكيلها، وتغرسها الطقوس في وجدان الأطفال قبل أن يقرؤوا عنها، حتى يصبح التمييز بين الخبر الأول وما أضافته القرون إليه مهمة شاقة.