الجمعة 17 يوليو 2026

يُقتل الشاهد... تحتفل الجريمة!!

* حين يُقتل صحفي برصاصة في جسده، أو بعبوة ناسفة وُضعت في سيارته، أو بصاروخ كان فيه الصحفي درعاً بشرياً للقتلة، فإن الرصاصة التي استقرت في صدره لا تكتفي بذلك، بل تواصل دربها لتستقر في صدر أسرة صغيرة. والعبوة الناسفة التي أخذته تأخذ معها الأب، الزوج، الابن، المعيل، السند.. والاحلام والمستقبل .

* يُقتل الصحفي في لحظة، لكن أنيناً يسكن جدران المنزل زمناً طويلاً ... يذهب الجسد فجأة، وتبقى صورة الفقد معلقة في صدور أطفال لم يكبروا بعد، وزوجة تعيش رعب غدٍ بلا منقذ ... يذهب الصحفي وخلفه طابور طويل من المنكسرين...أهل، أصدقاء، زملاء، وقلم فقد اليد التي كانت تمسك به... يموت الصحفي، فتموت معه الأمال والحقيقة في وقت واحد.

* طيلة عملي النقابي، لم أعرف وطأة أشد على روحي من وطأة العجز الذي أعرفه أكثر من غيري. كيف تواسي أسرة، وأنت تخبرهم بأن ابنهم لن يعود أبداً؟ .. تسمع أنين أسر الشهداء، واستغاثات رفاق في ظلمات السجون، وصراخ زملاء تشردوا في المنافي أو قُطعت رواتبهم وأرزاقهم، ولا تملك إلا بياناً يتيماً ومناشدةً لمن لا يملك قلبًا، ولا يسمع إلا صوت الرصاص والاحتراب.. تكتب تقريراً عن الحريات الصحفية المهدورة، والغصة في حلقك، وتدلي ببيان، وقبل أن يجف حبره تُفجع بزميل آخر، كقهرٍ يومي.. ووجعٍ دائم .

* تضيق خياراتك كنقابي في بلد سحقت فيه الحرب كل مواثيق وقوانين الإنسانية والصحافة... ومع كل انتهاك، تجد نفسك تصارع منظومة اقتتال أكبر من كل أدوات التضامن والتنديد التي تمتلكها وتكتبها .. تعرف الجاني، ويدك مغلولة بعجز ينهش الروح والمسؤولية. ومع كل صحفي قُتل، أو شُرِّد، أو اختُطف، تعرف معنى أن تكون نقابياً في زمن الحرب والانهيار.

* حين يُقتل الصحفي، تتوالى بيانات التنديد، وبرقيات العزاء، وكتابات الفقد، والذكريات الماضية، وتمتلئ الصفحات والشاشات بصور الصحفي الشهيد، وتتعالى المطالبات بـ(كشف الجناة وتقديمهم للعدالة)، ويهب مسؤولون لالتقاط صور لئيمة في منزل الصحفي وبين أطفاله، مع وعود بالقصاص والإعالة. وفجأة يخفت كل هذا الضجيج، والوعود تتبخر، والقضية تتوه في أدراج سلطة متخاذلة لا ترى في مقتل صحفي شيئاً يستحق المتابعة، أو أجهزة أمنية تتبع سلطة القاتل... أيحقق الجلاد مع نفسه، ويقتص القاتل من ذاته؟!!..

حينها تتحول سلطات العدالة إلى حارس للصمت والخذلان، ويضيع دم الصحفي مع أسرته المفجوعة في بحر من التجاهل والنسيان، ويصبح اسمه رقماً في إحصائيات تُقرأ وتُنسى.

* ما يحزنني، كصحفي أولاً وكنقابي ثانياً.. ليس فقدان زميل فقط، بل فقدان نبض الزمالة والتعاضد بين الصحفيين أنفسهم.. فالانقسامات، والصراعات، والولاءات، كسرت أعز ما تملكه الأسرة الصحفية: روح التضامن، التي كان من المفترض أن تكون أشد أسوار الزمالة تحصيناً ومنعة.

* يُقتل صحفي أو يُعتقل، فلا نجد إلا تضامناً هشاً وزمالة متهالكة.. والأقسى أن نجد من بين أقلامنا من يبرر انتهاك زميل له.. لأنه في خندق غير خندقه السياسي، أو الحزبي، أو المناطقي .. حينها تكتشف ان دم الصحافة صار حبراً بألوان الأحزاب وأطراف الصراع، ليموت الصحفي وحيدًا في وجدان زملائه المتخمين بشعارات المتحاربين ، وركام الاستقطابات، وخطاب الكراهية، مع أن الرصاصة التي اخترقت صدره لم تسأله عن حزبه وانتمائه ولا مكان مولده.

* رغم أن أطراف الصراع الكثيرة في اليمن، يقتتلون على كل شيء: السلطة، الأرض، النفوذ، الثروات، وحتى الارتزاق، إلا أنهم يتفقون على شيء واحد، هو أن صوت الحقيقة مزعج، وقلم الصحفي مرعب، والميكروفون مقلق. يخافون من الصورة لأنها لا تكذب، ومن الكلمة لأنها لا تُنسى. ومن الصحفي المستقل لانه عدوٌ للجميع.. ويعتقدون أنه حينما يموت الصحفي، تموت الحقيقة، ويموت الشاهد على الجريمة..

.... وينسون أن صحفياً آخر يعرف أنه قد يكون الشهيد التالي، ومع ذلك يحمل قلمه، ويرفع راية الحقيقة والصحافة من جديد.