بنيامين لم يكن وحده... خمسون عامًا في انتظار الجنة
منذ خمسين عامًا وأنا أشعر أنني أشبه "بنيامين" الحمار في رواية مزرعة الحيوان؛ ذلك الكائن الذي كان يرى الواقع كما هو، ويفهم ما يجري حوله، لكنه كان عاجزًا عن تغييره.
قيل لنا إن الرأسمالية والإقطاع هما سبب فقرنا وشقائنا، وإن الجنة تنتظرنا في ظل النظام الشيوعي. خرجنا في المسيرات، وهتفنا ضد الرأسمالية والإقطاع، ولم نكن ندرك أن طبقة جديدة من أصحاب النفوذ والثروة كانت تتشكل فوق أكتافنا، تحت شعارات المساواة والعدالة.
مرت العقود، واكتشفنا أن المشكلة لم تكن في الشعار، بل في الإنسان الذي يرفع الشعار ثم يحوله إلى وسيلة للسلطة والثروة. لقد دُفع شعب كامل إلى تصديق وعود كبيرة، بينما كانت نخبة صغيرة تبني امتيازاتها بعيدًا عن معاناة الناس.
قالوا إنهم علمونا، لكن ما قيمة التعليم إذا كان الخريج لا يجد عملاً، ولا يستطيع تكوين أسرة، أو بناء منزل، أو العيش بكرامة؟ وما قيمة الشعارات إذا ظل المواطن ينتقل من أزمة إلى أخرى، ومن حرب إلى أخرى، ومن نزوح إلى نزوح؟
أما الذين حكمونا، فهل عاشوا ما عشناه؟ هل ذاقوا مرارة التشرد، أو الجوع، أو انقطاع سبل الحياة؟ الواقع يقول إن كثيرًا منهم ظلوا يعيشون حياة مستقرة، سواء كانوا في الداخل أو الخارج، بينما بقي المواطن البسيط وحده يدفع ثمن كل تجربة سياسية فاشلة.
ثم جاءت مرحلة جديدة، وقيل لنا إن الجنة هذه المرة تكمن في الانفصال. وتكرر المشهد نفسه؛ ارتفعت الشعارات، وتعلقت الآمال، لكن الناس ظلوا يعانون من تدهور الخدمات وضيق المعيشة، بينما انشغل كثير من القيادات بحساباتهم الخاصة، وغابوا عن هموم المواطنين.
بعد نصف قرن من التجارب، يبدو أن المأساة ليست في تبدل الشعارات، بل في استمرار الأسلوب نفسه: وعود كبيرة، وأحلام مؤجلة، ومواطن ينتظر المستقبل الذي لا يأتي.
لقد آن الأوان أن ندرك أن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، ولا بالخطب، ولا بتغيير اللافتات، وإنما ببناء دولة تحترم الإنسان، وتطبق القانون، وتوفر العدالة، وتمنح المواطن فرصة ليعيش بكرامة.
ربما كانت أكبر خسائرنا خلال خمسين عامًا أننا ظللنا نبحث عن جنة وعدنا بها الآخرون، بينما لم ننتبه أننا كنا، وما زال كثير منا، يعيش في قاع المعاناة، منتظرًا وعدًا جديدًا لا يختلف كثيرًا عما سبقه.
