الإثنين 29 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • من تحييد الجيوش إلى إشعال القبائل... هل هذا هو المصير الذي يُراد لليمن؟

من تحييد الجيوش إلى إشعال القبائل... هل هذا هو المصير الذي يُراد لليمن؟

مقدمة:
من أخطر ما يمكن أن تتعرض له دولة تعيش حربًا طويلة ليس هزيمة جيشها داخليا فحسب، بل هزيمة عقيدته الوطنية. فحين تُفرَّغ الجيوش النظامية أو شبه النظامية من انتمائها للوطن، ويُستبدل ولاؤها بعقيدة الطاعة للممول أو المتحكم، يصبح الانقسام قدرًا، وتضيع الثوابت الجامعة التي يلتف حولها الشعب.

وعندما تُهدم الجسور بين أبناء الوطن الواحد، وتُبنى بدلًا منها أسوار الكراهية والشك، لا يبقى أمام من يريد إطالة أمد الفوضى إلا خطوة أشد خطورة: نقل الصراع من مواجهة بين تشكيلات عسكرية إلى اقتتال قبلي واجتماعي.

فحرب الجيوش، مهما بلغت قسوتها، قد تعيد البلاد إلى ما قبل الدولة، أما حرب القبائل فإنها قد تعيد المجتمع إلى ما قبل الحضارة؛ إلى غابة لا يحكمها قانون ولا تضبطها قيم، حيث يصبح الثأر هو الحاكم، والسلاح هو القضاء، والانتماء القبلي هو البديل عن المواطنة.

أليس هذا هو أخطر ما يُراد لليمن؟

من تحييد الجيوش إلى تفكيك الوطن

بعد اثني عشر عامًا من الحرب، لم يعد في اليمن جيش وطني واحد، بل تشكلت جيوش وتشكيلات متعددة، لكل منها عقيدتها وتوجهاتها ومصادر تمويلها ومرجعياتها السياسية أو المذهبية، حتى غدا الولاء، في كثير من الأحيان، مرتبطًا بالداعم أكثر من ارتباطه بالدولة.

بعض هذه التشكيلات تُصنف نفسها ضمن إطار الشرعية المعترف بها دوليًا، وترفع شعار استعادة الدولة، إلا أن واقع الممارسة يكشف أن الإرادات ليست دائمًا متجهة نحو هذا الهدف، وأن الأولويات كثيرًا ما تتوزع بين حسابات النفوذ والمصالح ومتطلبات الداعمين.

وفي المقابل، تمتلك سلطة الأمر الواقع في صنعاء قوة عسكرية منظمة تدين بالولاء للجماعة وعقيدتها الفكرية والسياسية، وتعد نفسها الحامي لمشروعها.

وهكذا وجد اليمن نفسه أمام جيوش متعددة، تتباين عقائدها وولاءاتها، لكنها تظل، على اختلافها، تشكيلات يمكن -نظريًا- أن تنتهي مواجهاتها باتفاق سياسي أو عسكري يعيد ترتيب المشهد ويوقف القتال.

لماذا تُعد الحرب القبلية أخطر؟

تكمن الخطورة الحقيقية عندما يُنقل الصراع من هذه الجيوش إلى القبائل.

فالجيش مؤسسة يمكن إعادة هيكلتها، وإعادة دمج أفرادها، وإخضاعها لقيادة واحدة متى توافرت الإرادة السياسية. أما القبيلة فهي كيان اجتماعي يقوم على النسب والقرابة، وهوية تمتد عبر الأجيال.

ولهذا فإن القتيل في الحرب العسكرية يُسجل ضمن خسائر المعركة، بينما القتيل في الحرب القبلية يتحول إلى ثأر لا يسقط بالتقادم، وإلى حق تتوارثه الأجيال.

ومن هنا تبدأ الحلقة الأخطر؛ إذ لا يعود الصراع سياسيًا قابلًا للتفاوض، بل يصبح اجتماعيًا متجذرًا يصعب احتواؤه.

آثار مدمرة تتجاوز الحرب نفسها

الحرب بين الجيوش قد تدمر المدن والبنية التحتية، وتستنزف الاقتصاد، لكنها غالبًا لا تدمر النسيج الاجتماعي بالقدر الذي تفعله الحروب القبلية.

أما إذا انزلقت البلاد إلى اقتتال قبلي، فإن النتائج ستكون أكثر فداحة، ومن أبرزها:

تفكك الروابط الاجتماعية.

تراكم الثارات بين القبائل.

انهيار الثقة بين المكونات المحلية.

اتساع دائرة الانتقام.

تعطيل التجارة والزراعة والاستثمار.

إنهاك الأسر بأعباء الديات والتسلح المستمر.

إحلال الولاءات القبلية محل مفهوم المواطنة.

تراجع سلطة القانون، وصعود سلطة السلاح.

وعندها لا تصبح الدولة غائبة فحسب، بل يصبح المجتمع نفسه عاجزًا عن إعادة إنتاجها.

الاستهداف الحقيقي

إن أخطر ما يواجه اليمن اليوم ليس استمرار الحرب وحده، بل وجود مسار قد يدفع -بقصد أو بغير قصد- إلى استدراج القبائل إلى ساحات الاقتتال، لتتحول الخلافات السياسية إلى خصومات اجتماعية، ثم إلى ثارات لا تنتهي.

ولو حدث ذلك، فلن يكون المستهدف جيشًا أو سلطة أو طرفًا سياسيًا، بل سيكون المستهدف المجتمع اليمني نفسه، ووحدته، ومستقبله، وقدرته على استعادة الدولة.

فالدولة قد تنهض بعد حرب بين جيوش، لكن المجتمع إذا تمزق بحروب القبائل، فإن إعادة بنائه قد تحتاج إلى عقود طويلة من المصالحات، وجبر الضرر، واستعادة الثقة.

ختامًا

إن الحفاظ على السلم الأهلي، ومنع انتقال الصراع السياسي إلى اقتتال قبلي، لم يعد مجرد خيار سياسي، بل أصبح ضرورة وطنية لحماية ما تبقى من اليمن.

فالحروب العسكرية قد تنتهي بتوقيع اتفاق، أما الحروب القبلية فلا تنتهي إلا بعد أن تترك جراحًا في الذاكرة الجمعية، وثارات في النفوس، وانقسامات تمتد عبر الأجيال.

ولهذا، فإن كل جهد يُبذل لتحييد القبائل عن الصراع، وإعادة الاعتبار للعقيدة الوطنية، وترسيخ مفهوم الدولة والمواطنة، ليس دفاعًا عن طرف دون آخر، بل دفاع عن بقاء اليمن نفسه.