الإثنين 29 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • كتاب المخطوطات التهامية لعبد القادر الحَظَّاء

كتاب المخطوطات التهامية لعبد القادر الحَظَّاء

كتاب المخطوطات التهامية لعبد القادر الحَظَّاء

كتاب «المخطوطات التهامية»، للباحث والمؤرخ الأستاذ عبدالقادر حسن الحظاء مِن أهمِّ الإصدارات اليمنية الحديثة.

يقع الكتاب الصغير حَجًما، الكَبير تَوثيقًا وَتَدوينًا مَعرفِيَّا وَحَضاريًّا في 229 صفحة، قَطْع مُتَوسِّط.

يَدرس الكتاب البدايات الباكرة للتأليف، والتدوين المعرفي والحضاري في منطقته تهامة (تاريخ المخطوطات التهامية).

يتناول في المبحث الأول أساسيات هذه المخطوطات: الهدف، الأعمال الفنية، وما هو المخطوط، والمخطوطات القديمة.

وفي عنوان رئيسي: «توطئة تاريخية للمخطوطات التهامية»؛ يدرس فيه أهمية التُّراث في مختلف المُدُن وَالقُرَى التهامية، ومجال مباحث هذه المخطوطات الثقافية، والأدبية، والعلمية، والفقهية في العُصُور المختلفة.

ويذكر الدُّوَل الزِّيادِيَّة، وَالنَّجَاحِيَّة، وَالرَّسوليِّة، وَالطَّاهرِيَّة، وحصيلة الكتب العلمية، وَالدِّينيَّة، وَالاجتماعيَّة، وَالزِّراعِيَّة وغيرها.

ويتناول عِلمَ المخطوطات، والاهتمام به، وتحديد مواقع المخطوطات، وإعدادها، وغياب اهتمام الدولة.

ويشير أنَّ المخطوط يُعَبِّر عن طبيعة المراحل المختلفة والثقافية، وَمُثُل وَقِيَم المجتمع.

ويدرس تَدرُّج الكِتابة القَديمَة، وَتَنوُّع أشكالها، وَتَنوُّع الكِتَابة في الخلافة الإسلامية.

والكتاب من ألفه إلى يائه مُزَوَّد بالصُّوَر المُلوَّنَة وَالمُوضِّحة، كما يقرأ -بالتفصيل- مَراحلَ المخطوطات، وتعدد طبيعة تشكيلها؛ آتيًا على الخَطّ في الدولتين: الأموية، والعباسية.

ويتناول في المبحث الثاني اختلاط المخطوطات التهامية بالمخطوطات في المناطق الأخرى، مع إبراز الصُّوَر الملونة والموضحة. كما يتناول نشأة المخطوطات التهامية.

ويرى أنَّ أقدم مخطوط يرجع إلى ولاية الحجاج؛ مكتوب في جلد غزال. ويتناول المخطوطات التي ذهبت إلى دار الخلافة في إسطنبول، أو مصر، والتي ذَهَبَت إلى صنعاء.

وَيَقينًا، فَإنَّ ما نُهِبَ من آثار اليمن وتراثها وكنوزها ومخطوطاتها كثير وكثيرٌ جِدًّا.

وَيَتناول المخطُوطات في الّلحيَّة. وفيها مكتبتان مهمتان: المكتبة الأكبر والأهم: مكتبة الصَّافي، والثَّانية مكتبة الشيخ عبد الرحمن بورجي.

كما يتحدث عن سِجلَّ للعقارات، ويضم حالات الزَّواج؛ وتمتد إلى المخلاف السُّليمَاني؛ وهو تقليد مهم.

ويتناول أهم الخَطَّاطين في تهامة، مع صور لأشهر المخطوطات، ويرسم جدول لأهم مصادر المخطوطات في العالم.

ويكرس الفصل الثاني للتعامل مع المخطوطات التهامية. والمبحث الأول عن الدُّور، والمكاتب؛ فيتناول المكتبات في زبيد، مع صُوَر لمخطوطات هذه المكتبات.

ويشير إلى خمسة آلاف مخطوط من مكتبة السيد عبد القادر بن حسين الأنباري؛ تَلِفَ أكثرها بسبب الأرضة؛ وهي نحو ثلاثمئة كتاب في عام 1394، ثُمَّ بقيت البقية للهيئة العامة للآثار، بصنعاء

أذكر في العام 1975 جَاءَ وَفد من الجامعة العربية إلى صنعاء، وَزَارَ القاضي إسماعيل الأكوع- رئيس الهَيئة العَامة للآثار وَدُور الكُتُب حِينهَا، وَصَوَّرَ العديد من المخطوطات، وطلبوا من القاضي النُّزول إلى زبيد؛ لِزيارة مكتباتها، فنزلت معهم، وزرنا المراوعة.

وفي زبيد شاهدنا مكتبة السيد محمد بن سليمان الأهدل؛ وهي مكتبة ضخمة ذكرها كُلٍّ من أيمن فؤاد السيد، ومحمد عيسى صالحية؛ وتَضُمَّ مئات المخطوطات، وقد تَلفَ بعضها بسبب الحرارة؛ فيتحول المخطوط بسبب الصمغ في المداد إلى ورقة واحدة.

كما يشير المؤلف إلى مكتبة السيد عبد القادرالأهدل في المراوعة، وأخذ الإمام لها. والواقع أنَّ هذه المكتبة هي مكتبة العلامة محمد بن أحمد بن عبدالباري الأهدل؛ وهي تضمُّ آلاف المخطوطات مِن مُختَلف مناطق اليمن، وبالأخصّ من صنعاء، وذمار، وصعدة. فبسبب الحروب؛ كانت المخطوطات تُهَرَّب، وَتُبَاع. ومحمد بن أحمد صاحب المؤلف الشَّهير في النَّحو «الكَواكِب الدُّريَّة»؛ ومؤلفاته بالعشرات في مختلف فروع المعرفة.

وأتذكر أنَّ أسرته قد اختلف؛ فكانت الفرصة للاستيلاء على المكتبة؛ فجاءت سيارتا نقل كبيرتان، ونقلت المكتبة؛ وكان هذا في خمسينات القرن الماضي.

وبعد قيام ثورة 26 سبتمبر 1962 ذهبت والسيد محمد شعيب أحد أعلام المرواعة للمحافظ، وكان حينها محمد المطاع؛ فَوجَّه بإعادة المكتبة، ولكن المكتبة كانت قد وُزِّعَت؛ فبعضها نُقِلَ إلى مكتبة الجامع الكبير بصنعاء، وبعضها نُهِبَ، وبعضها أهلكته الرطوبة.

الباحث سلطان ناجي زَارَ في سبعينات القرن الماضي مكتبة الجامع الكبير بصنعاء، وَنَشرَ بَحثًا عن كُتُب محمد بن أحمد بن عبد الباري في الجامع، وَنُشِرَ الموضوع في مجلة «اليمن الجديد»، أمَّا البقية الباقية من المكتبة، فنقلناها إلى جامع المراوعة، ولم تسلم هي الأخرى.

ويتناول المؤلف شرعية وقوانين المخطوطات، ويقوم بتعريف مفردات المخطوطات، ومصطلحاتها، والكتابة، وأدوات الكتابة، وتنظيم مقاسات المخطوطات، والتنسيق والتقسيم، وتوصيف المخطوطات، ونوع الخطوط، وأنواعها؛ كما يدرس الأساليب العلمية؛ لتصنيف، وحفظ المخطوطات.

ويفرد الفصل الخامس للاهتمام الدولي بالحفاظ على المخطوطات التهامية: «المشروع الألماني»، و«مشروع اليونسكو»، و«المشروع الإيطالي»، و«المشروع الأمريكي»، وَحَصْر المخطوطات، وَنَشرَها، وأخيرًا التَّوصِيات والملحقات.

اهتم الباحث مَشكورًا بالمخطوطات التهامية؛ وهي مخطوطات مُهمَلَة، أو فلنقل الأشد إهمالاً؛ وإلا فالتراث اليمني والمخطوط اليمني مهمل ومنهوب.

الباحث الدكتور محمد عيسى صالحية أعد كتابًا قَيمًا عن نهب التراث اليمني من المخطوطات والآثار تحت عنوان «تغريب التُّرَاث العربي»؛ وهو جهد علمي وتتبع دقيق.

بعد المصالحة الوطنية سَادت حُمَّى شراء المخطوطات، وبيعها للعربية السعودية، وكانت مكاتب زبيد وبيت الفقيه هي الأكثر عُرضةً للبيع.

في الثمانينات اكتشفت سيارة في حرض مُحَمَّلة بحطب إلى السعودية، وكان تحت الحطب أربعين مَخطوطًا؛ منها مخطوط بالخط الآرامي عن العهد الجديد؛ يعود لأسرة يهودية في عمران؛ واكتشف المخطوط عِندَ تَهَدُّم جِدَار؛ وهو بخط أحمد تلاميذ المسيحية؛ بعد مئة عام من موت السَّيد المسيح.

سائحون يهود اطلعوا على المخطوط، واتفقوا مع الأسرة للسفر به إلى سوريا، والانتقال إلى لبنان، وأعطوهم مَبلغًا كبيرًا، لكن قوات الرَّدع العَربِيَّة اكتَشَفَتْ المخطوط؛ فَأخذته.

عَرفَ علماء في الآرامية أنَّ المخطوط من أقدم مخطوطات العهد الجديد؛ فطلبوا من الحكومة اليمنية استلامه رَسمِيًّا؛ فَكَانَ ضِمنَ المخطوطات المُهَرَّبَة في منطقة حَرَض.

اهتم الحضارم بكنوز تراثهم، وجمع علي عقيل مكتباتهم، والتي تشكلت منها مكتبة الأحقاف؛ فكانت الملاذ والمرجع لِكُلِّ الدارسين، وطلاب المعرفة؛ ولها فهرسة قام بها الباحث عبد الله الحبشي الذي دَوَّنَ في مجلدين ضخمين كُلَّ مؤلفات اليمنيين ومصادرها الخطية في مكتبات العالم؛ في كتابه «مصادر الفكر الإسلامي».

وقام الأستاذ عبد الله محيرز بالطَّواف على أهم البلدان التي تحتفظ بالوثائق والصحف اليمنية، وأودعها في المكتبة الوطنية عدن (مكتبة باذيب)، ونهبت المكتبات في عدن في حرب 1994، وضاعت ونهبت كُلَّ أدبيات ووثائق الأحزاب السياسية.

وبالقدر الذي تُزجَى التَّحيَّة والشكر للأستاذ عبدالقادر حسن حظاء؛ فِإنَّ الدكتور مقبل التام الأحمدي جَدير أيضًا بالتحايا والتقدير؛ لدوره المشهود في الحفاظ على المخطوطات أثناء عمله كوكيل لوزارة الثقافة، واكتساب ثقة البيوتات الصنعانية في تزويد الوزارة بمخطوطات مُهِمَّة، ولا يزال المتابع والمهتم بالإرث اليمني العظيم.

والرَّحمة والغفران والخلود لأستاذنا الجليل علي أحمد أبو الرجال الذي كان القُدوَة وَالمَثَل.