أزمة مضيق هرمز: هل تعيد الجغرافيا السياسية صياغة قانون البحار؟
لطالما كانت الممرات المائية هي الشرايين التي تضخ الحياة في جسد الاقتصاد العالمي، لكنها في الوقت ذاته كانت الفتيل الكامن وراء كبرى الصراعات الإمبراطورية عبر التاريخ. فمن يسيطر على مضايق البحار، يمتلك مفاتيح النفوذ، والقدرة على توجيه بوصلة القوة العالمية. واليوم، لا تبدو الأزمة المستمرة في مضيق هرمز مجرد مناوشة سياسية عابرة أو توتر إقليمي مؤقت، بل هي محاولة حقيقية لإعادة صياغة النظام القانوني الدولي للمضايق، مما ينبئ بإعادة رسم خارطة التوازن الاقتصادي والنفوذ العالمي.
إذا تصفحنا كتاب التاريخ، سنجد أن صراعات القوى العظمى، من الحروب البونيقية بين روما وقرطاجة إلى الحروب الإنجليزية الهولندية، تمحورت في جوهرها حول السيطرة على طرق التجارة البحرية. ورغم أن بعض الحروب اشتعلت لأسباب برية أو عقائدية، إلا أن الحروب التي غيرت وجه العالم كانت بحرية بامتياز.
هذا الإدراك لخطورة عنق الزجاجة البحري هو ما دفع المجتمع الدولي، في عام 1982، إلى صياغة اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، في محاولة لحياد هذه الممرات وتأمين تدفق التجارة بعيداً عن مزاجية السياسة وصراعات الدول المطلة عليها.
تكمن المعضلة الحالية في مضيق هرمز في ثغرة قانونية وسياسية تستغلها طهران بذكاء. فبينما يضمن القانون الدولي المعاصر ما يُعرف بـ«حق المرور العابر»، والذي يمنح السفن التجارية والعسكرية حرية العبور السريع دون شروط، تتبنى إيران موقفاً مغايراً، مستندة إلى أنها وقعت على اتفاقية 1982 ولم تصادق عليها.
تسعى طهران إلى فرض مفهوم قديم، هو «المرور البريء». هذا الفارق المصطلحي ليس مجرد ترف قانوني، بل هو جوهر الصراع. فالمرور العابر يجرد الدولة المطلة من حق اعتراض السفن أو فرض شروط عليها.
المرور البريء يمنح الدولة المطلة صلاحيات واسعة لتفتيش السفن، أو تعليق المرور إذا رأت أن في ذلك تهديداً لأمنها القومي.
إن محاولة إيران إدارة المضيق وحركة المرور فيه، تحت أي مسمى، سواء حماية الأمن الإقليمي أو الرد على الضغوط الدولية، هي محاولة عملية لفرض أمر واقع يطيح بالقواعد القانونية المستقرة منذ عقود، واستبدالها بنظام قانوني جديد يعطي الأولوية لـ«قوة الموقف الجغرافي».
إذا نجحت هذه المحاولة في التحول إلى عُرف دولي جديد، فإن شظايا هذا التحول ستعيد تشكيل النظام العالمي.
إن نجاح نموذج فرض السيطرة في هرمز قد يشكل سابقة دولية تشجع دولاً أخرى تطل على مضايق حيوية، مثل باب المندب أو مضيق ملقا، على اتخاذ خطوات مشابهة، مما يهدد بانهيار نظام عولمة التجارة الحرة وعودة العالم إلى زمن المربعات الأمنية المغلقة.
هذا القلق الجيوسياسي سينعكس حتماً على تسريع إيجاد ممرات بديلة؛ سنشهد طفرة في الاستثمار بالخطوط البرية العابرة للقارات، مثل مبادرة الحزام والطريق، وحتى استغلال ممر بحر الشمال الجليدي. هذا التحول سيعني، بالضرورة، إزاحة مراكز الثقل الاقتصادي التقليدية نحو مسارات جديدة تماماً.
إن ما يشهده مضيق هرمز اليوم ليس مجرد أزمة أمنية مؤقتة تنتهي بانتهاء مسبباتها السياسية، بل هو مطبخ قانوني وجيوسياسي تُطبخ فيه قواعد النظام الدولي الجديد. إن صياغة نظام قانوني جديد للمضايق تعني، ببساطة، إعادة توزيع أوراق القوة والنفوذ في العالم. وكما بدأت كبرى تحولات التاريخ من البحار، يبدو أن مستقبل النظام العالمي الجديد يرتسم اليوم فوق مياه هرمز الضيقة.
