الجمعة 26 يونيو 2026

الجنوب وتجريف الذاكرة (3)

ذكرنا في الحلقة السابقة أن اليسار اليمني في الشمال كان قد أدرك مآلات التسرع وخطورة ذلك على الوحدة، وكانت قيادات ومثقفو اليسار في الجمهورية العربية اليمنية يدركون ذلك من أوقات مبكرة، لعلمهم المسبق بأن نظام صنعاء يقوم بخطوات مدروسة للانقلاب على أية وحدة يخطط لها مع النظام في عدن، وقد سبق لنظام صنعاء في بداية حكم علي عبدالله صالح أن اغتالت أجهزته الاستخباراتية ثلاثة قادة بارزين من اليسار الشمالي، وهم الدكتور عبدالله قاسم الدميني، والدكتور عبدالسلام قاسم الدميني، والطبيب الدكتور عبدالكريم قاسم الدميني. وقد كان الدكتور عبدالسلام الدميني في رئاسة لجنة الحوار الوطني بين الجبهة الوطنية الديمقراطية وبين النظام في صنعاء، وكان مشرفًا على ذلك الحوار النظام في عدن. 

وقد ذكر هذا الكلام الأستاذ جار الله عمر في مذكراته التي جمعها الصحفي صادق ناشر في كتابه الذي عنوانه "جار الله عمر يتكلم"، وقد ذكر الأستاذ جار الله عمر أن نظام صنعاء أراد اغتياله وهو يحاور السلطة في صنعاء، أثناء ما كان يقيم في أحد فنادق العاصمة، الأمر الذي جعل جار الله عمر يتواصل مع قيادة الجنوب لإبلاغ قيادة الشمال بسحب الفريق المفاوض، وعلى رأسه جار الله عمر، والتوجيه بحماية الفريق ورئيس الفريق، وكان من جار الله عمر أن قرر السفر إلى عدن عبر البر مرورًا من يريم وقعطبة وصولًا إلى الضالع.

وقد ذكر الأستاذ جار الله عمر أن الطرف الجنوبي كان الطرف الأكثر إخلاصًا للوحدة والأكثر تفاعلًا مع خطواتها، أكثر من الطرف الشمالي، وكانت الأدبيات والوثائق التابعة لليسار الحاكم في عدن منذ الاستقلال، تضع الوحدة في مقدمة أهدافها، وتسعى القيادة جاهدة لتحقيقها، إلا أن تعاطي القيادة الجنوبية مع مشروع الوحدة اليمنية كان ينقصه الإدراك والفهم، كما كان عليه الحال عند تحقيق الوحدة الألمانية، حيث كانت قيادة ألمانيا الشرقية ذات الميول الاشتراكية، تدرك الأخطار المحدقة بوحدة الألمان متى ما كانت الخطوات غير مدروسة وموثوقة.

وكان عدد من مثقفي حزب الوحدة الشعبية اليمني في الشمال اليمني، طرحوا أطروحات مشابهة للأطروحات المقدمة من الاشتراكيين الألمان؛ قادة ألمانيا الشرقية، أثناء حواراتهم على طريق الوحدة الألمانية.

وحين قدم الأستاذ جار الله عمر ما سماها الوثيقة النقدية والتحليلية المقدمة للمكتب السياسي واللجنة المركزية في عدن، وهي وثيقة تحدثت بإسهاب عن المشاكل التي أدت إلى ما تعرض له النظام في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، بسبب أحداث يناير، والتي أرجعها الأستاذ جار الله عمر إلى غياب الديمقراطية وعدم مشاركة الأحزاب السياسية والقوى الأخرى في الحكم، وهو ما أوصل البلاد إلى ما وصلت إليه في تلك الأحداث.

وكان جار الله عمر من خلال تلك الوثيقة يريد من القيادة في عدن أن تفتح باب الديمقراطية في وقت مبكر يسبق الوحدة، وتكون المصالحة الوطنية في الجنوب خطوة أولى نحو تحقيق الوحدة الوطنية الديمقراطية الجنوبية، ويأتي من بعدها التفكير بالوحدة بين الشطرين الشمالي والجنوبي.

وفي الحلقة القادمة إن شاء الله سيكون لنا حديث عن محاولات لترسيخ الوحدة اليمنية، وما هي الأسباب التي أدت إلى مزيد من التشظي؟ وما هو عليه الحال منذ عام ٢٠٠٧م في الجنوب اليمني؟ وإلى أين وصلت الأمور في ما بعد وصولًا إلى دخول الحوثيين الجنوب اليمني؟ وإلى ما بعد ذلك، واثر الحروب الدائرة في اليمن على وحدة الشمال والجنوب، والتجريف الذي تعرضت له الذاكرة الجنوبية، وأثر ذلك التجريف على حياة الشعب جنوبًا وشمالًا.