البحث عن الأبله السياسي في اليمن: لماذا يبدو النزيه غريبًا في زمن الحرب؟
حين نشر دوستويفسكي روايته الشهيرة "الأبله"، لم يكن يكتب عن رجل ضعيف العقل، بل عن إنسان نقي أُلقي به في عالم لا يفهم النقاء. كان الأمير ميشكين يرى الناس كما هم، ويعاملهم كما ينبغي أن يكونوا، لا كما تفرض المصالح والمخاوف والأطماع. ولهذا لم ينظر إليه المجتمع باعتباره نموذجاً أخلاقياً متقدماً، بل باعتباره شخصاً غير قادر على فهم قواعد الحياة. لم يكن "الأبله" في الرواية هو الأقل ذكاءً، بل ربما كان الأكثر إنسانية بين الجميع.
هذه المفارقة القديمة تبدو اليوم أكثر حضورا في اليمن من أي وقت مضى.
ففي بلد مزقته الحروب والانقلابات والانقسامات، لم يعد السؤال السياسي يدور فقط حول من يحكم أو كيف يُحكم، بل أصبح سؤالا أعمق يتعلق بطبيعة الإنسان الذي نريده في المجال العام، فمنذ عقود واليمن ينتج السياسيين والقادة والزعماء والخطباء والمفاوضين وقادة الميليشيات وقادة الأحزاب، والانتهازين الناعمين من أصحاب المجالات الحقوقية والبحثية والصحفية ، لكنه ما زال عاجزا عن إنتاج ذلك النموذج النادر الذي يستطيع أن يجمع بين السياسة والأخلاق دون أن يخسر إحداهما.
ولعل المأساة أن المجتمع نفسه لم يعد يثق بهذا النموذج إن ظهر.
ففي بيئة طويلة التشبع بالصراع، يصبح الشك فضيلة، وتتحول الحيلة إلى ذكاء، ويُنظر إلى المناورة باعتبارها خبرة سياسية، ومن يفاخر بالعقارات العابرة للحدود شاطرا ، بينما يبدو الصدق نوعا من السذاجة ، وإذا ظهر شخص يتحدث بلغة المبادئ أكثر من لغة المصالح، فإن أول سؤال يُطرح حوله ليس: هل يقول الحقيقة؟ بل: ما مصلحته الخفية؟ ومن يقف وراءه؟ وما المشروع الذي يخفيه؟
لقد تعلم اليمنيون من كثرة الخيبات أن يشكوا في كل شيء، حتى في الفضيلة نفسها.
وهنا تكمن المعضلة الكبرى.
فالحرب لا تدمر المدن فقط، بل تعيد تشكيل المعايير الأخلاقية للمجتمع. ومع مرور الزمن تتغير صورة السياسي الناجح. ففي أوقات السلم يُحتفى بمن يبني المؤسسات ويحقق التنمية ويوسع مساحة الحقوق والحريات، أما في أوقات الصراع الطويل فإن البطل غالبا يصبح من يملك السلاح أو المال أو القدرة على الحشد والتعبئة. وتتراجع القيم المدنية لصالح قيم القوة، ويصبح الصوت المرتفع أكثر تأثيراً من الفكرة العميقة، ويصبح الولاء أهم من الكفاءة، والانتماء أهم من النزاهة.
وفي مثل هذه البيئات يولد "الأبله السياسي "
ليس لأنه قليل الفهم، بل لأنه يرفض أن يتكيف مع الانحدار الأخلاقي السائد ، إنه ذلك الشخص الذي ما زال يتحدث عن الدولة بينما يتحدث الجميع عن الغنائم. ويتحدث عن المواطنة بينما يتحدث الآخرون عن الطائفة والقبيلة والمنطقة. ويتحدث عن القانون بينما يبحث الجميع عن الاستثناءات. ويتحدث عن المستقبل بينما يعيش الآخرون أسرى صراعات الماضي.
ولهذا يبدو غريباً.
فالمشكلة ليست في أفكاره، بل في أن البيئة المحيطة فقدت قدرتها على تصديقها.
ومن يتأمل تاريخ اليمن الحديث سيجد أن كثيرا من الشخصيات الوطنية التي حظيت بالاحترام بعد رحيلها كانت في حياتها موضع سخرية أو اتهام أو تهميش. ذلك لأن المجتمعات المنقسمة غالبا ما تكتشف قيمة الأخلاقيين بعد فوات الأوان. وعندما يشتد الصراع يعلو صوت المتطرفين والانتهازيين وأصحاب المصالح الضيقة، بينما يتراجع أصحاب المشاريع الوطنية الجامعة إلى الهامش.
لقد امتلأت الساحة اليمنية خلال العقود الماضية بمشاريع كثيرة. مشاريع دينية ومذهبية وقبلية ومناطقية وأيديولوجية وحزبية ، وحقوقية ، وبحثية ، وصحفية ، ومبادرات غامضة ، وكل مشروع منها كان يعد أتباعه بالخلاص. لكن النتيجة النهائية كانت مزيدا من الانتهازية و الانقسام والتشظي وتآكل الدولة. وفي خضم هذا المشهد لم يعد السؤال: أي مشروع انتصر؟ بل: ماذا بقي من اليمن نفسه؟
إن أخطر ما أصاب السياسة اليمنية ليس تعدد المشاريع، بل اختفاء المسافة الأخلاقية بينها ، فحين تصبح الوسائل بلا ضوابط أخلاقية، يفقد المشروع معناه مهما كانت شعاراته جميلة. وعندما يتحول الكذب إلى أداة مشروعة، والتحريض إلى وسيلة عادية، والتخوين إلى لغة يومية، فإن الجميع يخسرون حتى لو ظنوا أنهم انتصروا.
ولهذا فإن اليمن لا يحتاج اليوم إلى مزيد من السياسيين المهرة بقدر ما يحتاج إلى استعادة القيمة الأخلاقية للعمل السياسي نفسه.
فالسياسة في جوهرها ليست فن السيطرة على الآخرين، بل فن إدارة المصالح العامة. وليست القدرة على هزيمة الخصوم، بل القدرة على بناء مجتمع يستطيع المختلفون العيش داخله دون خوف. أما حين تتحول السياسة إلى ساحة صراع دائم، فإنها تفقد معناها وتتحول إلى مجرد امتداد للحرب بوسائل أخرى.
ولعل المشكلة الأعمق أن الثقافة السياسية السائدة أصبحت تكافئ الانتهازي أكثر مما تكافئ المبدئي. فالذي يغير مواقفه وفق موازين القوة يوصف بالواقعية. والذي يتمسك بموقفه الأخلاقي يوصف بالمثالية. والذي يجيد عقد الصفقات يعتبر سياسيا ناجحا. أما الذي يرفض المساومة على المبادئ فيُتهم بأنه لا يفهم تعقيدات الواقع.
وكأن الواقع أصبح عذرا دائما للتخلي عن الضمير.
لكن الأمم لا تنهض بهذه الطريقة.
فكل التجارب الناجحة في التاريخ لم تبنها العبقرية السياسية وحدها، بل بنتها أيضاً شخصيات امتلكت شجاعة أخلاقية استثنائية. أشخاص كانوا قادرين على قول "لا" عندما كان الجميع يقول "نعم". وقادرين على الدفاع عن الحقيقة عندما كان الكذب أكثر ربحاً. وقادرين على التضحية بالموقع من أجل المبدأ، لا العكس.
وهذا بالضبط ما نفتقده اليوم.
إن البحث عن الأبله السياسي في اليمن ليس بحثا عن شخص ساذج أو حالم أو منفصل عن الواقع. بل هو بحث عن إنسان يفهم الواقع بكل قسوته لكنه يرفض أن يصبح جزءا من قبحه. يفهم طبيعة الصراع لكنه لا يجعل الصراع هويته. يعرف معنى القوة لكنه لا يعبدها. ويدرك حجم الفساد لكنه لا يسمح له بابتلاع روحه.
إنه السياسي الذي يستطيع أن يعيش وسط عالم مليء بالأقنعة دون أن يفقد وجهه الحقيقي.
وربما يكون هذا هو التحدي الأكبر أمام اليمن في المرحلة المقبلة. فإعادة بناء الطرق والموانئ والمطارات والمؤسسات مسألة يمكن أن تتحقق بالإرادة والموارد. أما إعادة بناء المعنى الأخلاقي للسياسة فهي المهمة الأصعب. لأنها تتطلب إعادة الاعتبار لفكرة بسيطة أصبحت تبدو غريبة في زماننا: أن السياسة ليست مجرد طريق إلى السلطة، بل مسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع.
وفي النهاية، ربما لا يحتاج اليمن إلى أذكى سياسي في تاريخه، بقدر ما يحتاج إلى ذلك "الأبله" الذي تحدث عنه دوستويفسكي؛ الإنسان الذي يعرف العالم كما هو، لكنه يصر على ألا يتخلى عما ينبغي أن يكون عليه. فالأمم لا تنقذها القوة وحدها، ولا الذكاء وحده، بل ينقذها أولئك الذين يمتلكون الشجاعة النادرة لكي يظلوا بشراً في زمن أصبح فيه التوحش أسهل من الإنسانية.
