الخميس 25 يونيو 2026

الإمام الذي حكم بالشك

رجل يسمع همسة فتضيق الدنيا حول صاحبها ويصير الظن حكماً بالموت. الشوكاني يصفه بالسفاك الذي يهدر الدماء لمجرد الشك. دخل العلماء في هذه الدائرة ثم لحقت بهم العامة، وما إن تولد الشبهة حتى تقترب المقصلة. الرقاب كانت أقرب إلى السيف من العدالة.

في المواهب شرق ذمار جلس رجل فوق سلطة واسعة يطارد ظلاً لا يستقر. ومع اتساع الدولة كانت الريبة تتسع بدورها، وكل فوج جديد من الجنود يجلب معه أسماء أخرى تستدعي الشك. هكذا انقضت سنوات الناصر المهدي محمد بن أحمد بن الحسن المعروف بـ"صاحب المواهب" بين تمرد يخمد وآخر يشتعل وصراع ينتهي لتنهض آثاره في مكان مختلف، حتى بدت البلاد كأرض يابسة تنتظر شرارة تكفي لإشعالها.

وصل إلى الإمامة بعد وفاة المؤيد محمد. ارتبط لقبه الأول بالمكان الذي أقام فيه "المواهب". أما الصورة التي استقرت في الذاكرة اليمنية فخرجت من سجون مكتظة وقرى يسكنها الخوف وطرقات تتناقل أخبار القتل كما تحمل الريح الغبار. يصفه المؤرخون بأنه كان يأخذ المال من الرعايا بلا تقدير ويقتل بناء على الظنون والشكوك.

ومن أغرب ما ارتبط بسيرة صاحب المواهب تلك الروايات التي تحدثت عن أوامر ليلية تنتهي مع الفجر إلى قرارات نافذة. كان يُشاع أن صوتاً يخبره بمن يُقتل أو تُصادر أمواله أو يُعاقب فتتحرك أجهزة الدولة في الصباح كأنها تنفذ تعليمات كُتبت في موضع لا تبلغه الأبصار. ويورد الشوكاني هذه الأخبار ثم يعلق بأن المخاطِب ربما كان من مردة الجن. واتجه اهتمامه إلى عقلية حاكم جعل من الشك أساساً للحكم.

لا تكتفي السلطة الجائعة بالدم ولكنها تمتد إلى الجيوب والحقول والمخازن. كان الفلاح يراقب موسمه وهو ينضج تحت الشمس ثم يراه يتبدد في دفاتر الجباة. ويجمع التاجر أرباح عام كامل فتسبقه الأيدي الممدودة إلى نصيبها. كبرت الدولة وامتلأت الخزائن وتراجعت أحوال القرى.

ثم جاءت الثورة. ضاقت الأرض تحت أقدام صاحب المواهب. أخذت المناطق تخرج من يده الواحدة تلو الأخرى. تراجع النفوذ واقترب الخصوم من مراكز القوة. عندها دخلت البلاد فصلاً جديداً من العنف. جمع المرتزقة من الموانئ والجهات المختلفة وألبسهم الأحمر ثم دفعهم عبر اليمن. كان اللون نذيراً يسبق وصول الحملة إلى القرى البعيدة. وما إن يظهر الجيش حتى تتوارى الطمأنينة ويبدأ الناس التفكير في الفرار.

من شبام إلى الجهات الممتدة نحو صعدة تحركت الحملات وخلفها أبواب محطمة وحقول مهجورة وبيوت خالية. حمل الناس أبناءهم وما خف من متاعهم وساروا في الطرقات بحثاً عن نجاة بعيدة. قرى بأكملها أطفأت مواقدها ومضت تاركة النوافذ مفتوحة على الفراغ. بقيت الآبار تنتظر من يعود إليها وظلت الحقول وحيدة تحت الشمس.

كان الحصار وجهاً آخر للحرب. مدينة محاصرة تعني أسعاراً ترتفع يوماً بعد يوم وطحيناً أقل مما تحتاجه الأفواه وطوابير تمتد أكثر فأكثر. وفي الشتاء كان الحطب يندر حتى تضطر الأسر إلى اقتلاع أبواب منازلها وإلقائها في النار. تحولت الأخشاب التي صُنعت لتؤوي الناس إلى وقود، وأخذ البيت يلتهم أجزاءه ليمنح أهله فرصة إضافية للبقاء.

استمرت الحملات في البيضاء والمشرق. كان الليل يهبط على القرى ثم يصل الفرسان. وعندما يطلع الصباح تظهر رؤوس محمولة وأسرى مقيدون ويتحرك خلف الجنود متاع مسلوب. ومع توالي السنين استقر المشهد في تفاصيل الحياة اليومية. كبر الأطفال على أخبار الغارات وحفظت النساء أسماء الغائبين. وظلت الجبال تردد أصداء الخيول العائدة من حملاتها.

رحل صاحب المواهب بعد سنوات طويلة من الصراع واحتفظت الأرض بآثار مروره. بقي طريق سلكته الجيوش ذات يوم، وباب اقتُلع من بيت ليصير حطباً، وزنزانة انطفأت فيها أنفاس سجين، وقرية غادرها أهلها عند الفجر حاملين أطفالهم وما استطاعوا حمله. مثل هذه التفاصيل تعيش أطول من أصحابها وتبقى عالقة في الحجارة والحكايات وذاكرة الأمكنة.