في مقيل الرئيس
ربما لو فكرت بموضوع هذا المقال قبل عشر سنوات من الآن، كنت قد تراجعت وصرفت الفكرة من رأسي باحثاً عن موضوع آخر. لكن وفي ظل ما جرى ويجري في اليمن، فإن موضوعا عن مقيل مع رئيس الجمهورية حينها و الذي غادر الحياة وتبعه خليفته، لم يعد موضوع سياسي او مسيس، وصار جزء من الماضي وربما في أقرب الأحوال جزء من التاريخ باعتبار الماضي خرج من الفعل التأثيري، ولكن التاريخ ما زال يملك تأثيرا في رسم الواقع الحالي، ولكن يبقى التاريخ محدود التأثير بنسبه متفاوتة من تجربة الى أخرى.
يختلف قادة وسياسيي السلطة عن نظرائهم في المعارضة بأن السلطويين أكثر ثقة في النفس، واقل حدة في تقييم المواقف، وربما يرجع ذلك الى شعورهم بالقوة التي تمنحها لهم السلطة، ولكنهم سرعان ما يفقدوا هدوئهم عند توجيه النقد العلني لإجراءات أو قرارات تتخذها السلطة. اما المعارضة فإنهم حادين ومستفَزّين وهجوميين طوال الوقت، وأحيانا ناقدين بسخريه لاذعه. وتظهر الخطابات الاعلامية للطرفين الطبيعه الإنسانية لهم.
على مدى سنوات طويلة من الحكم، طور الرئيس علي عبدالله صالح ومن موقعه كرئيس، آلية تواصل تركزت في شكل لقاءات صباحية رسمية، ومقايل مسائية أقل رسمية وأكثر إنسانية وتكون فيها نتائج أكثر تأثير وفاعلية، وكانت هذه اللقاءات مع المشايخ والأحزاب والتنظيمات السياسية، الشخصيات الاجتماعية المؤثرة في المحافظات، وغيرها من النخب السياسية والاجتماعية، وبحكم العادات والتقاليد كانت المرأة تغيب عن هذه المقايل. وكانت هناك مقيل كل خميس بعيد عن الرسميات والنخب السياسية، ويكون خليط من رجال الدولة من نائب الرئيس ورئيس الوزراء ومستشاريه ووزراء وقادة معارضة وشخصيات مستقلة وشخصيات من المحافظات كما كانت هذه المقايل تشهد ضيوف عرب في بعض الأحيان. وقد سمعت من صحفيين وساسة مصريين إشادة بهذا النوع من اللقاءات غير الرسمية والمتحررة من قيود الإعلام وحسابات السلطة والمعارضة، وقال لي أحدهم " لديكم في اليمن رئيس وسلطة لديها تواصل مرن لا يتوفر لدينا أو لدى دول أخرى في المنطقة ".
أثناء الانتخابات البرلمانية عام 2003م بدأ أسمي يظهر في الإعلام كمحامي وناشط سياسي، ضمن الفريق القانوني لأحزاب اللقاء المشترك المعارض، وسبق ذلك كتاباتي عن أسباب رفض المعارضة التعديلات الدستورية عام 2001 وسأل الرئيس عني، و فيما قام أحد قيادات المؤتمر الشعبي العام ينتقدني و يصفني "بالمشعب" لكن الشيخ سلطان البركاني الذي عرفني في مقيله ودارت بيننا نقاشات كانت حادة أحيانا ( ضمن ثقافة المعارضة التي كانت ملازمة لي في البدايات ) سارع الشيخ سلطان للثناء على شخصي، باعتباري محامي ادافع عن الصحافة والإعلام وأتولى الدفاع عن الصحفيين وأغلبهم من صحفيي المعارضة، ولكن لا أخفي رأيي في رفض شخصنة النقد الصحفي في شخص الرئيس أو المسئولين، وبالتالي يجب احترام شخص الرئيس وعدم التناول الشخصي له واقتصار النقد على السياسات. وهنا أعجب الرئيس برأي الشيخ سلطان، الذي أضاف للرئيس أن المحامي جمال هو نسب علي سيف حسن (زوج بنته)، وهكذا أبدى الرئيس رغبته في ان نلتقي، ولكن لم يحدث اللقاء، وفي مقيل آخر عند الرئيس تحدث الصديق العزيز والزميل المحامي نزيه العماد عن قضية كنت فيها محامي الخصم في مواجهة نزيه العماد، عندها طلب منه ان يدعوني للمقيل عند الرئيس الذي سمع كلام طيب عني، وفي الاسبوع التالي كان عمي علي سيف حسن في مقيل الرئيس صالح، الذي قال له الاسبوع القادم تجيب نسبك معك يا علي سيف، وكانت الطريقة المعروفة ان يتم الاتصال ظهر يوم الخميس الى رقم تحويلة الرئاسة وسؤال علي معوضة اذا كان الرئيس مخزن ويرغب في حضور المتصل، وهكذا يكون الاتصال من علي معوضة الساعة الثالثة عصرا .." أخ فلان. تفضلوا المقيل عند الرئيس " ويكون المقيل عادة من الساعة 4 الى الساعة 7 مساء أي ثلاث ساعات.
المقيل الأول
في اول مقيل واول سؤال سألني الرئيس "من اين انت يا جمال؟" اجبته انا من مديرية حبيل ريده منطقة حالمين، من قرية بوران. قال انت حالمي من اي قبيلة؟ قلت له قبيلة الحشري، وجه الرئيس حديثه لعمي" يا علي نسبك من لحج مش الضالع!!" قال له علي سيف انا زوجته في صنعاء وما فرقت عندي من اين هو طالما تأكدت من اخلاقه وشخصيته" أضاف الرئيس مستعرضاً معرفته تفاصيل المنطقة " عموما هو من قرية وقبيلة معروفة وهي محادة للضالع ويمكن اعتبارها من الضالع فعلا".
استطاع الرئيس ان يكسر حاجز اللقاء الأول بهذه الاسئلة، وانتقل بعدها ليسأل عن عملي الجديد مع الامم المتحدة وعن المرتب الذي استلم، قال " كم يجيبوا لك 7 ألف دولار؟" ضحكت وقلت اقل كثير يا فندم، قال ربنا يوفقك. انت شاب مجتهد وسمعتك طيبه. وانتقل الحديث نحو أشخاص آخرين.
في نهاية المقيل وعندما وقف استعداد للمغادرة، استدعاني ومد يده للسلام وقال هل تحتاج حاجة، شكرته قائلا ما تقصر يا فندم، قال انت مرحب بك في اي وقت.
بعد المقيل الأول تلقيت رسائل واتصالات تدل على أهمية المقيل، من ذلك اتصال أحد مستشاري الرئيس الاعلاميين، وهو لا يخزن، وكان لطيفاً ومرحبا بي ويدعوني اللقاء معه في مكتبه. وفي لقاء مع رجل أعمال من المحسوبين على حزب الإصلاح وقد كنت متعاقد معه مستشار قانوني لشركته، فإذا به يقول بلغني أنك صرت من المخزنين عند الرئيس. هل تم استقطابك وما هو المنصب الذي ستحصل عليه؟ لم يثر السؤال ولا طريقة السؤال التهكمية استغرابي فهذا طبيعي ومتوقع لمن يقترب من رئيس الدولة، ما بالك بمن يخزن مع الرئيس. اجبته بأنني لن ارفض أي عرض يقدم لي رغم أنني اعمل مع الامم المتحدة الآن ولم يسبق لي العمل مع الدولة، لكن سؤاله كشف لي عن أهمية مقيل الرئيس.
انتقاد القات في مقيل
في أحد هذه المقايل قال الرئيس علي عبد الله صالح “ باقي لي سنتين أكمل فترة الرئاسة وارجع اعلم أصحابك كيف تكون المعارضة" وهي نفس العبارة التي قالها في مقابلة تلفزيونية خارجية. اما المقيل الأسبوعي يوم الخميس عند علي عبدالله صالح فإنه نادرا ما يخوض في الشأن السياسي بعمق، ويكتفي ببعض النقاشات خاصة ان الكثير من قيادات المعارضة والمشايخ والشخصيات الاجتماعية والدينية من المحافظات، بالإضافة الى رجالات الدولة يتواجدوا، وفي أحيان يكون هناك ضيوف أجانب، ومن ذلك الصحفي اللبناني فيصل جلول الذي شارك في مقيل أثار فيه الرئيس موضوع تعاطي القات وأضراره، ويومها ايده الحاضرين، ولم يعارضه بأدب يليق بالحديث الودي سوى الضيف فيصل جلول والاديب والشاعر عباس الديلمي، وانا ارجعت معارضتي الى ان الانسان هو من يحدد الضرر وكيف يتجنبه ماليا او صحياً، وكان لفيصل جلول رأي معارض عبر عنه بعبارة جميلة عندما قال " في فمي ماء".
كان علي عبدالله صالح في مقيله الاسبوعي لطيف وودود الى حد كبير، و لا يشعر المخزنين بأي حده او هجوم، ويضحك بصفاء وعفوية.
في حديث حول الأوضاع وموقف المعارضة منها، وجه الحديث نحوي، قائلا اقرأ افتتاحية صحيفة الثورة يوم غدا وسوف تعرف الموقف. والرئيس بهذه الإشارة يوضح أهمية افتتاحية صحيفة الثورة وحرصه على تمرير رسائل للداخل والخارج عبرها، وهو ما كان يحدث في دول كثيرة ولعل أبرزها افتتاحية جريدة الأهرام المصرية ( بصراحه) في عهد جمال عبد الناصر للأستاذ محمد حسنين هيكل.
شيشة وحلبة
في أحد المقايل كان الحديث حول التدخين، وعدد المدخنين في مقيل الرئيس، ورغم ان التدخين لم يكن ممنوع في المقيل، ولكن بعض من يرغب ان يدخن كان يخرج الى الصالة المجاورة للمقيل للتدخين حتى لا يؤذي الآخرين. قال الرئيس ان المدخنين قد نقصت أعدادهم وللتدليل على ذلك قام بإحصاء المدخنين من الموجودين، وكان إجمالي المخزنين 35 وأحصى الرئيس ستة أشخاص معلوم انهم مدخنين، وهنا قال نزيه العماد ، وهو من المدخنين، العدد سبعه. استغرب الرئيس وقال ستة من اين جبت السابع، صمت نزيه ولم يتكلم. بعد المقيل ونحن نغادر سألت نزيه عن الرقم سبعة، ضحك وقال ان خالد ابن الرئيس الذي تخرج من ساندهيرست في بريطانيا، هو السابع في المدخنين، ولكنه لم يكن يدخن في حضرة والده ولكنه غادر المقيل فيما بدى انه للحمام، أكثر من ثلاث مرات، ولما كان شاب فإنه من المستبعد ان يكون مصاب بالسكر حتى يذهب للحمام كثيرا، وباعتبار نزيه مدخن، فإن المبرر الوحيد لديه ان خالد علي عبدالله صالح يدخن لكن ابوه لم ينتبه لذلك ولم يضعه في قائمة المدخنين. واستمرار لموضوع التدخين اتجه الحديث نحو الشيشة، ونوعية المادة التي توضع للفلتره في مكان زجاجة الماء، قال أحد المخزنين أن البعض يعمل مشروبات غازية بنكهات مختلفة مثل البيبسي أو الفانتا رمان او تفاح، وقال آخر وهو مسئول أمني، ان هناك من يعمل خمر، ضحك الرئيس وقال ما هو ما هو يا فلان...؟ أدرك المسئول الامني ان الرئيس ضبطه متلبس، لكن الرئيس وجه السؤال نحوي، عن اغرب ما يضاف للشيشة، قلت له ان أحد الدبلوماسيين الخليجين كنا نخزن عند ويوزع الشيشة ويضع مع الماء " حلبه" ضحك الرئيس وقال مستغرباً " حلبه؟!!" كيف يمكن أن تكون النكهة، وماذا بشأن الرغوة. أوضحت له ان الحلبة تكون حبوب وليست مطحونة، والنكهة تكون قوية وتجعل المدخن يشعر بالدوار.
مدينة الصالح
أثناء الاستعداد لبطولة كأس الخليج (خليجي 20) عام 2010م جرى نقاش حول الاستعدادات، وورد ذكر مدينة الصالح التي قررت جمعية الصالح بناءها وتخصيصها للشباب في عدد من المحافظات، يومها قلت للرئيس لو أنك جمعت هذه المباني المتفرقة وعملتها في مكان واحد، على ساحل المخاء أو ذو باب على سبيل المثال، واسميتها مدينة الصالح، كنت قد أسست مدينة جديدة تجمع اليمنيين من كل مكان، أجاب الرئيس بنبرة استفزازية مشكلتكم يا شباب هذه الأيام أنكم لا تعرفوا الشعب اليمن، يا جمال الانسان اليمني يريد حقه ال ) الكامبه( إلى رأس ملحان( منطقة جبلية مرتفعة في المحويت)، ساد الصمت في المقيل وتبرع أحد أعضاء مجلس النواب متملقاً الرئيس ليقول لي خلاص يا جمال واضح ان الرئيس اسكتك برده، لم ارد عليه ولا على تعليق الرئيس، ودار الحديث نحو موضوع آخر، وكان سالم سلمان وكيل وزارة الصناعة حينها أعاد النقاش نحو الموضوع عندما قال للرئيس يا فندم لماذا لا تسمع الفكرة كاملة من جمال وقد تكون فكرة جيده!! انتبه الرئيس للملاحظة وتوجه بالحديث نحوي هات يا جمال قلنا ماهي فكرتك، قلت له ان بناء مدينة في منطقة ساحلية قابلة للتوسع تتوافق مع فكرة المدن الحديثة، والإنسان اليمني مكافح ويمكن أن يذهب إلى آخر الدنيا للبحث عن رزقه، ولهذا لن يكون صعبا عليه الانتقال الى منطقة أخرى في بلاده، ورحت أعدد له من الأسباب ما يجعل الفكرة عمليه، وفي النهاية علق الرئيس قائلا احسنت يبدوا ان هذه فكرة جيدة، وأضاف تعليقا بدى انه يشغله وقال ونتخلص من دحس أصحاب عدن وتعز.
في الاخير..
على بساطته لم يكن مقيل الرئيس حدثا عابرا. كما أنه لم يكن فعالية سياسية يتم فيها تسجيل مواقف ايجابية أو سلبية من الاحداث..ولكنه كان تجمع انساني يكون حاضروه بسطاء دون تكلف ودون أجندة سياسية. ولم يكن هذا حال الجميع طبعاً فهناك من يمارس السياسة واستخدام المواقف للتعبير عن مواقفه. لكن الأهم هو أن الرئيس كان انسان بسيط لا يتخلف عن اي مواطن في بلاده دون أن يكون شيطان أو ملاك.
