الثلاثاء 14 يوليو 2026

في مقيل الرئيس

ربما لو فكرت بموضوع هذا المقال قبل عشر سنوات من الآن، لكنت تراجعت وصرفت الفكرة من رأسي باحثًا عن موضوع آخر. لكن وفي ظل ما جرى ويجري في اليمن، فإن موضوعًا عن مقيل مع رئيس الجمهورية حينها، والذي غادر الحياة وتبعه خليفته، لم يعد موضوعًا سياسيًا أو مسيسًا، وصار جزءًا من الماضي، وربما في أقرب الأحوال جزءًا من التاريخ، باعتبار الماضي خرج من الفعل التأثيري، ولكن التاريخ مازال يملك تأثيرًا في رسم الواقع الحالي، ولكن يبقى التاريخ محدود التأثير بنسب متفاوتة من تجربة الى أخرى.

يختلف قادة وسياسيو السلطة عن نظرائهم في المعارضة بأن السلطويين أكثر ثقة في النفس، وأقل حدة في تقييم المواقف، وربما يرجع ذلك إلى شعورهم بالقوة التي تمنحها لهم السلطة، ولكنهم سرعان ما يفقدون هدوءهم عند توجيه النقد العلني لإجراءات أو قرارات تتخذها السلطة. اما المعارضة فإنهم حادون ومستفَزّون وهجوميون طوال الوقت، وأحيانًا ناقدون بسخرية لاذعة. وتظهر الخطابات الإعلامية للطرفين الطبيعة الإنسانية لهم.

على مدى سنوات طويلة من الحكم، طور الرئيس علي عبدالله صالح، ومن موقعه كرئيس، آلية تواصل تركزت في شكل لقاءات صباحية رسمية، ومقايل مسائية أقل رسمية وأكثر إنسانية، وتكون فيها نتائج أكثر تأثيرًا وفاعلية، وكانت هذه اللقاءات مع المشايخ والأحزاب والتنظيمات السياسية، الشخصيات الاجتماعية المؤثرة في المحافظات، وغيرها من النخب السياسية والاجتماعية، وبحكم العادات والتقاليد كانت المرأة تغيب عن هذه المقايل. وكان هناك مقيل كل خميس بعيد عن الرسميات والنخب السياسية، ويكون خليطًا من رجال الدولة من نائب الرئيس ورئيس الوزراء ومستشاريه ووزراء وقادة معارضة وشخصيات مستقلة وشخصيات من المحافظات، كما كانت هذه المقايل تشهد ضيوفًا عربًا في بعض الأحيان. وقد سمعت من صحفيين وساسة مصريين إشادة بهذا النوع من اللقاءات غير الرسمية والمتحررة من قيود الإعلام وحسابات السلطة والمعارضة، وقال لي أحدهم: "لديكم في اليمن رئيس وسلطة لديها تواصل مرن لا يتوفر لدينا أو لدى دول أخرى في المنطقة".

أثناء الانتخابات البرلمانية عام 2003م، بدأ اسمي يظهر في الإعلام كمحامٍ وناشط سياسي، ضمن الفريق القانوني لأحزاب اللقاء المشترك المعارض، وسبق ذلك كتاباتي عن أسباب رفض المعارضة التعديلات الدستورية عام 2001، وسأل الرئيس عني، وفيما قام أحد قيادات المؤتمر الشعبي العام ينتقدني ويصفني بـ"المشعب"، لكن الشيخ سلطان البركاني الذي عرفني في مقيله، ودارت بيننا نقاشات كانت حادة أحيانًا (ضمن ثقافة المعارضة التي كانت ملازمة لي في البدايات)، سارع للثناء على شخصي، باعتباري محاميًا أدافع عن الصحافة والإعلام، وأتولى الدفاع عن الصحفيين، وأغلبهم من صحفيي المعارضة، ولكن لا أخفي رأيي في رفض شخصنة النقد الصحفي في شخص الرئيس أو المسؤولين، وبالتالي يجب احترام شخص الرئيس وعدم التناول الشخصي له واقتصار النقد على السياسات. وهنا أعجب الرئيس برأي الشيخ سلطان، الذي أضاف للرئيس أن المحامي جمال هو نسب علي سيف حسن (زوج بنته)، وهكذا أبدى الرئيس رغبته في أن نلتقي، ولكن لم يحدث اللقاء، وفي مقيل آخر عند الرئيس تحدث الصديق العزيز والزميل المحامي نزيه العماد عن قضية كنت فيها محامي الخصم في مواجهة نزيه العماد، عندها طلب منه أن يدعوني للمقيل عند الرئيس الذي سمع كلامًا طيبًا عني، وفي الأسبوع التالي كان عمي علي سيف حسن في مقيل الرئيس صالح، الذي قال له الأسبوع القادم تجيب نسبك معك يا علي سيف. وكانت الطريقة المعروفة أن يتم الاتصال ظهر يوم الخميس إلى رقم تحويلة الرئاسة، وسؤال علي معوضة إذا كان الرئيس مخزنًا ويرغب في حضور المتصل، وهكذا يكون الاتصال من علي معوضة الساعة الثالثة عصرًا: "أخ فلان. تفضلوا المقيل عند الرئيس". ويكون المقيل عادة من الساعة 4 إلى الساعة 7 مساء، أي ثلاث ساعات.

المقيل الأول

في أول مقيل وأول سؤال سألني الرئيس "من أين أنت يا جمال؟"، أجبته أنا من مديرية حبيل ريدة منطقة حالمين، من قرية بوران. قال أنت حالمي من أي قبيلة؟ قلت له قبيلة الحشري، وجه الرئيس حديثه لعمي: "يا علي نسبك من لحج مش الضالع!"، قال له علي سيف: "أنا زوجته في صنعاء، وما فرقت عندي من أين هو طالما تأكدت من أخلاقه وشخصيته". أضاف الرئيس مستعرضًا معرفته تفاصيل المنطقة: "عمومًا هو من قرية وقبيلة معروفة، وهي محادة للضالع، ويمكن اعتبارها من الضالع فعلًا".

استطاع الرئيس أن يكسر حاجز اللقاء الأول بهذه الأسئلة، وانتقل بعدها ليسأل عن عملي الجديد مع الأمم المتحدة وعن المرتب الذي أستلم، قال: "كم يجيبوا لك 7 ألف دولار؟"، ضحكت وقلت أقل كثير يا فندم، قال ربنا يوفقك. أنت شاب مجتهد وسمعتك طيبة. وانتقل الحديث نحو أشخاص آخرين.

في نهاية المقيل، وعندما وقف استعدادًا للمغادرة، استدعاني ومد يده للسلام، وقال هل تحتاج حاجة، شكرته قائلًا ما تقصر يا فندم، قال أنت مرحب بك في أي وقت.

بعد المقيل الأول تلقيت رسائل واتصالات تدل على أهمية المقيل، من ذلك اتصال أحد مستشاري الرئيس الإعلاميين، وهو لا يخزن، وكان لطيفًا ومرحبًا بي، ويدعوني إلى اللقاء معه في مكتبه. وفي لقاء مع رجل أعمال من المحسوبين على حزب الإصلاح، وقد كنت متعاقدًا معه كمستشار قانوني لشركته، فإذا به يقول بلغني أنك صرت من المخزنين عند الرئيس. هل تم استقطابك؟ وما هو المنصب الذي ستحصل عليه؟ لم يثر السؤال ولا طريقة السؤال التهكمية استغرابي، فهذا طبيعي ومتوقع لمن يقترب من رئيس الدولة، ما بالك بمن يخزن مع الرئيس. أجبته بأنني لن أرفض أي عرض يقدم لي رغم أنني أعمل مع الأمم المتحدة الآن، ولم يسبق لي العمل مع الدولة، لكن سؤاله كشف لي عن أهمية مقيل الرئيس.

انتقاد القات في مقيل

في أحد هذه المقايل قال الرئيس علي عبدالله صالح: "باقي لي سنتين أكمل فترة الرئاسة وأرجع أعلم أصحابك كيف تكون المعارضة". وهي نفس العبارة التي قالها في مقابلة تلفزيونية خارجية. أما المقيل الأسبوعي يوم الخميس عند علي عبدالله صالح، فإنه نادرًا ما يخوض في الشأن السياسي بعمق، ويكتفي ببعض النقاشات، بخاصة أن الكثير من قيادات المعارضة والمشايخ والشخصيات الاجتماعية والدينية من المحافظات، بالإضافة إلى رجالات الدولة، يتواجدون، وفي أحيان يكون هناك ضيوف أجانب، ومن ذلك الصحفي اللبناني فيصل جلول الذي شارك في مقيل أثار فيه الرئيس موضوع تعاطي القات وأضراره، ويومها أيده الحاضرون، ولم يعارضه بأدب يليق بالحديث الودي سوى الضيف فيصل جلول والأديب والشاعر عباس الديلمي، وأنا أرجعت معارضتي إلى أن الإنسان هو من يحدد الضرر وكيف يتجنبه ماليًا أو صحيًا، وكان لفيصل جلول رأي معارض عبر عنه بعبارة جميلة عندما قال: "في فمي ماء".

كان علي عبدالله صالح في مقيله الأسبوعي لطيفًا وودودًا إلى حد كبير، و لا يشعر المخزنين بأية حدة أو هجوم، ويضحك بصفاء وعفوية.

في حديث حول الأوضاع وموقف المعارضة منها، وجه الحديث نحوي، قائلًا اقرأ افتتاحية صحيفة الثورة يوم غد، وسوف تعرف الموقف. والرئيس بهذه الإشارة يوضح أهمية افتتاحية صحيفة الثورة، وحرصه على تمرير رسائل للداخل والخارج عبرها، وهو ما كان يحدث في دول كثيرة، ولعل أبرزها افتتاحية جريدة الأهرام المصرية (بصراحة) في عهد جمال عبدالناصر، للأستاذ محمد حسنين هيكل.

شيشة وحلبة

في أحد المقايل كان الحديث حول التدخين، وعدد المدخنين في مقيل الرئيس، ورغم أن التدخين لم يكن ممنوعًا في المقيل، لكن بعض من يرغب أن يدخن كان يخرج إلى الصالة المجاورة للمقيل للتدخين، حتى لا يؤذي الآخرين. قال الرئيس إن المدخنين قد نقصت أعدادهم، وللتدليل على ذلك قام بإحصاء المدخنين من الموجودين، وكان إجمالي المخزنين 35، وأحصى الرئيس ستة أشخاص معلوم أنهم مدخنون، وهنا قال نزيه العماد، وهو من المدخنين، العدد سبعة. استغرب الرئيس وقال ستة من أين جبت السابع، صمت نزيه ولم يتكلم. بعد المقيل ونحن نغادر سألت نزيه عن الرقم سبعة، ضحك وقال إن خالد ابن الرئيس الذي تخرج من ساندهيرست في بريطانيا، هو السابع في المدخنين، ولكنه لم يكن يدخن في حضرة والده، ولكنه غادر المقيل في ما بدا أنه للحمام، أكثر من ثلاث مرات، ولما كان شابًا فإنه من المستبعد أن يكون مصابًا بالسكر حتى يذهب للحمام كثيرًا، وباعتبار نزيه مدخنًا، فإن المبرر الوحيد لديه أن خالد علي عبدالله صالح يدخن، لكن أباه لم ينتبه لذلك، ولم يضعه في قائمة المدخنين.

واستمرارًا لموضوع التدخين اتجه الحديث نحو الشيشة، ونوعية المادة التي توضع للفلترة في مكان زجاجة الماء، قال أحد المخزنين إن البعض يعمل مشروبات غازية بنكهات مختلفة مثل البيبسي أو الفانتا رمان أو تفاح، وقال آخر وهو مسؤول أمني، إن هناك من يعمل خمرًا، ضحك الرئيس وقال ما هو ما هو يا فلان...؟ أدرك المسؤول الأمني أن الرئيس ضبطه متلبسًا، لكن الرئيس وجه السؤال نحوي، عن أغرب ما يضاف للشيشة، قلت له إن أحد الدبلوماسيين الخليجيين كنا نخزن عنده ويوزع الشيشة ويضع مع الماء "حلبة"، ضحك الرئيس وقال مستغربًا "حلبة؟!"، كيف يمكن أن تكون النكهة، وماذا بشأن الرغوة. أوضحت له أن الحلبة تكون حبوبًا وليست مطحونة، والنكهة تكون قوية، وتجعل المدخن يشعر بالدوار.

مدينة الصالح

أثناء الاستعداد لبطولة كأس الخليج (خليجي 20) عام 2010م، جرى نقاش حول الاستعدادات، وورد ذكر مدينة الصالح التي قررت جمعية الصالح بناءها وتخصيصها للشباب في عدد من المحافظات، يومها قلت للرئيس لو أنك جمعت هذه المباني المتفرقة وعملتها في مكان واحد، على ساحل المخا أو ذوباب على سبيل المثال، وسميتها مدينة الصالح، كنت أسست مدينة جديدة تجمع اليمنيين من كل مكان، أجاب الرئيس بنبرة استفزازية مشكلتكم يا شباب هذه الأيام أنكم لا تعرفون الشعب اليمني، يا جمال الإنسان اليمني يريد حقه الـ"كمبة" إلى رأس ملحان (منطقة جبلية مرتفعة في المحويت)، ساد الصمت في المقيل، وتبرع أحد أعضاء مجلس النواب متملقًا الرئيس ليقول لي خلاص يا جمال، واضح أن الرئيس أسكتك برده، لم أرد عليه ولا على تعليق الرئيس، ودار الحديث نحو موضوع آخر، وكان سالم سلمان، وكيل وزارة الصناعة حينها، أعاد النقاش نحو الموضوع عندما قال للرئيس يا فندم لماذا لا تسمع الفكرة كاملة من جمال، وقد تكون فكرة جيدة؟! انتبه الرئيس للملاحظة، وتوجه بالحديث نحوي: هات يا جمال قلنا ما هي فكرتك، قلت له إن بناء مدينة في منطقة ساحلية قابلة للتوسع تتوافق مع فكرة المدن الحديثة، والإنسان اليمني مكافح، ويمكن أن يذهب إلى آخر الدنيا للبحث عن رزقه، ولهذا لن يكون صعبًا عليه الانتقال إلى منطقة أخرى في بلاده، ورحت أعدد له من الأسباب ما يجعل الفكرة عملية، وفي النهاية علق الرئيس قائلًا أحسنت، يبدو أن هذه فكرة جيدة، وأضاف تعليقًا بدا أنه يشغله، وقال ونتخلص من دحس أصحاب عدن وتعز.

في الأخير..

على بساطته لم يكن مقيل الرئيس حدثًا عابرًا. كما أنه لم يكن فعالية سياسية يتم فيها تسجيل مواقف إيجابية أو سلبية من الأحداث.. ولكنه كان تجمعًا إنسانيًا يكون حاضروه بسطاء دون تكلف ودون أجندة سياسية. ولم يكن هذا حال الجميع طبعًا، فهناك من يمارس السياسة واستخدام المواقف للتعبير عن مواقفه. لكن الأهم هو أن الرئيس كان إنسان بسيط لا يتخلف عن أي مواطن في بلاده دون أن يكون شيطان أو ملاك.