الخميس 25 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • الأستاذ عبدالقادر حسن حظاء وتاريخ تهامة

الأستاذ عبدالقادر حسن حظاء وتاريخ تهامة

يَهتمّ الأستاذ البَاحِث المُؤرِّخ عبدالقادر حسين حَظَّاء بحضارة وتاريخ المُدُن التهامية، ومأثوراتها، وإنجازاتها الثَّقَافِيَّة والأدَبيَّة.

كَثير هُم المؤرخون والأدباء، من أبناء تهامة وأساتذتها الأجلاء، قَديمًا وَحَديثًا= الذين احتفوا بتاريخها. وفي العصر الحديث تجدر الإشارة إلى الأساتذة الأجلاء: محمد عبدالجليل الغزي، وعبدالرحمن الحضرمي، وعبدالرحمن بعكر، وعبدالودود مقشر، وأبحاث عبدالله الرديني وعلولان مهدي الجيلاني المُهمَّة، والأستاذ محمود إبراهيم الصغيري -شفاه الله-، وعبدالله خادم العمري، والقاضي أحمد مطير، والقاضي إسحاق صلاح، ومحمد بن أحمد العقيلي؛ صاحب المؤلفات العديدة، ومن أهَمِّهَا «تاريخ المخلاف السليماني»، ومبحث «نشر عَرْف الخُزَامَى» للدكتور جعفر الظفاري، ومؤلف محمد بن سعيد عبد الودود عن «اللحية»، ومؤلف محمد سردود عن «قُرَى تِهَامة المندثرة».

ما يهمني الآن الإصدارت العديدة للباحث عبد القادر الحظاء؛ فقد ألَّفَ ما يقرب من عشرة مؤلفات عن الحُدَيدة، وتاريخ الوجود الاستعماري بها، وملامح الثَّورة الثقافية فيها، كما تناول المخطوطات التهامية، وَالزَّخارف، والآثار، وَكُتَيِّب عن اللحية، وآخر عن المراوعة.

والأستاذ محمد عبدالقادر الحظاء باحث مجتهد ودؤوب، وَهُوَ شديد الاهتمام بإحياء تاريخ تهامة، ومدنها؛ فقد وقف إزاء التاريخ القديم لمدينة الحديدة؛ وَكِتَابُهُ «تاريخ الحديدة القديم» صَغيرٌ حَجمًا، وَلكنَّهُ كبير تًاريخيَّا، وعِلميًّا، وَتوثيقيًّا.

تاريخ الحديدة القديم
تاريخ الحديدة القديم

يقع الكتاب في 207 صفحة؛ قطع صغير. ويتناول جوانب تاريخ الحديدة المطمور، والذي لم يسبق إلى مَا دونَّهُ، وَأشارَ إليه، وكَشفَ عنه الباحث المجتهد، مَنْ كَتبَ عن الحُديدة.

والأستاذ المؤرخ المجتهد عبد القادر الحظاء يربط الميناء المُهِم «ايجراء»؛ وهي المدينة الغارقة أمام ساحل الحديدة، ويربطه بالغزو الرُّومَاني، وبالحروب القديمة التي شَهِدتهَا اليمن، ويربطها بِالدُّوَل اليمنية القديمة المتعاقبة: السبئية، والمعينية، والحميرية، والحضرمية، والقتبانية؛ وبتاريخ الدولة الأكسومية في أثيوبيا.

ويتنبه للتاريخ الحضاري المشترك بين نشأة الدَّولة في اليمن، ودولة إثيوبيا. فقصة بلقيس ملكة سبأ، وَالنَّبي سُليمان مُشترَك عظيم بين الحضارتين والدولتين. ومفردات وَمُسَمَّيات الوديان، والأنهار، واللغة الأمهرية، وإعادة أبرهة إصلاح سَدَّ مارب ونقشه الموجود بمدينة مارب، وقصة القَلِيسْ، والفيل= كلها شواهد مشتركة على مُشترك أهملهُ بعض المؤرخين اليمنيين؛ ورُبَّمَا كان الدكتور جعفر الظفاري أوَّلَ مَنْ أشارَ إلى جَوانبَ مُعَيَّنة منها؛ وَقد سَبقَ الجميع طَرَفة بن العبد:

عَدُوليَّةٌ أو من سَفِينِ ابنِ يَامنٍ

يَجورُ بها المَلاح طَورًا وَيَهتَدِي

ولو قرأنا جَيِّدًا «المعافر»، و«المحابشة»، و«جبل حبشي»، و«وسوق حٌبَاشة»، و«حبشت»، و«العَفَر» - و«العَفَر» في اللغة الحبشية بمعنى الغريب أو المهاجر-، و«الحَبَشَة»، ودولة أكسوم، والآثار في الهضبة الأثيوبية، ودولة النجاحيين بزبيد؛ لأدركنا الرَّوابطَ التاريخية التي يدرسها الأستاذ عبدالقادر حظاء.

يتناول الباحث الصراع السبئي الحضرمي في مواجهة الحِميَريين، وَالصِّرَاع الفَارسي الرُّومَاني على المصالح وَالطُّرق التِّجاريَّة، وجعل اليمن ميدانًا من ميادين هذا الصِّرَاع.

يدرس المؤلف الموانئ في اليمن، والبحر العربي، والموانئ في أثيوبيا، ومصر، وَالصُّومَال؛ وَإضافةً إلى دراسته للموقع، وَالطَّقس، وَالرُّطُوبَة، وَدَرَجَات الحَرارَة، والأمطار؛ فهو يدرس التَّسمية، وَالتَّأسيس، والقرى، والمُدُن المندثرة؛ والأخيرة اضطلع بها الكاتب المرحوم محمد سردود.

ويأتي الباحث على الرِّيَاح، والوديان، ويَدرس بِدقَّة التَّسميات القديمة التي لم تعد معروفة، وزيارة المستشرقين الأوروبيين لتهامة.

الكتاب مُزوَّد بالخرائط والصُّوَر المُلَوَّنة، ويتناول حكايات القَصَّاصين، وتاريخ تِهَامة البحري وَالتِّجَاري.

كما يقرأ اليمن في التَّاريخ القديم، والهجرات، وَيُكرِّس الفصل الثالث للصِّرَاع على بحر القلزم، والمبحث الثاني عن البطالمة، والفينيقيين.

والبحث الثالث اليمن (بلاد أوفير)، ويتناول المبحث الثالث الإمبراطورية الرُّوَمانية، ويأتي على ذكر غزوة انليوس جاليون 24 قبل الميلاد؛ مُتتبعًا الموانئ التي انطلقت منها، وَالمُدُن التي هدمتها: نجران، وَنَشَقْ، وَالزَّمَن الذي استغرقته، وعجزها عن اقتحام أسوار مارب، والاتجاه نحو السَّاحل.

ويحدد ميناء المدينة القديمة الغارقة في شاطئ الحديدة؛ وهي مدينة لا تزال آثارها قائمة، وَكَتبَ عنها الأستاذان: عبد الله الرُّدَيني، ومحمود الصغيري، ويشهد بوجودها كثير من البَحَّارة، وقد اكتشف الزميل الصحفي عبد التَّواب سيف كمية لا بأسَ بِهَا من النُّقُود الرُّومانية في جبل الظامر بباجل.

وقراءته عن الحبشة مَائزة؛ فهو يدرك عُمْق الرَّوَابط التَّاريخية. ويأتي في مبحث على ذكر الرُّوم، وَالدَّفع بالحبشة إلى الحرب اليهودية التي قادها ذو نواس ضِدًّا على المسيحين، وقتال اليمنيين ضِدَّهم.

ويتناول الإمبراطورية الفارسية وتاريخ تهامة الاجتماعي. والمبحثان المهمان عن الزِّرَاعة، والصيَّادين؛ فهو يدرس أدوات الحَرث، ومَواسِمَ الزراعة، وَالثَّورة الزِّراعيَّة، والوديان؛ كما يدرس أدوات الاصطياد، ومسمياتها، وصناعتها، ودورها في العصور القديمة، وخبرة اليمنيين ومهارتهم في معرفة مَواسِم الإبحار، واتجاهات الرِّياح؛ مُزوِّدًا كتابته بالخرائط، وَالصُّوَر المُلوَّنَة.

وقبل هذا، فالباحث المُجِدّ والمجتهد بحاجة إلى تشجيع المسئولين، وَالتُّجَار، وَأصحاب اليَسَار، والمَكاَنة من أبناء المنطقة؛ فأبحاثه ومؤلفاته كثيرة، وتدرس بمسئولية رفيعة وجهد مائز المدن التهامية؛ ابتداءً بالحديدة التي كَرَّسَ لها أكثرَ من كتاب، وله بالإضافة إلى ذلك مؤلفات عن باجل، وزبيد، واللحية، والمراوعة؛ في سلسلة متصلة لتاريخ تهامة كلها.