تعز.. فخ الاعتياد
* لا أدري ما الذي يحدث في تعز الآن.. أي لعنة حلّت بهذه المدينة؟ ليست كما أعرفها أبداً.. حينما كنت طالباً في الثانوية، كنت أسير في شوارعها ولا أرى غير طلاب المدارس والمعاهد والجامعات، وكأننا في مجمع تعليمي كبير اسمه تعز.. كانت الأحلام تسبقنا.. ننتظر متى سنلبس بدلات الوظيفة، وربطة عنق العمل، وقبعة الثقافة، ونظارات العلم.. تعز.. المدينة التي سكبنا من أجل "مدنيتها" حبراً ودماً.. ما الذي غيّر مدنيتها لتصبح مرتعاً لثقافة عنتريات جديدة؟ أقولها عنتريات لكي لا أؤلم نفسي بكلمات "بلطجة ومفصعين"، ولا أزيد من ثقلها على روح تعز المدنية.
* كيف انفرط عقد الحداثة والمدنية والوداعة يا تعز؟.. أخال نفسي عائداً إلى شوارعها غريباً أبحث عن ملامحها القديمة في وجوه لم أعد أعرفها إلا بزعيق خطيب جامع يكره مدينته وناسها ونساءها.. وشاب قفز من سور المدرسة إلى سوق القات يجمع الضرائب والإتاوات عنوة، حاملاً بندقية أطول منه، و"معوزاً" أقصر من فخذه.. ومسؤول صغير تخلى عن موظفيه التكنوقراط، وجمع حوله من بورصة "المرافقين" الكثير.. ونجل شيخ برلماني يمر في الشوارع بمواكبه الصاخبة من أجل استعراض نفوذ وهمي، فيما كان والده يوماً يتدثر برداء القانون والدولة.. وأحزاباً تتصارع على المناصب كغنيمة حرب و"مشقاية" نضال لم يكتمل.
* أعرف أسرة تفرّق أبناؤها في بلدان الاغتراب بحثاً عن الرزق، وبما في أيديهم من تعليم، وبقي شقيقهم "آخر العنقود" في تعز.. وسرعان ما تلقفته مجموعة من "المفصعين"، ومنحوه كلاشينكوفاً وربطة قات وبعض كلمات عن الشجاعة.. رأى أشباهه وهم يسطون على عمارة لأحد المغتربين واستوطنوها، وأرضية لمساكين سوّروها، وبسطات على الشارع لمّوا جبايتها.. أراد مجاراتهم فلم يجد سوى عمارة جده.. قفز إليها، وجمع "شلته"، وأخرج أقاربه، وأجرها لجيبه وقاته.
* ليس الحزن الآن على تعز لأن المباني تهدمت، أو لأن الطرقات أنهكتها الحرب والقذائف.. فكل المدن يمكن أن تعيد بناء حجارتها بالأمل والأحلام، وترصف شوارعها بالعزيمة والإصرار.. الحزن الحقيقي على تعز حين تتشقق الروح المدنية في نفوس أبنائها، حين تتراجع قيم الإنسان والعلم والعمل التي جعلت من تعز حالة استثنائية في الوعي اليمني، لا مجرد مدينة عادية.. مدينة دفع رجالها لأجل مدنيتها وحريتها أثمن سنين العمر، وزهرة شبابهم.. وإذا بها الآن مدينة لا تشبه أحلامنا، ولا تشبه حتى نفسها.
* تعز التي كنا نراها جامعة كبيرة، تبدو اليوم وكأنها تُدفع لتكون ساحة كبيرة للتناقضات والصراعات.. وجوه متعبة تبحث عن لقمة العيش، وإلى جوارها مظاهر استعراض ومواكب لا تشبه وجع الناس.. أسر تكافح لتعليم أبنائها، بينما ترتفع أصوات تمجد القوة الفارغة أكثر مما تمجد الدولة والنظام.. ومن مدينة "حالمة" إلى ساحة للصراعات الحزبية التي أضحت واجهة المشهد، تحدد ملامح أيامنا برعونة الخلافات، وتزرع اليأس والخذلان في الأزقة التي كانت يوماً تفيض بنقاشات السياسة والأدب وثقافة المساواة والمشترك.
* صديق من أبناء احدى المحافظات ، حينما سألته عما تحمل ذاكرته عن تعز، قال متردداً خشية إغضاب أبنائها: (تعز.. مدينة تعج بالمتناقضات.. أبناؤها مثل الصلصال يتشكلون حسب القالب الذي تضعهم فيه.. لديهم قدرة رهيبة على التأقلم.. تجد أحدهم في ظل وجود دولة ومؤسسات طبيعية يحمل خطاباً وطنياً بحجم البلاد كلها.. وحينما تدفع بهم الظروف للتموضع في تعز "يتضاربوا"، وتظهر في نفوسهم كل النزاعات الصغيرة.. إن وجدوا في بيئة نزاهة وعمل يتفانوا في أعمالهم، مقدمين نماذج يصعب حتى تقليدها.. وإن وجدوا في مكان "روفلة" لا أحد يفوقهم.. يبالغون في تأدلجهم الحزبي، وتقمص الأفكار والتعبير عنها أكثر من غيرهم.. هم اليسار، وهم اليمين، وهم الوسط).
* أعرف أنني أكتب بقسوة على تعز، لكن هل نقسو إلا على من نحب؟ ونخاف على من يهمنا أمرهم؟ والخوف هنا ليس على بعض مظاهر شباب حملوا البنادق كمفصعين لا حماة وطن، ومسؤول فاسد يجمع الأموال قبل تغييره، ومعلم ترك الطباشير من يده واستلذ بسطوة البدلة العسكرية، ومدير عام مارس طقوس العنجهية على صحفي انتقده.. بل أخاف على تعز من أن تعتاد هذه المشاهد، وتغض الطرف عنها، وترضى بأوجاعها كقدر، وتْقهر النخب لتختفي في عتمة البيوت.. فالكوارث لا تبدأ حين يتغير الواقع فقط، بل حين يتصالح الناس معه.
* ليست هذه تعز التي نعشق كل ما فيها.. لا تستحق هذا التعب كله، ولا أن تختزل في مشاهد لبعض أخبار القتل المنفلت، ومواكب المرافقين، وثقافة الاستعراض والعنجهية.. فهناك تحت هذا الركام المعنوي ما زالت المدينة التي أحببناها تختبئ.. مدينة الكتب والمدارس والعامل والمثقف.. مؤسسة السعيد، والمقاهي القديمة، وزخم سوق الشنيني، وتاريخ قلعة القاهرة، وشموخ جبل صبر، وبساطة الأرياف.. مدينة المشاقر والطلاب والدفاتر، والأحلام الكثيرة والمؤجلة..
تعز.. تلك المدينة التي نشتاق إليها كلما نظرنا حولنا، فنجد وجهها الحالم.
