الثلاثاء 23 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • اللامركزية في اليمن: من التطلعات المشروعة إلى الإنتكاسات المؤلمة

اللامركزية في اليمن: من التطلعات المشروعة إلى الإنتكاسات المؤلمة

مع إعادة تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990، تم إقرار الدستور لليمن الموحد والذي وضع أسس النظام السياسي للبلاد القائم على تعددية الأحزاب السياسية والإنتخابات الحرة والمباشرة للسلطة التشريعية ورئاسة السلطة التنفيذية، إلا أن اعتماد الإنتخابات للسلطة المحلية مر بمخاض عسير، وجاء بعد عشر سنوات من يوم الوحدة، حيث صدر قانون السلطة المحلية رقم (4) لعام 2000، والذي مثل خطوة تأسيسية نحو اللامركزية الإدارية والمالية في إطار الدولة البسيطة "الموحدة"، وقد استحدث القانون مجالس محلية منتخبة بالاقتراع السري المباشر على مستوى المحافظات والمديريات، ومنحها صلاحيات الإشراف والرقابة على الأجهزة التنفيذية ومكاتب الوزارات. وحدد القانون الموارد المالية للسلطة المحلية عند ثلاث مستويات (موارد محلية وموارد مشتركة وموارد الدعم المركزي)، كما مُنحت المجالس المحلية حق إعداد خطط التنمية والموازنات السنوية، لكنها تظل خاضعة لإقرار وزارة الإدارة المحلية ووزارة المالية ومجلس النواب.

ورغم أن قانون السلطة المحلية لبّى جزئيا تطلعات المجتمعات المحلية للمشاركة في إدارة الشأن العام على المستوى المحلي، إلا أن التطبيق الفعلي واجه معوقات كبيرة، أهمها: هيمنة المركز، فقد بقيت السلطة التنفيذية المركزية "الوزارات" متمسكة بصلاحيات التعيينات الإدارية وإدارة الشأن المالي على مستوى المحافظة والمديرية. كما أن القانون جاء قاصرا عن التطلعات المشروعة لإنتخاب المحافظين بصورة حرة ومباشرة لتجسيد النظام الديمقراطي السليم على المستوى المحلي، فقد ظل تعيين المحافظين ومدراء المديريات بقرارات من السلطات العليا، مما ولد احتقاناٌ وعدم رضى لدى المجتمعات المحلية وأحزاب المعارضة، وقد حاولت السلطة المركزية حينها معالجة هذا الأمر بإصدار تعديل لقانون السلطة المحلية عام 2008، بحيث يتم إنتخاب المحافظين بصورة غير مباشرة، ولم تنجح تلك المحاولة نتيجة مقاطعة أحزاب اللقاء المشترك لتلك الإجراءات،

وهنا يمكن القول أن الحكومة المركزية أخفقت في تعميق النظام الديمقراطي على مستوى المحافظات والمحليات وفي توسيع صلاحيات الحكم المحلي، مما أدى إلى ظهور دعوات للتمرد في المحافظات الجنوبية والشرقية وقادت إلى مظاهرات واسعة في معظم المحافظات خلال عام 2011، والتي تزامنت مع مظاهرات ما يسمى الربيع العربي في معظم دول المنطقة، نتج عنها ترشيح رئيس جديد وفقا للمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية وتشكيل حكومة إئتلافية من الأحزاب الحاكمة وأحزاب المعارضة،

تطلعات مؤتمر الحوار

وجاء مؤتمر الحوار الوطني الشامل (خلال عام 2013) استجابة للأزمة السياسية السائدة في البلاد، وشكلت قضية "شكل الدولة" وصياغة عقد اجتماعي جديد محور النقاشات، وقد وضعت مخرجات الحوار (تحديداً وثيقة فريق بناء الدولة وفريق الحكم الرشيد) أسساً جديدة كلياً للامركزية تمثلت في التحول إلى الدولة الاتحادية "الفيدرالية" المكونة من ستة أقاليم (آزال، الجند، تهامة، عدن، حضرموت، سباء)، رغم وجود ملاحظات وجيهه على معايير أسس التقسيم، والتي جعلت إقليم آزال دون منافذ برية أو بحرية، لقد مثل ذلك قفزة عالية نحو اللامركزية السياسية والإدارية، فقد تجاوزت مخرجات الحوار المفهوم الإداري للامركزية إلى "اللامركزية السياسية"، حيث مُنحت الأقاليم والولايات (المحافظات سابقاً) سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية مستقلة في إطار الدستور الاتحادي. كما نصت المخرجات على إيجاد برلمانات إقليمية وحكومات محلية منتخبة بالكامل، مما يلغي نهائياً آلية التعيين المركزي للمحافظين والمسؤولين المحليين.

ومن جانب آخر، شكلت "عدالة توزيع الثروة" العمود الفقري لمخرجات الحوار، حيث أكدت على أن إدارة النفط والغاز والمعادن تكون مسؤوليّة مشتركة بين الحكومة الاتحادية، وحكومات الأقاليم، والولايات المنتجة. واعتمدت المخرجات معايير شفافة لتوزيع العائدات تشمل: الكثافة السكانية، وحجم الاحتياجات التنموية، مع منح نسبة عادلة ومباشرة للولايات والمديريات المنتجة لتعويضها عن الأضرار البيئية والتنموية. إضافة إلى أن الأقاليم والولايات مُنحت سلطة فرض الضرائب المحلية والرسوم دون الرجوع للمركز، مع التزام المركز بتقديم دعم مالي تعديلي "مقاصة" للأقاليم الأقل نمواً لضمان تكافؤ الفرص.

ورغم أن مخرجات الحوار الوطني قدمت الإطار النظري المعقول لمعالجة العلاقة بين المستوى المركزي والمستوى المحلي للحكم ، إلا أن اندلاع الصراع المسلح بين أطراف النزاع في أواخر عام 2014 حال دون صياغة الدستور الاتحادي الجديد أو تطبيق هذه المخرجات على أرض الواقع.

عواقب الحرب

أدت الحرب المستمرة منذ أواخر عام 2014 إلى تدمير الأساس الذي بُني عليه قانون السلطة المحلية لعام 2000، وحالت دون تطبيق مخرجات الحوار الوطني. وبدلاً من انتقال اليمن نحو لامركزية مدروسة ومنظمة، أنتجت الحرب "تشظياً اقتصاديا ومؤسسياً" حاداً، وخلقت نموذجين متباينين تماماً لمفهوم وتطبيق اللامركزية بين سلطة عدن وسلطة صنعاء.

نموذج سلطة عدن: يعاني المركز في عدن من ضعف شديد في فرض سلطته، مما أفرز "لامركزية جائرة" فرضتها القوى المحلية والظروف الأمنية، يتجلى ذلك في امتناع محافظات رئيسية (مثل مأرب وحضرموت وشبوة)، لفترات طويلة، عن توريد عائداتها من النفط والغاز أو الجمارك والضرائب إلى البنك المركزي في عدن، واحتفظت بها محلياً لتمويل نفقاتها والخدمات الخاصة بها، كما ارتفع سقف المطالب في مناطق معينة (حضرموت، مثالاً) نحو تطبيق فوري لـ "الحكم الذاتي" أو الفيدرالية الكاملة كأمر واقع، دون انتظار تسوية سياسية شاملة. إضافة إلى أن المجالس المحلية في مناطق عدن تعيش حالة من التجميد أو الانقسام السياسي، وأصبحت القرارات الإدارية خاضعة للتوازنات العسكرية والسياسية بين الفصائل المختلفة،

وفي نموذج صنعاء: تتبنى السلطة توجهاً يعيد إنتاج "المركزية المفرطة"، مع تفكيك الهياكل المستقلة لقانون السلطة المحلية لعام 2000، ويتضح ذلك من خلال تجميد المجالس المحلية المنتخبة وتهميش دورها تدريجياً، وحلّت محلها تعيينات مباشرة من المركز لمحافظين ومدراء مديريات ومشرفين، مما ألغى مبدأ المساءلة المحلية والانتخاب. كما أن المحافظات تُدار بنظام رقابي مركزي صارم مما يجعل القرار النهائي دوماً بيد القيادة المركزية العليا. فضلا عن ربط جميع الأوعية الإيرادية (الضرائب، الجمارك، الزكاة، الأوقاف، رسوم أخرى) بحسابات موحدة تابعة للأجهزة المركزية مع ترك هوامش محدودة للسلطات المحلية.

وخلاصة الأمر، فإن النجاح الفعلي لنظام اللامركزية في اليمن يعتمد على إيجاد توازن دقيق بين سلطة مركزية مرنة تحتفظ بالسيادة (السياسة الخارجية، الدفاع، والعملة الوطنية)، مقابل سلطات محلية قوية تمتلك الكفاءة المؤسسية والموارد المالية لإدارة شؤونها، مع وجود آليات قانونية واضحة لفض النزاعات حول الثروة والسلطة. وهذا لن يتأتى إلا بوجود حوار سياسي شامل وجاد بين أطراف الصراع في اليمن والذي يمثل حجر الزاوية والسبيل الوحيد ليس فقط لإنهاء الحرب، بل لإعادة بناء مؤسسات الدولة والمحافظة على كيانها الجغرافي والسياسي من التفكك الكامل. فالمطلوب اليوم هو حوار شجاع يقدم فيه الجميع تنازلات مؤلمة لصالح الوطن، يعترف بالوقائع الجديدة على الأرض، ويؤمن بأن قوة اليمن واستقراره يكمنان في "وحدته التعددية اللامركزية"، وليس في المركزية الاستبدادية أو التفتيت القبلي والمناطقي.