النخب اليمنية بين الوطن والمنفى
في القاهرة، يحدث أحياناً ما لم يكن ممكناً أن يحدث في اليمن. تلتقي بأشخاص فرقت بينهم السياسة والجغرافيا والحروب، فتجمعهم الغربة في مدينة واحدة.
اتصل بي الشيخ أحمد العيسي رئيس الاتحاد اليمني لكرة القدم والشخصية الاجتماعية الذي يتسع ديوانها للجميع داعياً لزيارته، فلبيت الدعوة. وهناك التقيت بعدد من الإخوة الجنوبيين، ومن بينهم الوزير السابق صالح الجبواني، كما التقيت الزميل القديم الشيخ علي العيسي الذي عرفته منذ كنت مديراً لثانوية 14 مايو في التواهي.
وخلال الحديث اقترح الشيخ أحمد العيسي التوجه لتقديم واجب العزاء في اللواء محمد سعيد بن بريك، فتحركنا معاً برفقة الوزير صالح الجبواني وعدد من الحاضرين. وما إن وصلنا حتى وجدت نفسي أمام مشهد أعادني سنوات طويلة إلى الوراء، إلى زمن كانت فيه الدولة قائمة والناس مختلفين سياسياً لكنهم أبناء وطن واحد.
كان هناك الرئيس علي ناصر محمد، ورئيس الوزراء الأسبق حيدر أبو بكر العطاس، وعدد كبير من الشخصيات السياسية والإعلامية والوطنية التي عرفت بعضها في مراحل مختلفة من تاريخ اليمن الحديث. كما شاهدت وزير الخارجية الأسبق أبو بكر القربي، ومستشار رئيس الجمهورية ياسين مكاوي،والشدادي نائب رئيس مجلس النواب ،ومسدوس،و عمر بابطين رئيس الجالية اليمنية ، وعبد الكريم شائف وعلي محروق ، وشفيع العبد وعدداً من المسؤولين والشخصيات الاجتماعية والوطنية، والزملاء الصحفيين الذين كانو حاضرين لتغطية العزاء
وأمام هذا المشهد وجدت نفسي أطرح أسئلة كثيرة. معظم هؤلاء تجاوزوا الثمانين من أعمارهم، وبعضهم تجاوز الخامسة والثمانين، وما زالوا يعيشون بعيداً عن وطنهم متنقلين بين مصر والسعودية وغيرها من البلدان.
قد يصفهم البعض في الداخل بأنهم "سكان فنادق" أو أنهم يريدون حكم اليمن من الخارج، لكن من جلس معهم واستمع إليهم يدرك أن كثيراً منهم لا يحمل حلماً أكبر من أن يعود إلى أرضه، وأن يقضي ما تبقى من عمره بين أهله وناسه. غير أن الصراع ما زال قائماً، والتصنيفات ما زالت حاضرة، والإقصاء لا يزال يحكم عقلية الكثيرين.
فإذا كان بعض من هم داخل الوطن لا يزالون غير قادرين على قبول بعضهم بعضاً، فكيف سيقبلون من كانوا ذات يوم خصوماً سياسيين لهم؟
متى يعود هؤلاء إلى أرضهم؟
متى تحتضن اليمن جميع أبنائها دون استثناء؟
متى تعود عدن مدينة مفتوحة لكل أبنائها مهما اختلفت آراؤهم السياسية؟
متى نتعلم أن الوطن أكبر من المنتصر والمهزوم، وأكبر من السلطة والمعارضة؟
لقد عرفت اليمن منذ ثورتي سبتمبر وأكتوبر مساراً مؤلماً من الإقصاء. حمل الجميع البندقية نفسها لمواجهة الإمامة والاستعمار، لكنهم ما إن انتصروا حتى بدأ الصراع فيما بينهم. في الشمال حاولت الإمامة العودة بدعم خارجي، وفي الجنوب سعت الأيديولوجيا إلى احتكار الوطن وإقصاء الآخرين، أيضاً بدعم خارجي. واليوم، وبعد عقود طويلة، لا يزال اليمنيون يتقاتلون فيما بينهم، وما زال الخارج حاضراً في تفاصيل الصراع.
المؤلم أن كل طرف عندما ينتصر يعتقد أن من حقه نفي الآخرين وإقصاؤهم من المشهد، وكأن الوطن ملكية خاصة للغالب. وهكذا استمرت دوامة الإبعاد والتهميش جيلاً بعد جيل، حتى أصبح المنفى جزءاً من السيرة السياسية لكثير من اليمنيين.
وما بين فرحة اللقاء بهذه القامات الوطنية، وحزن الغربة التي يعيشونها، كان المشهد مؤلماً ومؤثراً في آن واحد. غادرت المكان وأنا أفكر: كم خسر اليمن من أبنائه؟ وكم سيظل يخسر ما لم يدرك الجميع أن المستقبل لا يُبنى بالإقصاء، وأن الأوطان لا تستقر إلا حين تتسع لكل أبنائها؟
لقد رأيت في ذلك المجلس وجوهاً شاخت في المنافي، لكنها لم تفقد حنينها إلى الوطن. ورأيت رجالاً اختلفوا في السياسة، لكنهم اتفقوا على حب اليمن. ولعل الدرس الأهم أن الأوطان لا تُبنى بالثأر السياسي، بل بالمصالحة والاعتراف بحق الجميع في العيش الكريم على أرضهم، مهما كانت خلافات الأمس.
هذا المشهد يضع أمامنا أسئلة مؤلمة وعميقة.
عندما ترى هؤلاء الرجال يجتمعون في المنفى على مائدة عرس، أو في مجلس عزاء لأحد رفاقهم، أو في ندوة ثقافية، أو في لقاء اجتماعي عابر، تتساءل: إذا كانوا قادرين على الاجتماع في الخارج، فلماذا يعجزون عن الاجتماع على الوطن في الداخل؟
إذا كانوا يتبادلون السلام والذكريات والحديث الهادئ في القاهرة، فلماذا لا يستطيعون فعل ذلك في عدن أو صنعاء أو المكلا أو تعز؟
ما الذي يجعل المنفى أكثر قدرة على جمع اليمنيين من وطنهم؟
هل المشكلة في الأشخاص أم في ثقافة سياسية ما زالت تؤمن بالإقصاء أكثر من إيمانها بالشراكة؟
لقد رأيت في ذلك المجلس شخصيات اختلفت فيما بينها سياسياً، وبعضها خاض صراعات قاسية في مراحل مختلفة من تاريخ اليمن، لكنهم كانوا يجلسون في مكان واحد، يتبادلون الحديث والاحترام، ويستعيدون الذكريات. عندها أدركت أن المشكلة ليست في استحالة اللقاء، وإنما في غياب الإرادة التي تجعل الوطن يتسع للجميع.
المؤلم أن اليمنيين أثبتوا أنهم قادرون على التعايش في المنافي، لكنهم لم ينجحوا بعد في بناء وطن يتعايشون فيه داخل حدود وطنهم.
وهنا يبرز السؤال الكبير الذي يجب أن يطرحه كل يمني على نفسه: إذا كنا نستطيع أن نجتمع على طبق طعام في الغربة، وأن نقف معاً في عزاء، وأن نتحاور في منتدى ثقافي خارج الوطن، فلماذا لا نستطيع أن نجتمع على الوطن نفسه؟
ربما لأننا ما زلنا ننظر إلى السياسة باعتبارها معركة إلغاء، لا مشروع شراكة. وما دام كل طرف يرى نفسه الممثل الوحيد للحقيقة والوطن، فإن المنفى سيظل أوسع صدراً من الوطن، وستظل الغربة أكثر تسامحاً من السياسة.
وحين يصبح الوطن قادراً على احتضان جميع أبنائه كما احتضنتهم المنافي، عندها فقط يمكن أن نقول إن اليمن بدأ يتعافى من جراحه الطويلة.
