الإثنين 22 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • اللواء حاتم أبو حاتم الأستاذ والملهم للأجيال (الحلقة الأولى)

اللواء حاتم أبو حاتم الأستاذ والملهم للأجيال (الحلقة الأولى)

اللواء حاتم أبو حاتم الأستاذ والملهم للأجيال (الحلقة الأولى)

يعجز اللسان أن يقول كل ما يعرفه عن المناضل الكبير حاتم أبو حاتم، وتتردد اليد بأصابعها عن نسج ما يعرفه صاحبها عن أستاذ تعلم منه الكثير في مسيرته الحياتية، وكسب منه معارف كثيرة ومهارات عظيمة سواء في المجال التنظيمي أو السياسي أو الثقافي أو الفكري، أو عما تعرفه عن حياة تلك الهامة الوطنية الشخصية أو الاجتماعية أو النضالية.

ومع ذلك فلا بد من أن ننطق وأن نكتب عن أستاذ تعلمنا منه وتتلمذنا على يديه، لا بد من أن نوضح للأجيال عن مثل هذه الشخصية العظيمة التي أحببناها واحترمناها، وكان لها مكانة عظيمة عند الغالبية العظمى ممن عرفوه وعملوا معه وناضلوا معًا.

الأخ الأستاذ اللواء المناضل حاتم بن علي بن هادي أبو حاتم، عضو اللجنة المركزية للتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، رئيس اللجنة الوطنية لمقاومة التطبيع في الجمهورية اليمنية منذ تأسيس اللجنة الوطنية، وسأتدرج في ذلك ابتداء من فترة طفولتي وخاصة من بعد حركة أكتوبر ١٩٧٨م التي نفذها رجال التنظيم الناصري ضد النظام الحاكم والتي على إثرها وبعد فشلها تحرك الأخ حاتم إلى مديرية نهم الأبية مديريته ووصول مجموعة من المناضلين زملاء الأخ حاتم إلى المديرية للاحتماء بأبناء نهم من بطش الحاكم الذي أعدم واحدًا وعشرين مناضلًا من مناضلي التنظيم. حينها كنت تلميذًا في الصف الخامس، ولم أكن أعرف عن الأخ حاتم شيئًا، ولكني كنت أسمع عنه من جدي الحاج أحمد محمد عاصم، ومن عمي الشيخ هادي عاصم، وبعد فترة من وصوله إلى منطقة نهم تم بناء منزله، وقام بزراعة أرضهم، والتي جزء منها كانت بجوار أموالنا أو مختلطة بأموالنا، وكان يأتي إليها دائمًا، وهي تقع على طريق رجوعنا من مدرسة الفوز إلى بيتنا، وكان يجلس على الطريق، ويمسكنا نجلس بجانبه ويمازحنا ويتحدث معنا كأننا من أولاده، أو كأنه يعرفنا من فترة طويلة.

وبعد فترة، وبسبب العلاقات القوية والودية التي كانت بينه وبين جدي وبينه وبين الوالد هادي، وزياراته المتكررة لبيت عاصم، بخاصة في المناسبات، وكانت تدور نقاشات بسيطة عن الشأن العام، بخاصة في مقايل القات، التي كانت تستمر إلى الساعة التاسعة مساء أحيانًا، كنت أحبذ الجلوس في مجالسهم، والاستماع إلى ما يقولونه بدافع الفضول، بالرغم من صغر سني في تلك الفترة التي اندلعت فيها الثورة الإيرانية ضد نظام بهلوي، وبعد مرور فترة زمنية (بضع سنوات) كانت معرفتي بالأخ حاتم تزداد، ولكنها محصورة في الطريق المؤدية إلى بيتنا أو عند إرسالي إليه من قبل جدي أو والدي أو عمي هادي، لدعوته لحضور المناسبات. وكان يتعامل معي بحفاوة كبيرة، ويسألني عن الدراسة، ويشجعني على مواصلة التعليم، كما كان يشجع الجميع، ويشجع على العمل المجتمعي. وأتذكر أنه ومعه جدي والنقيب حميد أبو حاتم وآخرون، تبنوا إصلاح نوافذ مدرسة الفوز والعقود التي كانت مكسرة بالكامل، وتم شراء المواد الزجاج والجص، وكان الأخ حاتم يأتي ليشارك في إصلاح النوافذ وتجهير العقود وتخريمها وتركيب الزجاج بيديه. وكانت تلك المبادرة المجتمعية خلقت لدى الطلاب وأولياء الأمور احترامًا للأخ حاتم، ولكل من أسهم فيها سواء بشراء المواد أو بالعمل في التجهيز والتركيب، وخلق لديّ انطباعًا جيدًا عن هذا الشخص الذي كان يعمل بيده ليشجع المبادرات، وليشجع على التعليم، ولم أكن أعلم شيئًا عن التنظيم الناصري أو عن الفكر الناصري، ولم أكن أعرف أن الوالد هادي عاصم هو مسؤول التواصل بين قيادة التنظيم في صنعاء وقيادة التنظيم المتواجدين في نهم، والذين كانوا متواجدين فيها من بعد الحركة، وكان منهم المرحوم الدكتور عبدالقدوس المضواحي، والأخ علي عطيفة الميموني، والمرحوم العميد علي أحمد الحبيشي، الذي كان وصل إلى نهم بعد أن كان غادر صنعاء وذمار بعد اغتيال الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي وأخيه عبدالله، في أكتوبر ١٩٧٧م، إلى مناطق الجنوب.

وفي يوم من الأيام هبطت طائرة هيلوكبتر قريبًا من منزل الأخ حاتم، وما هي إلا دقائق وهب أبناء نهم بأسلحتهم، لأنهم اعتقدوا أنها طائرة أتت لأخذ الأخ حاتم، ونحن طلاب مدرسة الفوز خرجنا إلى موقع هبوط الطائرة، ورأيت يومها موقفًا عظيمًا مازلت أتذكره إلى هذه اللحظة: كيف كان الناس يقفون إلى جانب بعضهم البعض، وكيف النخوة والشهامة لدى أبناء المديرية.

خلال هذه السنوات من ١٩٧٩ إلى نهاية ١٩٨٦م، كانت المرحلة الأولى في معرفتي بالأخ حاتم أبو حاتم، وتولد لديّ احترم كثير لهذا الرجل المرح الذي كان يمازح الجميع، وكان يشارك الجميع في الأفراح والأتراح، والذي كان يناقش الجميع حول القضايا الاجتماعية.

وكما ذكرت سابقًا، كان الوالد الشيخ هادي عاصم مسؤول منطقة نهم التنظيمية التي كان لها اسم تنظيمي (المنطقة المحررة، وأحيانًا سقطرى)، وذلك بحكم موقعه التنظيمي الذي كان في فترة القائد الشهيد إبراهيم محمد الحمدي، وموقعه الاجتماعي كرئيس لهيئة التطوير التعاوني في مديرية نهم، وكان مرتبطًا تنظيميًا بكل من الشهيد القائد عيسى محمد سيف، والشهيد عبدالسلام مقبل، والمناضل عبدالله سلام الحكيمي، والمناضل عبده محمد الجندي، الذي كان مسؤولًا عن فرع صنعاء، إلى أن تم تجميد عضويته في منتصف الثمانينيات، ولم يتم إبلاغ مسؤولي بعض المناطق بالقرار، وبعد حركة ١٥ أكتوبر، ووصول الأخ اللواء حاتم أبو حاتم، وكذا وصول بعض القيادات التي ذكرناها ، ووجود الوالد هادي عاصم في المديرية، كانت القيادة تعقد اجتماعاتها التنظيمية في سرية تامة، وكان مقر الاجتماعات هو منزل الوالد الحاج صالح عاصم، لأنه كان يقع في منطقة لا يوجد فيها مبانٍ أخرى آنذاك، وكان يتوافد إليه المجتمعون من قبل منتصف الليل إلى قبل الفجر، وكان الوالد هادي يخبر الوالد صالح بأنه اجتماع سري للقبيلة حفاظًا على السرية، وكانت الاجتماعات تضم القيادات المتواجدة في نهم، والقيادات التي كانت تأتي من العاصمة ومن مناطق أخرى، ثم العودة إلى أماكنهم، وكان الأخ حاتم هو من يدير تلك اللقاءات، ويرتب لها هو والوالد هادي، وكان الجميع يهتمون بحماية الأخ حاتم.

وأتذكر أنه في أحد الأيام وصل إلى مسجدنا قبل المغرب رجل طويل وعريض حالقًا رأسه ولحيته، ومعه كيس، وبعد صلاة العشاء أتى مع جدي وأعمامي إلى البيت، وكنت أجلس مع الكبار لمتابعة دروسي عند والدي الحاج ردمان، وكان الجميع يعتقدون أنه متسول، وأثناء الحديث بدأ يتكلم عن شخص موجود في منزل يبعد عن منزلنا حوالي ثلاثمائة متر، وأنه مسؤول، وأنه... وأنه... حينها قال له جدي وأنت من أنت؟ ومن أين أتيت؟ وهل تريد مساعدة؟ لأن جدي اعتقد أنه متسول. فقال أنا رجل ماشي فقط ولست متسولًا. وعندها أدرك جدي وأبناؤه أنه ربما مرسل من النظام الحاكم لمحاولة اغتيال حاتم. وكنت أسمع جدي وهو يسأله أسئلة محرجة، وسأله ماذا في الكيس الذي معه وبين يديه، فرفض الإجابة رفضًا قاطعًا، ورفض رفضًا قاطعًا تفتيش الكيس

الذي معه، وتم إبلاغ آل أبو حاتم. وأتذكر أنه وصل إلى بيتنا مجموعة منهم، وأتذكر أن ممن حضر الأخ الأستاذ المرحوم عبدالعزيز أبو حاتم، والأخ المرحوم ناجي علي حميد أبو حاتم، والأخ الشيخ محسن حميد أبو حاتم، وتم استجواب ذلك الشخص الذي كان يطلب السماح له بالمغادرة، وتعهد بأنه لن يعود مرة أخرى. وغادر آل أبو حاتم بيتنا، ونمنا ووالدي وأعمامي يحرسونه. وفي الصباح غادر، ولم أكن أفهم ماذا كان يقصد من مجيئه إلا عندما كنت أسأل جدي الذي أكد لي أنه كان يريد أن يقضي على حاتم. وهذه الحادثة كانت في السنوات الأولى بعد الحركة، لكني لا أعرف تاريخها بالضبط لصغر سني.

وأتذكر أيضًا أن الشيخ محمد أحمد دهره صهيرنا كان في زيارة عيدية لعمته زوجة جدي أحمد، وفي اليوم الثاني ذهب بعد الغداء لزيارة الأخ حاتم، وبعد رجوعه إلى منطقة بيت دهره ببني الحارث تم سجنه في الأمن الوطني الذي لم أكن أعلم عنه شيئًا ولا أعلم أن الشيخ محمد أحمد دهره ناصري، وهو من قص عليَّ هذه القصة بعد سنوات من إلقاء القبض عليه، وهو كان رجلًا مثقفًا ثقافة عالية، وحينما كان يأتي لزيارة عمته كنت أجلس معه ساعات، وكنت بدأت أستوعب مجريات الأمور، وكان يقول لي هذا حاتم رجل قوي وشجاع وقائد و... و...

وفي ١٩٨٦م دخلنا نحن مجموعة من طلاب مدرسة الفوز للدراسة في مدرسة عمر المختار الثانوية، لدراسة الصف الثالث الثانوي، وأثناء الدراسة كنت أستمع كثيرًا للوالد الشيخ هادي عاصم عن عبدالناصر وعن الحمدي وعن عيسى محمد سيف ورفاقه، وكنت أيضًا كثير الأسئلة وكثير الاستفسار، وهو لم يكن يبخل علينا أبدًا، وعرض علينا في يوم من الأيام الانتساب للتنظيم الناصري، وأعطانا كتبًا من أهمها: ميثاق الثورة المصرية، وفلسفة الثورة، وسلسلة كتب للمفكر العربي عصمت سيف الدولة، وكتب أخرى. وبعدها طلبت ومعي الوالد عبدالله عاصم والأخ عبدالرحمن هادي عاصم، إتمام انتسابنا للتنظيم، وذهبنا لبيت في الدائري الشمالي، والتقينا بالأخ الأستاذ عبده محمد الجندي، والأخ الأستاذ محمد أحمد مقبل الفيصلي، وتم الانتساب، وبدأنا نشاطنا التنظيمي في سرية تامة، وبدأت الاطلاع بصورة مستمرة على كتب ثقافية وعلى الصحف التي كانت تصدر في صنعاء ومنها صحيفة ٢٦ سبتمبر وصحيفة الثورة. وبعد إتمام الدراسة ونيل الشهادة الثانوية عدت للتدريس في مدرسة الفوز الثانوية كمعلم ملزم (أداء الخدمة الإلزامية). وفي تلك الفترة كنت أزور الأستاذ المناضل حاتم في منزله بصورة مستمرة للاستفادة منه ومن ثقافته وسياسته، وكان يتعامل معي كابن، ويظهر لي احترامًا كبيرًا، ويشجعني على مواصلة التعليم، وعلى أن المستقبل هو للمتعلمين، كما كان يشجع الجميع من هم في نفس عمرنا، وكنا نستمر معه إلى التاسعة مساء في أغلب الزيارات، وتوطدت علاقتي به، وازدادت ثقتي في هذا القائد الذي لم أشعر في يوم من الأيام أنه يتعامل معي كشاب يافع، بل إنه كان يتعامل معي كشخص راشد.

وفي العام ١٩٨٩ التحقنا بجامعة صنعاء أنا والوالد عبدالله عاصم، ولم يكن أحد من أسرتنا سبقنا في الالتحاق بالجامعة، وكان الفضل في ذلك يعود لجدي أحمد وللوالدين ردمان وهادي، وللأخ حاتم الذي كان دائمًا يزور الوالد هادي إلى منزلنا في شارع مأرب.