الجمعة 7 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • اتفاق مكة... أين يقع اليمن في معادلة الأمن الإقليمي الجديدة؟

اتفاق مكة... أين يقع اليمن في معادلة الأمن الإقليمي الجديدة؟

في السابع من أغسطس/ آب 2026، وقعت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة، اتفاقية للدفاع المشترك، تنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجومًا عليها جميعًا، وعلى تعزيز الردع المشترك وتطوير أوجه التعاون الدفاعي بينها. وبذلك انتقلت العلاقات العسكرية المتنامية بين الدول الثلاث من شبكة تفاهمات ثنائية إلى إطار دفاعي ثلاثي يجمع الثقل الاقتصادي والطاقة السعودي، والقدرة العسكرية والصناعية التركية، والردع الاستراتيجي الباكستاني.

اتفاق مكة
اتفاق مكة
لم يكن الاتفاق مفاجئًا، فقد بدا واضحًا خلال الحرب الإيرانية -الأميركية الحالية، وما سبقها من أزمات في البحر الأحمر، أن دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، بدأت تعيد تقييم فلسفة أمنها واستراتيجيتها الإقليمية. فالمشكلة لم تعد في حجم التهديدات وحده، بل في محدودية قدرة منظومة الردع التقليدية على منع انتقال آثار المواجهة إلى دول الخليج ومنشآتها الحيوية. كما أن أمن الخليج لم يعد شأنًا محليًا، بل جزء من الأمن الاقتصادي والاستراتيجي العالمي، لأن استقرار أسواق الطاقة والتجارة يرتبط مباشرة بأمن هرمز وباب المندب والموانئ ومنشآت الطاقة.
كما يمكن فهم اتفاق مكة باعتباره جزءًا من تحول في مفهوم الأمن السعودي من الحماية إلى الردع، ومن الاعتماد على مظلة واحدة إلى تعدد دوائر الأمن والشراكة. ولا يعني ذلك تخلي الرياض عن الولايات المتحدة، بل إدراكًا بأن العلاقة مع واشنطن، مهما بلغت أهميتها، لا تعفي الدولة من بناء أدوات ردعها وشبكة شركائها الخاصة.
وسبق اتفاق مكة بنحو أحد عشر شهرًا توقيع السعودية وباكستان اتفاقية للدفاع الاستراتيجي المشترك، قبل أن تنضم تركيا إلى معادلة تجمع الطاقة والموقع السعودي، والصناعة العسكرية التركية، والثقل العسكري الباكستاني.
ما يضيف معنى آخر للاتفاق يتمثل في أن الرياض لا تبحث عن جيش آخر يقاتل بدلًا عنها، بقدر ما تبحث عن رفع تكلفة التفكير في مهاجمتها، وهذا هو جوهر الردع: أن يصبح استخدام القوة ضدك أكثر كلفة من المكاسب المتوقعة منه.
وفي هذا السياق يمكن قراءة جانب من السلوك السعودي خلال الحرب مع إيران والتصعيد الحوثي الأخير. فعلى الرغم من امتلاك الرياض هامشًا للذهاب إلى مواجهة أوسع، فإنها أظهرت ميلًا إلى احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى حرب إقليمية مفتوحة، انطلاقًا من تقدير يوازن بين ضرورة الردع وكلفة الانخراط في مواجهة طويلة قد تهدد الاستقرار الاقتصادي ومشروعات التحول الداخلي. وهذا السلوك لا يعني ضعفًا، بل اختلافًا في حساب الكلفة.
لكن تجنب الحرب يصبح مشكلة إذا فهمه الخصم باعتباره غيابا للإرادة، ولهذا تحتاج سياسة ضبط النفس إلى ردع يساندها. ومن هذه الزاوية يصبح اتفاق مكة محاولة لبناء معادلة تجمع بين تجنب الحرب ورفع كلفة فرضها على المملكة.
ولا ينبغي قراءة الاتفاق باعتباره إعلان حرب على إيران. فالرياض حافظت على قنوات سياسية هدفها منع اتساع المواجهة، كما أن تركيا وباكستان لا تملكان مصلحة في صدام مفتوح مع طهران. لكن إيران تبقى أحد العوامل التي أسهمت في إنتاج البيئة التي جعلت الاتفاق ممكنًا، بسبب طبيعة التهديدات التي كشفتها الحرب وشبكة القوى المسلحة المرتبطة بها والضغط على الممرات البحرية.
ولهذا كان لافتًا أن يستهدف أول رد إيراني مصداقية الاتفاق نفسه. فالقول إنه لن يوفر للسعودية الأمن يضع السؤال الحقيقي في صلب معادلة الردع الجديدة: هل ستقف أنقرة وإسلام آباد فعلًا إلى جانب الرياض إذا تعرضت لهجوم؟ هذه هي المسألة التي ستحدد قيمة الاتفاق مستقبلًا.
لكن التحول الأعمق يتعلق بتغير الجغرافيا السياسية للأمن الخليجي. فالمعادلة التقليدية كانت تنظر إلى الخليج من زاوية إيران وهرمز والقواعد الأميركية، بينما ربطت أزمات السنوات الأخيرة الخليج بالبحر الأحمر وباب المندب واليمن والقرن الإفريقي. وبذلك أصبح أمن الطاقة يمتد من هرمز شرقًا إلى باب المندب غربًا، وأصبح أي ضغط على أحد الممرين يضاعف قيمة الآخر.
وهنا يدخل اليمن في قلب المعادلة. فهو لم يعد بالنسبة إلى السعودية مجرد ملف حدودي أو أزمة في دولة مجاورة. موقعه المطل على باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، ووجود جماعة حوثية تمتلك صواريخ وطائرات مسيرة وقدرة على تهديد السفن والموانئ، جعلاه جزءًا من أمن البحر الأحمر والتجارة الدولية.
ولهذا يحمل اتفاق مكة رسالة يمنية حتى إذا لم يذكر اليمن في نصه. فالسعودية قد تتجه من إدارة التهديد الحوثي بصورة منفردة إلى إدراجه داخل شبكة أمن إقليمية أوسع. وإذا تطور الاتفاق نحو تبادل المعلومات والدفاع الجوي والأمن البحري والتصنيع العسكري، فإن التعامل مع الصواريخ والمسيرات والتهديد البحري سيصبح جزءًا من بنية ردع أوسع، لا ملفًا سعوديًا -حوثيًا فقط.
لكن هذا التحول يحمل خطرًا على اليمن أيضًا. فإذا أصبح الردع الإقليمي بديلًا عن معالجة أصل الأزمة اليمنية، فقد تحصل السعودية على حماية أكبر، بينما يبقى اليمن في حالة حرب معلقة، ويمكن احتواء الصواريخ وتأمين الملاحة جزئيًا من دون أن يؤدي ذلك إلى استعادة الدولة أو إنهاء سيطرة الحوثيين.
لهذا ينبغي للحكومة اليمنية أن تقرأ الاتفاق من زاوية مختلفة، فالسؤال ليس ما إذا كانت تركيا وباكستان ستدخلان الحرب في اليمن، بل كيف يستطيع اليمن أن يصبح جزءًا من البنية الأمنية الجديدة بدلًا من أن يبقى مجرد ساحة للتهديد. وأمن باب المندب لا يبدأ من السفن الحربية في البحر، بل من الدولة التي تسيطر على اليابسة المحيطة به.
ومن هنا فإن مصلحة اليمن تقتضي الانتقال من طلب الدعم التقليدي إلى طرح نفسه شريكًا في الأمن الإقليمي، عبر بناء خفر السواحل، وتطوير الدفاع الجوي، وتأهيل القوات البحرية، ومراقبة الموانئ، ومكافحة تهريب السلاح، وربط استعادة مؤسسات الدولة بأمن البحر الأحمر وباب المندب.
لايزال من المبكر وصف اتفاق مكة بأنه "ناتو إسلامي". فالتحالفات لا تصبح مؤثرة بمجرد توقيعها، وإنما عندما تتحول النصوص إلى مؤسسات وقدرات وخطط دفاع مشتركة. لكن الاتجاه أصبح أكثر وضوحًا: المنطقة التي اعتمدت لعقود على استيراد الأمن من القوى الكبرى بدأت تبحث عن قدرة أكبر على إنتاجه من داخلها، مع الاحتفاظ بتحالفاتها الدولية.
أما اليمن، فإما أن يقرأ هذا التحول مبكرًا، ويعيد تقديم نفسه باعتباره ركنًا لا غنى عنه في أمن البحر الأحمر وباب المندب، أو أن تتشكل حوله منظومة أمنية جديدة تنظر إليه بوصفه مصدر خطر ينبغي احتواؤه، لا دولة ينبغي إعادة بنائها.