السبت 20 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • باب المندب بين تسويات الكبار وصراعات الصغار

باب المندب بين تسويات الكبار وصراعات الصغار

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى الهدنة الثانية بين إيران وإسرائيل، وإلى المفاوضات المتسارعة بين طهران وواشنطن حول العقوبات والملف النووي والأصول المجمدة ومستقبل النفوذ الإقليمي، يقف اليمن مرة أخرى في موقع المتفرج على أحداث كان جزءًا من كلفتها، لكنه ليس جزءًا من عوائدها.

فالمشهد الذي يتشكل اليوم في الشرق الأوسط لا يتعلق فقط بوقف إطلاق النار أو بتأجيل مواجهة عسكرية، بل بإعادة رسم خرائط المصالح الاقتصادية والسياسية التي ستحدد شكل المنطقة خلال السنوات القادمة وحين تقترب فيها المنطقة من تفاهم سياسي أو تسوية إقليمية تظهر حقيقة قديمة تتكرر بأشكال جديدة، وهي أن الدول الكبرى والإقليمية تتصارع حين تتعارض مصالحها، لكنها تتفاهم عندما يصبح الاقتصاد والتجارة والطاقة والممرات البحرية على الطاولة.

في العلن تبدو المنطقة كأنها تعيش حالة استقطاب حاد، وتبدو التصريحات المتبادلة بين الخصوم مليئة بالتهديدات والوعيد، لكن خلف هذا المشهد الصاخب تدور مفاوضات أكثر هدوءًا وأشد تأثيرًا. فالدول لا تبني سياساتها على الخطابات بقدر ما تبنيها على المصالح. وما يبدو خصومة أمام شاشات التلفزيون قد يتحول إلى تفاهمات خلف الأبواب المغلقة عندما يتعلق الأمر بأسعار النفط وأمن الطاقة والاستثمارات الضخمة والممرات البحرية التي تحمل الجزء الأكبر من الاقتصاد العالمي.

ولهذا لا يمكن قراءة ما يجري بين إيران والولايات المتحدة بمعزل عن المصالح الاقتصادية الهائلة المطروحة على الطاولة. فبعد سنوات من العقوبات والحصار الاقتصادي تتحدث دوائر سياسية واقتصادية عن الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة، وعن عودة استثمارات ومشاريع تنموية وإعادة إعمار بمئات المليارات من الدولارات.

وظل اليمن أكثر من عقد ونيف جزءًا من المشهد، وجزءًا من أدوات الضغط من اجل المصالح الإيرانية ومافيا الحروب، وجزءًا من الحسابات الإقليمية التي يجري التفاوض عليها اليوم كانت أرضه إحدى ساحات الصراع المفتوحة، وكان باب المندب إحدى أهم الأوراق الجيوسياسية المستخدمة في معادلات النفوذ والضغط والردع، وعلى وقع تلك الحسابات تم استنزاف الاقتصاد اليمني وتدمير البنية التحتية والمطارات والموانئ وموارد الطاقة، فيما تحولت البلاد إلى ساحة تدفع ثمن الصراع دون أن تكون شريكًا في رسم نتائجه.

لكن المفارقة أن إيران تتحدث اليوم عن إعادة الإعمار، بينما مايزال اليمن يتحدث عن إعادة الكهرباء وإيران تفاوض على أصول بمليارات الدولارات، بينما ينتظر ملايين اليمنيين رواتبهم المتوقفة. وإيران تستعد للاستفادة من مرحلة ما بعد التهدئة، بينما مايزال اليمن عالقًا بين حرب لم تنته وسلام لم يولد وهدنة تشبه الموت البطيء أكثر مما تشبه الاستقرار الحقيقي.

وفي قلب هذه الحسابات يقف مضيق هرمز، الشريان الذي تمر عبره نسبة ضخمة من تجارة النفط العالمية. فالعالم يريد هرمز آمنًا، والأسواق تريد النفط متدفقًا، والقوى الكبرى تريد تجنب أية مواجهة قد تعطل حركة الطاقة العالمية.

ومع ذلك فإن كل سفينة تغادر الخليج باتجاه أوروبا تحتاج في نهاية المطاف إلى المرور عبر باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس. ولهذا أصبحت المضائق البحرية الممتدة من الخليج العربي حتى البحر المتوسط جزءًا من منظومة اقتصادية واحدة تتحكم في جزء هائل من حركة الاقتصاد العالمي.

ومن هنا يمكن فهم التحركات السياسية والأمنية المتزايدة في البحر الأحمر خلال الأشهر الأخيرة. فالدول المطلة على هذا الممر الحيوي لم تعد تنظر إليه باعتباره مجرد حدود بحرية، بل باعتباره أحد أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي. ولذلك فإن استقرار البحر الأحمر أصبح قضية دولية تتجاوز اليمن والسعودية ومصر ودول المنطقة ليصل إلى أوروبا وآسيا والولايات المتحدة.

وتدرك مصر هذه الحقيقة أكثر من غيرها. فكل اضطراب في البحر الأحمر ينعكس مباشرة على حركة الملاحة في قناة السويس، وكل سفينة تغير مسارها بعيدًا عن القناة تعني خسائر اقتصادية مباشرة. ولهذا لم يكن الاهتمام المصري المتزايد بأمن البحر الأحمر وقضايا الملاحة الدولية مجرد اهتمام أمني أو سياسي، بل أصبح جزءًا من معركة اقتصادية تتعلق بحماية أحد أهم مصادر الدخل القومي المصري.

ومن يتابع التحركات الدبلوماسية والأمنية الأخيرة في المنطقة يلاحظ أن هناك إدراكًا متزايدًا لدى العواصم الإقليمية بأن المرحلة القادمة ستكون مرحلة تنافس اقتصادي بقدر ما هي مرحلة توازنات أمنية. فالحديث لم يعد يقتصر على الحروب والصواريخ، بل يمتد إلى الموانئ والممرات التجارية والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد العالمية.

وفي الوقت نفسه تتشكل مشاريع اقتصادية جديدة قد تعيد رسم طرق التجارة العالمية خلال العقود القادمة. فهناك مشاريع وممرات استراتيجية تربط الهند الخليج ثم بالبحر المتوسط، وتحظى بدعم إقليمي ودولي واسع، في محاولة لإيجاد طرق تجارية أكثر استقرارًا وأقل عرضة للتوترات الأمنية.

ومع كل مشروع جديد يزداد التنافس على الموانئ والمناطق الحرة ومراكز النقل البحري، بينما تدخل المنطقة مرحلة اقتصادية مختلفة عنوانها التجارة والطاقة والموقع الجغرافي.

وفي موازاة ذلك تكشف التطورات الجارية في جنوب لبنان أن اتفاقات التهدئة لا تعني بالضرورة انتهاء الصراع. فبعض القوى تستثمر فترات الهدوء لترسيخ وقائع جديدة على الأرض وتوسيع نطاق نفوذها الأمني والعسكري، الأمر الذي يعكس طبيعة المنطقة نفسها؛ حيث تتحول الهدن في كثير من الأحيان إلى أدوات لإعادة ترتيب موازين القوة لا إلى نهايات فعلية للصراعات.

وهذا ما يجعل قراءة المشهد الإقليمي أكثر تعقيدًا. فبينما تتجه بعض الأطراف نحو التهدئة والتسويات الاقتصادية، تعمل أطراف أخرى على تثبيت مكاسبها الجيوسياسية والعسكرية استعدادًا للمرحلة المقبلة. ولذلك فإن ما يجري اليوم لا يمكن فهمه باعتباره نهاية للصراع، بل إعادة تشكيل له بأدوات مختلفة.

وفي خضم هذه التحولات الكبرى يبدو اليمن كأنه خارج المشهد الحقيقي رغم أنه يقع في قلب الجغرافيا التي تدور حولها كل هذه الحسابات. فبينما تتفاوض الدول على أمن هرمز وباب المندب وقناة السويس، وتتفاوض على الاستثمارات والممرات الاقتصادية وإعادة الإعمار، مايزال اليمنيون منشغلين بصراعاتهم الداخلية التي استنزفت الدولة والمجتمع معًا.

لقد أمضى اليمن سنوات طويلة في صراعات حزبية ومناطقية وطائفية وسياسية حتى أصبحت الخصومات الداخلية أكثر حضورًا من فكرة الدولة نفسها، وبينما كان الجميع يتحدث عن السلطة والنفوذ والانتصار والهزيمة كانت الجغرافيا اليمنية تتحول تدريجيًا إلى جزء من حسابات القوى الإقليمية والدولية.

وفي قلب هذا المشهد استطاعت جماعة الحوثي أن توظف موقعها وسيطرتها على أجزاء من البلاد لتصبح جزءًا من معادلة البحر الأحمر وباب المندب. ومع تزايد أهمية المضيق في الحسابات الدولية ازدادت قيمة الورقة التي تملكها الجماعة في أي تفاوض إقليمي أو دولي. لكن هذه القيمة لم تتحول إلى تنمية أو مؤسسات أو اقتصاد منتج أو خدمات عامة يستفيد منها اليمنيون، بل بقيت مرتبطة بمنطق الحرب والتسليح وابتزاز المواطن والاعتقال وتعزيز النفوذ وترسيخ سلطة الأمر الواقع.

وفي المقابل لم تنجح بقية القوى اليمنية في تقديم نموذج مختلف قادر على تحويل الموقع والثروة إلى مشروع وطني جامع فمأرب مازالت تختزن النفط والغاز، وحضرموت تمتلك ثروات هائلة من النفط والمعادن، وشبوة تملك موارد استراتيجية مهمة، وعدن تمتلك موقعًا بحريًا استثنائيًا يؤهلها لتكون من أهم المراكز اللوجستية في المنطقة، ومع ذلك لا يرى المواطن اليمني انعكاس هذه الثروات على حياته اليومية.

فالكهرباء ماتزال أزمة، والخدمات تتراجع، والاقتصاد ينهار، والعملة تتآكل، والدولة تبدو عاجزة عن تحويل مواردها إلى تنمية حقيقية.

وربما تكمن المأساة الأكبر في أن القوى التي تبدو متصارعة في العلن تعرف جيدًا كيف تتفق عندما تلتقي مصالحها الاقتصادية. أما اليمنيون فقد ظلوا لسنوات طويلة أسرى خلافاتهم الداخلية حتى أصبح بعضهم ينظر إلى خصمه المحلي باعتباره الخطر الأكبر، في الوقت الذي كانت فيه القرارات الكبرى المتعلقة بالمستقبل الاقتصادي للمنطقة تُصاغ خلف أبواب مغلقة لا مكان لليمن فيها إلا بوصفه جغرافيا استراتيجية أو ورقة ضغط أو ساحة نفوذ.

ومع اقتراب عام 2030 قد تكون إيران استفادت من تسوياتها السياسية والاقتصادية، وقد تكون مصر عززت موقعها كمركز رئيسي لحركة التجارة العالمية عبر قناة السويس، وقد تكون الممرات التجارية الجديدة أعادت رسم أجزاء من خريطة الاقتصاد العالمي، وقد تكون دول المنطقة حجزت مواقعها في النظام الاقتصادي القادم، أما اليمن فقد يجد نفسه أمام السؤال ذاته الذي يطارده منذ سنوات:

ماذا جنى من كل ما جرى فوق أرضه وحول مياهه؟ فقد تمر السفن أكثر من أي وقت مضى عبر باب المندب، وستزداد قيمة المضيق الاقتصادية والاستراتيجية، ستتضاعف حركة التجارة العالمية التي تعبر من جواره، لكن الخوف الحقيقي أن يبقى اليمني واقفًا على الشاطئ يتأمل السفن وهي تمر، كما ظل يتأمل ثروات بلاده وهي تغادر دون أن تصل إليه.

إن المأساة ليست أن العالم يعرف قيمة باب المندب، بل أن اليمنيين يعرفونها أيضًا، ومع ذلك لم يتمكنوا حتى اليوم من تحويل هذه القيمة إلى قوة وطنية مستقلة، فالدول من حولهم تتحرك لحماية مصالحها وتعظيم مكاسبها، وتبني استراتيجياتها لعقود قادمة، بينما مايزال الوطن نفسه موضوع خلاف بين النخب والأحزاب والمليشيات والقوى المتصارعة.

ففي النهاية قد لا يكون السؤال من يسيطر على باب المندب، بل من يستفيد منه. ومن يملك القدرة على تحويل موقعه الاستثنائي إلى مستقبل أفضل لشعبه، لا إلى مكسب دائم للآخرين.

لأن أزمة اليمن لم تكن يومًا في فقر الأرض ولا في ضعف الموقع الجغرافي، بل في غياب المشروع الوطني الجامع فباب المندب لم يتغير، والبحار مازالت تعبره، والثروات مازالت تحت الأرض، لكن الذي تبدل هو قدرة القوى السياسية على تحويل الوطن إلى ساحة صراع مفتوحة.

ولهذا فإن معضلة اليمن الحقيقية ليست في الجغرافيا، بل في النخب والخصوم والأحزاب والمليشيات التي لم يمر على قاموس كثير منها معنى الوطن، بينما يواصل اليمنيون دفع ثمن صراعات لا يملكون قرارها، والعيش فوق واحدة من أهم بقاع العالم الاستراتيجية دون أن يحصدوا شيئًا من قيمتها.