اشتقت لرائحة الحبر!!
لن أنسى ذلك الطابور الذي كنا نتنافس على الوقوف فيه لنصل إلى مبتغانا،
ومبتغانا كان:
المصور
آخر ساعة
الأهرام
الجمهورية
روزاليوسف
صباح الخير
الكواكب
و
الهلال
من دار القلم التي أدارها عبد الله وأسسها والده قاسم غالب أحمد، أول وزير للتربية والتعليم، في شارع 26 سبتمبر، في ركن مدرسة ناصر، أول فتحة من عمارة قلالة، لينتهي الدهر بعبدالله بعد أن توقف الناس عن القراءة على وايت يبيع بواسطته الماء لحي المهندسين في بيت بوس!!! حتى دار القلم لأمين الزنداني تحول إلى متجر لبيع كل شيء إلا الجرائد والكتب!! واليوم لم تعد لدي الرغبة حتى للبحث عمن يطبع لي كتابي الخامس "أسماء من ذهب"، لأن السؤال: كم عدد الذين يقرأون الآن؟ وأين هو الفعل الثقافي؟ لم يعد لهما وجود!! أصبحنا بقدرة قادر نتشاجر على صفحات الفيسبوك حول أمور قد أكل الدهر عليها وشرب!! العالم يتحدث عن الذكاء الاصطناعي ونقل التيار الكهربائي بواسطة موجات التليفون الأرضي، ونحن نبحث عن الإبل!!! هكذا بقدرة قادر.
كانت مصر ترسل ونحن نقرأ،
وعيب عليه من لا يقرأ.
كانت تعز يومها تحمل الكتاب ليل نهار،
ونحن في الابتدائية نقلد الكبار.
ترانا نمر على القنصلية الصينية في العقبة، ونحمل ما استطعنا من مؤلفات ماوتسي تونغ... وإلى كراسي الإبي الخشبية نجلس انتظارًا للواحد الملبن، وعيوننا على من يمروا وينظرون إلى كتبنا!! التي فهمناها فيما بعد.
كان الجميع يرددون: اقرأ.
واليوم مكتبة الوعي الثوري تبيع أحمر الشفاه!!
مثل الخمير الذي كنت أذهب به إلى المخبز الكائن أمام بيت شولق، رائحته تعمر نفسي، كانت رائحة الجرائد والصحف تملأ روحي راحة وفرحًا...
ما أزكاها رائحة الأهرام والمصور، وما أطعمه مقال السعدني في أخيرة المجلة...
ويوم التحقت بالثورة الصحيفة، كانت لا تزال مطابعها تخرجها بالأحرف الرصاص، وأحمد عبد العزيز يخرجها على اللوح التي تترك أثرها على الورق، ونحن وكل من يعشق القراءة يتشمم الرائحة!!
حوالي الـ11 عامًا ولم أعد أشم رائحة الحبر...
اشتقت للرائحة النفاذة، رغم أن التكنولوجيا تغلبت ونحن معها،
لكن شوقنا يبقى هو الشوق الغلّاب..
أين أجد نسخة قديمة من أي جريدة أو صحيفة لأشم رائحة حبرها..
