الخميس 6 أغسطس 2026

قرار الحرب... وتكاليفه

ليس هناك قرار سياسي أشد خطورة من قرار إعلان الحرب، فهو القرار الذي يغيّر مصير الشعوب، ويهدم ما بنته الأمم عبر عقود، ويخلّف خسائر بشرية واقتصادية واجتماعية قد تمتد آثارها إلى أجيال. ولهذا لا تُقاس كفاءة من يتولى السلطة بقدرته على إشعال الحروب، وإنما بقدرته على تجنبها، وإدارة الأزمات بحكمة، وصناعة السلام متى كان ممكنًا.

وقد تُفرض الحرب في بعض الحالات دفاعًا عن الوطن أو ردًا على عدوان خارجي، لكن التاريخ يكشف أن عددًا كبيرًا من الحروب لم يكن ضرورة حتمية، بل كان نتاجًا لحسابات سياسية خاطئة، أو طموحات شخصية، أو دوافع نفسية، أو رغبة في البقاء في السلطة مهما بلغت كلفتها على الشعوب.
ولا يصنع قرار الحرب السلاح، بل يصنعه الإنسان. ولذلك تبقى شخصية متخذ قرار الحرب من أهم العوامل المؤثرة في مسار الأحداث. فمن يمتلك رؤية متزنة يدرك أن الحرب هي آخر الخيارات، أما من تحكمه النزعات الشخصية والانفعالات، فقد يرى في القوة العسكرية وسيلة لإثبات الذات أو للهروب من أزماته الداخلية.
وقد تدفع مشاعر النقص، أو الإحساس بالفشل، أو الرغبة المستمرة في تعويض ما يفتقده، متخذَ قرار الحرب إلى السعي وراء انتصار عسكري يعتقد أنه سيمنحه القوة والمجد اللذين عجز عن تحقيقهما بوسائل البناء والتنمية. وعندئذٍ تتحول الحرب من وسيلة لحماية المصالح العامة إلى أداة لإشباع احتياجات نفسية، بينما تتحمل الشعوب وحدها كلفة تلك المغامرات.
كما يمثل الإسقاط النفسي أحد العوامل المؤثرة في صناعة الصراع، إذ يعمد بعض أصحاب السلطة إلى تحميل خصومهم مسؤولية الإخفاقات التي أنتجوها هم أنفسهم، فيصنعون أعداءً دائمين، ويغذون مشاعر الخوف والكراهية، ويبررون استمرار المواجهة بدلًا من معالجة جذور الأزمات الداخلية.
وكثيرًا ما يلجأ من يعجز عن إدارة شؤون البلاد إلى الحرب باعتبارها وسيلة للهروب من أزماته. فعندما يعجز عن تحقيق التنمية، أو مكافحة الفساد، أو تحسين معيشة المواطنين، يصبح افتعال الصراعات الخارجية أو الداخلية وسيلة لتحويل اهتمام الرأي العام بعيدًا عن الإخفاقات الحقيقية، وإعادة إنتاج شرعيته من خلال خطاب التعبئة والخطر الدائم.
وفي حالات أخرى، قد لا يكون متخذ قرار الحرب قائدًا بالمعنى الحقيقي، بل مستبدًا، أو مغتصبًا للسلطة، أو من وصل إليها بالقوة. ومثل هذه السلطات لا تتغذى على الاستقرار، بل على استمرار الصراع. فهي تجد في الحرب مبررًا دائمًا لتوسيع نفوذها، وإسكات الأصوات المعارضة، وتعليق المطالب الشعبية، وإدامة حالة الطوارئ. ولذلك قد تنظر إلى السلام بوصفه تهديدًا لبقائها أكثر من كونه فرصة لإنقاذ الوطن.
فالسلام يكشف مواطن الفشل، ويعيد فتح ملفات الفساد وسوء الإدارة وانتهاكات الحقوق، ويضع تلك السلطات أمام واقع سياسي جديد قد يحد من قدرتها على احتكار السلطة. أما الحرب فتمنحها فرصة لتأجيل مواجهة تلك التحديات. ولهذا قد تجد في استمرار الصراع وسيلة لتعزيز نفوذها، وإطالة أمد بقائها في السلطة، والتهرب من المساءلة، وإعاقة أي مسار للتغيير السياسي، حتى لو كان الثمن استنزاف الإنسان، واستنزاف الاقتصاد، وضياع مستقبل الأجيال.
لقد أثبت التاريخ أن إشعال الحرب قد يكون قرارًا يتخذه فرد أو مجموعة محدودة، لكن آثارها لا تقتصر عليهم، بل تمتد إلى ملايين البشر الذين يدفعون الثمن من أرواحهم، وأرزاقهم، وأمنهم، ومستقبل أبنائهم. وما أسهل اتخاذ قرار الحرب، وما أصعب احتواء نتائجه بعد اندلاعه.
ومن هنا، فإن حماية الأوطان لا تتحقق بامتلاك القوة العسكرية وحدها، بل ببناء مؤسسات رشيدة، وتعزيز سيادة القانون، وإخضاع القرارات المصيرية للرقابة والمساءلة، حتى لا يصبح مصير الشعوب رهينة نزوات فرد، أو عقده النفسية، أو حساباته الشخصية، أو أوهامه السياسية.
إن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تتحقق في ميادين القتال، بل تلك التي تمنع اندلاع الحروب أصلًا. فالحكمة السياسية لا تُقاس بعدد المعارك التي تُخاض، وإنما بقدرة من يملك القرار على حماية الإنسان، وصون كرامته، وحفظ مستقبل الوطن بعيدًا عن أوهام القوة وهوس البقاء في السلطة.